6 أشهر
الفئات الأكثر تضررًا من استبدال العملة.. من سيدفع ثمن التغيير النقدي في سوريا؟
الأحد، 28 ديسمبر 2025

تنطلق سوريا مطلع العام المقبل نحو استبدال عملتها القديمة بأوراق نقدية جديدة، في محاولة لإعادة البناء النقدي بعد سنوات من الحرب والتدهور الاقتصادي الحاد.
ووفق إعلان حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، سيبدأ تنفيذ عملية الاستبدال اعتبارًا من الأول من كانون الثاني/يناير 2026، في ما وصفته السلطات بأنه انتقال من عهد نقدي إلى مرحلة مالية جديدة تهدف إلى استعادة الثقة بالليرة السورية وتحسين آليات التداول اليومية.
في هذا السياق يقدم حاكم المصرف المركزي الأسبق، الدكتور دريد درغام، مقاربة تأخذ في الاعتبار واقع الاقتصاد السوري الذي يعاني من تآكل عميق في القوة الشرائية وانخفاض حاد في المدخرات الأسرية جراء سنوات من التضخم والصدمة الاقتصادية.
ويراوح سعر صرف الليرة الحالية حوالي 11.500 ليرة مقابل الدولار الواحد، بعد أن كان نحو 50 قبل الحرب في 2011، ما يجعل التعامل بالأوراق النقدية القديمة مرهقًا من الناحية العملية والرقمية على حد سواء.
يشير درغام إلى أن الشريحة الأكبر من السوريين لن تشهد تغييرًا ملموسًا في أوضاعها اليومية، لأن ظروف المعيشة القائمة حرمت معظم الأسر من إمكانية تكوين مدخرات أو الحفاظ على فوائض مالية يمكن أن تتأثر بعملية تبديل الليرة. فالفقراء والنازحون المعتمدون على المساعدات الإنسانية، والعاطلون عن العمل بلا مصادر دخل ثابتة، والموظفون الذين فقدوا رواتبهم أو بالكاد تكفيهم لشهر واحد، جميعهم ينظرون إلى عملية الاستبدال كتعديل شكلي لا يمس جوهر حياتهم الاقتصادية أو يرفع قدرتهم الشرائية.
أصحاب السيولة في دائرة الخطر
يؤكد درغام أن السنوات الأخيرة شهدت تآكل ما تبقى من مدخرات الطبقة الوسطى نتيجة الارتفاع المتسارع في الأسعار وتراجع قيمة الرواتب الفعلية، ما جعل تأثير العملية عليهم أقرب إلى التغيير الإجرائي منه إلى التحول الاقتصادي.
في المقابل، يلفت إلى أن الفئات الأكثر حساسية تجاه هذه العملية هي تلك التي تحتفظ بكتل نقدية كبيرة من الليرة القديمة، سواء داخل المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة والتي لا تشملها التعليمات التنفيذية بوضوح، أو في المناطق التي تسيطر عليها السلطات حيث تنتشر ظاهرة الدولرة كبديل ادخاري ووسيلة لتأمين القيمة.
حاكم المصرف المركزي الأسبق، الدكتور دريد درغام
ويشير إلى أن هذه الفئة تضم تجارًا وحرفيين وأصحاب أعمال ومتعاملين في السوق السوداء للصرف، إلى جانب أفراد آثروا الاحتفاظ بسيولتهم خارج النظام المصرفي بسبب انعدام الثقة أو الخوف من القيود المفروضة على السحب والإيداع. هؤلاء، وفقًا له، سيجدون أنفسهم أمام خيارات معقدة تتعلق بسرعة التحرك، والقدرة على التصريح بمصادر أموالهم، والمخاطر المحتملة من التدقيق المصرفي والضريبي.
نوافذ مصرفية مرهقة
يحذر درغام من أن طبيعة التوزيع الجغرافي للكتلة النقدية، خاصة في المدن الكبيرة، قد تضع الأجهزة المصرفية أمام اختبارات صعبة، موضحًا أن قلة عدد المنافذ المالية في بعض الأحياء المكتظة قد تخلق طوابير طويلة وتوترًا في مراكز الخدمة، ما يهدد بتعطيل الانسيابية المعلنة في الخطة الرسمية.
وأضاف أن الإجراءات التنظيمية نفسها، رغم أنها تهدف للرقابة ومنع التلاعب، قد تتحول إلى عنصر معطل للعملية نتيجة متطلبات التحقق من الهوية الاقتصادية وتعبئة استمارات “اعرف عميلك”، والانتقال المتكرر بين نوافذ الاستبدال ونوافذ الإيداع، إضافة إلى صعوبة قبول الأوراق النقدية المهترئة التي تآكلت بفعل سنوات التضخم وسوء الحفظ.
ويشير إلى أن التخوف من الإعلان عن حجم المدخرات قد يدفع بعض أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة إلى تجنب القنوات الرسمية واللجوء إلى السوق السوداء، في محاولة للاستبدال بعيدًا عن الرقابة والمساءلة، لافتًا إلى أن هذا السلوك، في حال انتشاره، قد يرفع الطلب على الدولار ويزيد الضغط على الليرة الجديدة قبل دخولها الدورة النقدية المستقرة، ما يخلق فجوة سعرية بين الليرة القديمة والجديدة ويضعف الهدف الأساسي من عملية الإصدار.
أي مستقبل ينتظر الليرة؟
في تقييمه النهائي، يرى درغام أن نجاح استبدال العملة لا يقاس بتغيير شكل الأوراق النقدية أو سحب القديمة من التداول فحسب، بل بقدرة الدولة على إدارة العملية بشفافية وسلاسة وتخفيف الأعباء البيروقراطية، وتوسيع المنافذ المصرفية والمالية، وتوفير ضمانات تقلل المخاوف من الإفصاح عن السيولة، بما يمنع نشوء سوق موازية جديدة أو اضطرابات سعرية غير محسوبة.
Loading ads...
ويعتبر أن العملية قد تشكل فرصة لإعادة التوازن النقدي واستعادة شيء من الثقة بالعملة الوطنية إذا أحسن تنفيذها، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى عبء إضافي إذا غابت الإدارة المحترفة والتواصل الواضح مع المواطنين في مرحلة اقتصادية توصف بأنها الأكثر حساسية منذ عقود.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

