ساعة واحدة
رمضان على الأبواب.. بين الوفرة وارتفاع الأسعار كيف يبدو المشهد في حلب؟
الإثنين، 16 فبراير 2026
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، بدأت متاجر المواد الغذائية في مدينة حلب برفع وتيرة استعداداتها، حيث تشهد مستودعات تجار الجملة، ولا سيما في حي جب القبة وسط المدينة حركة نشطة للشاحنات التي تفرغ حمولاتها بشكل متواصل، كما يظهر النشاط ذاته في الأسواق الشعبية المنتشرة في معظم أحياء المدينة، مع تركيز واضح على المواد التي يرتفع الطلب عليها خلال الشهر الفضيل.
وبحسب ما رصده موقع تلفزيون سوريا في مدينة حلب ومراكز المدن الرئيسية في ريفها، فإن أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية شهدت ارتفاعاً يتراوح بين 12 و15 بالمئة، وهو نمط بات مألوفاً في الأسواق السورية مع اقتراب رمضان، وشمل الارتفاع الخضراوات والفواكه والمواد الأساسية للطبخ مثل الأرز والبرغل والفريكة والعدس والسمن والزيوت وغيرها من المواد التي تعتمد عليها الأسر في تحضير وجبات الإفطار والسحور.
ورغم تسجيل حركة تجارية مقبولة نسبياً في الربع الأخير من شهر شعبان، إلا أن التحدي الأكبر ما يزال يتمثل في الوضع المعيشي للأسر، فعلى الرغم من تحسن القدرة الشرائية مقارنة برمضان الماضي، نتيجة تحسن سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية بعد سقوط النظام المخلوع، إلا أن رواتب الموظفين ما تزال عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية، ورغم تسجيل انخفاض في أسعار بعض السلع مقارنة برمضان الماضي، إلا أن الارتفاع المستمر في سلع أخرى أبقى الضغط المعيشي قائماً على معظم الأسر.
وفرة في السلع والأسعار تحلق
أظهرت جولة ميدانية في أسواق مدينة حلب وبعض مناطق ريفها وفرة واضحة في المعروض من مختلف المواد الغذائية، خاصة تلك التي تشكل أساس المائدة الرمضانية، ولوحظ هذا العام تنوع كبير في أصناف التمور، خصوصاً التمور ذات المنشأ السعودي التي دخل بعضها الأسواق المحلية لأول مرة، وتتميز بحجمها الكبير وطراوتها وجودتها العالية.
وتباع عبوات التمور بوزن 3 كيلوغرامات بأسعار تتراوح بين 65 و70 ألف ليرة لبعض الأنواع ضمن العروض، بينما تنخفض الأسعار لأنواع أخرى أصغر حجماً أو متعددة المنشأ، في حين تصل أسعار بعض الأنواع الفاخرة إلى 150 ألف ليرة وأكثر للعبوة ذاتها، أما على مستوى البيع بالمفرق، فيتراوح سعر كيلو التمر بين 20 ألفاً و70 ألف ليرة بحسب النوع والمنشأ، وبالمقارنة مع العام الماضي، ارتفعت أسعار بعض أنواع التمور بنسبة تصل إلى 30 بالمئة، بينما سجلت زيادة عامة بحدود 7 بالمئة مؤخراً، مع توقعات بارتفاع إضافي مع دخول رمضان وازدياد الطلب، خاصة لدى العائلات التي تحضر الحلويات الرمضانية.
ويقول أبو أحمد (رب أسرة مكونة من ثمانية أفراد ويسكن في حي الشعار بحلب): "لم أعد أستطيع شراء التمر الجيد لرمضان، الكيلو الواحد لا يكفي عائلتي ليومين، لذلك أضطر لشراء التمر الأرخص وبكميات أكبر حتى يكفينا طوال الشهر"، وينطبق المشهد ذاته على منتجات الألبان والأجبان التي تشهد وفرة كبيرة في الأسواق، ومعظمها من الإنتاج المحلي، لكنها بدأت تسجل ارتفاعاً تدريجياً في الأسعار مع زيادة الطلب.
وخلال جولة في سوق باب جنين الشعبي وسوق الجميلية، الذي يعد من أبرز أسواق المدينة وأكثرها تنوعاً، بدت رفوف المحال ممتلئة بالخضار والفواكه والحلويات والمعجنات والمكسرات، إلى جانب انتشار الباعة المتجولين الذين يضفون طابعاً خاصاً على أجواء الأسواق قبيل دخول شهر رمضان.
رصد موقع تلفزيون سوريا أسعار بعض السلع بحلب، سجلت اللحوم الحمراء أسعاراً مرتفعة نسبياً، حيث يصل كيلو لحم العجل إلى نحو 115 ألف ليرة، بينما يتجاوز لحم الضأن 170 ألف ليرة للكيلو، ويبلغ سعر الفروج الكامل نحو 33 ألف ليرة، بينما ارتفع سعر صدر الفروج إلى 40 ألف ليرة مؤخراً بعد قرار وقف الاستيراد، أما الخضراوات فتتراوح أسعارها بين 5 آلاف ليرة للملفوف و20 ألف ليرة للبصل والليمون، بينما تصل بعض الفواكه المستوردة مثل الأفوكادو والمانغا إلى 40 و45 ألف ليرة للكيلو، كما تتوافر الحبوب مثل الأرز والعدس والبرغل بأسعار مستقرة نسبياً مع تغيرات طفيفة لا تتجاوز 10 بالمئة وفقاً لسعر الصرف.
مصاريف الشهر كبيرة
رغم تراجع سعر الدولار من نحو 15 ألف ليرة قبل التحرير إلى قرابة 12 ألف ليرة حالياً (سعر الصرف كل دولار يساوي 11700 ليرة سورية) ورغم زوال كثير من الأعباء التي كانت تفرض سابقاً في زمن النظام المخلوع، مثل الإتاوات على الحواجز أو القيود الاحتكارية على الاستيراد، إلا أن أسعار المواد الغذائية ما تزال مرتفعة، وهو ما يثير تساؤلات لدى الأهالي حول أسباب استمرار هذا الارتفاع.
ويرى بعض المتابعين أن ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف الكهرباء وأجور العمالة أسهم في رفع تكاليف الإنتاج، ما انعكس على أسعار السلع النهائية في الأسواق، وفي المقابل، يشير عدد من الأهالي الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا إلى عدم وجود مبرر منطقي لاستمرار الأسعار عند هذه المستويات، مطالبين بضرورة التدقيق في التكاليف الحقيقية للسلع، وتدخل الحكومة لفرض رقابة تموينية صارمة على التجار خلال هذه الفترة التي تسبق الشهر الفضيل وخلاله أيضاَ، لأن بعض التجار يعتبرون هذه الفترة فرصة ذهبية بالنسبة لهم ليحققوا أرباحاً طائلة على حساب الفقراء.
في سوق الجميلية التقى موقع تلفزيون سوريا قصي صباغ، قال: "متطلبات رمضان أصبحت عبئاً كبيراً علينا، أسعار معظم المواد المطلوبة في هذا الشهر مرتفعة ولا تتناسب مع دخلنا، صرفيات رمضان تعادل صرفيات أربعة أشهر تقريباً، أي أن معظم الأسر الحلبية ستقع تحت وطأة المديونية" ويضيف " نأمل أن تتحرك الجمعيات الخيرية لتقديم سلال غذائية، وأن تقدم الحكومة منحة للموظفين لمساعدتهم على تغطية نفقات الشهر".
تفاوت في الأسعار
وتظهر المقارنة بين أسعار السلع في مدينة حلب وبعض مناطق ريفها تباينات واضحة، ترتبط بشكل رئيسي بطبيعة العملة المتداولة وهيكل السوق المحلي في كل منطقة، ففي حين تعتمد أسواق مدينة حلب بشكل شبه كامل على الليرة السورية، ما تزال بعض مناطق ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، مثل اعزاز والباب وجرابلس وعفرين، تعتمد الليرة التركية كعملة رئيسة في التعاملات اليومية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مستويات الأسعار وآلية تسعير السلع.
ويبرز هذا التفاوت بشكل أوضح في أسعار الخضراوات والفواكه، نظراً لارتباطها المباشر بتكاليف النقل وسلاسل التوريد اليومية، إضافة إلى تأثرها بسعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار، وكذلك مقابل الليرة السورية، ففي بعض الأحيان تكون أسعار الخضروات في تلك المناطق أقل من نظيرتها في مدينة حلب، خاصة عندما يكون توريدها مباشراً من الأراضي الزراعية القريبة، بينما ترتفع في أوقات أخرى نتيجة تقلبات سعر الصرف أو ارتفاع تكاليف الوقود والنقل.
وتلعب طبيعة العرض والطلب دوراً مهماً في هذا التفاوت، حيث تعتمد بعض مناطق الريف على الإنتاج الزراعي المحلي بشكل أكبر، ما يمنحها هامش استقرار نسبي في أسعار بعض الأصناف الموسمية، في المقابل، تعتمد مدينة حلب بدرجة أكبر على المواد الواردة من أسواق الجملة والضواحي القريبة أو من المحافظات الأخرى، ما يجعل أسعارها أكثر حساسية لتقلبات التكاليف التشغيلية وسعر الصرف.
أما بالنسبة للمواد الأساسية مثل الزيوت والسمن والسكر والأرز، فتبدو الفروقات السعرية أقل وضوحاً بين المدينة والريف، ويعود ذلك إلى أن معظم هذه المواد مستوردة أو قادمة عبر سلاسل توزيع مركزية، ما يجعل تسعيرها قريباً نسبياً بين مختلف المناطق، مع وجود فروقات بسيطة مرتبطة بتكاليف النقل وهوامش الربح المحلية.
ويرى تجار ومتابعون للشأن الاقتصادي أن استمرار تعدد العملات في مناطق شمالي سوريا يخلق حالة من عدم الاستقرار النسبي في التسعير، حيث يضطر التجار أحياناً إلى تعديل الأسعار بشكل متكرر لمواكبة تغيرات أسعار الصرف، وهو ما ينعكس في النهاية على المستهلك الذي يجد نفسه أمام سوق متقلب يصعب التنبؤ بأسعاره، خصوصاً في المواسم التي يرتفع فيها الطلب مثل شهر رمضان.
Loading ads...
من المفترض أن يدخل أهالي حلب شهر رمضان هذا العام وسط واقع اقتصادي متشابك، وربما هذا حال معظم السوريين في باقي المحافظات، فتوفر السلع في الأسواق لم يعد المشكلة الأساسية، بل القدرة على شرائها وتأمين مستلزمات الشهر الكريم من دون إرهاق ميزانيات الأسر المحدودة، وبين تحسن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية واستمرار الضغوط المعيشية اليومية، يبقى القلق حاضراً لدى شريحة واسعة من الأهالي الذين يأملون أن ترافق الوفرة في الأسواق إجراءات فعلية لضبط الأسعار وتعزيز القدرة الشرائية، بما يخفف الأعباء عن الأسر ويجعل استقبال رمضان مرتبطاً بالبعد الروحي والاجتماعي، لا بتحديات تأمين أساسيات المعيشة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


