14 أيام
هل تتهاوى إمبراطورية آبي أحمد في أثيوبيا تحت مطارق العرقيات؟ - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

في قلب القرن الأفريقي، حيث تتشابك جغرافية المرتفعات العنيدة بتضاريس التاريخ المأزوم، تقف إثيوبيا اليوم على حافة بركان عرقي يوشك أن يبتلع وحدة الدولة بأسرها.
لسنوات طويلة، ظلت أديس أبابا حائرة بين قبضة المركز الحديدية وتطلعات الهوامش الممزقة، إلى أن جاء "آبي أحمد" برداء المنقذ، فإذا به يفتح أبواب الجحيم على مصراعيها، محولاً حلم "الدولة الموحدة" إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.
ولفهم ما يحدث في إثيوبيا اليوم وتداعياته على الجميع، بدءاً من أسمرة، مروراً بالقاهرة، وانتهاءً بأبو ظبي، يجب أولاً فهم التركيبة السكانية للبلاد ونظام الحكم فيها.
تتكون إثيوبيا من نحو 80 مجموعة عرقية، لكن أهمها ثلاث مجموعات رئيسية (الأورومو، والأمهرة، والتيغراي).
1- الأورومو: يشكلون نحو 35% من إجمالي سكان إثيوبيا، وإقليمهم هو الأكبر مساحةً، ويحيط بالعاصمة، ويضم أهم الأراضي الزراعية.
2- الأمهرة: يشكلون نحو 27% من إجمالي السكان، ويقع إقليمهم في شمال البلاد ووسطها، وتاريخياً هم النخبة التي أسست الإمبراطورية الإثيوبية الحديثة، ولغتهم الأمهرية هي اللغة الرسمية للبلاد.
3- التيغراي: يمثلون 7% فقط من إجمالي السكان، ورغم قلة عددهم، فإنهم امتلكوا وزناً سياسياً وعسكرياً هائلاً، اكتسبوه من دورهم في إسقاط النظام العسكري (الدرغ) عام 1991، وبعدها حكموا البلاد بقبضة حديدية طوال 27 عاماً، حتى صعود آبي أحمد ذي الأصول الأوروموية.
نظام الحكم في إثيوبيا فيدرالي عرقي، لكنه لم يكن هكذا طوال تاريخه؛ فتاريخياً، كانت إثيوبيا تُحكم بشكل مركزي من العاصمة، سواء في ظل النظام الإمبراطوري أو النظام العسكري الذي سيطر على البلاد بانقلاب عام 1974.
لكن في عام 1991، نجحت "جبهة تحرير شعب تيغراي" بقيادة ملس زيناوي في الإطاحة بالحكم العسكري الشيوعي، وتولى زيناوي مقاليد السلطة.
كانت البلاد حينها ممزقة عرقياً، والحركات الانفصالية في كل مكان، وخشيةً من تفتت البلاد، قرر الرجل صياغة نظام جديد يمنح العرقيات حقوقها لمنع الانفصال.
وتأسس نظام "الفيدرالية العرقية"، الذي قسّم إثيوبيا إدارياً بناءً على الهوية العرقية، وسمح لكل إقليم باستخدام لغته الخاصة في المدارس، مع الاحتفاظ بالأمهرية لغةً رسميةً للدولة، والأهم من ذلك أنه منح أي عرقية أو إقليم الحق في تقرير المصير، بما في ذلك حق الانفصال التام عن إثيوبيا إذا صوّت سكان الإقليم لصالح ذلك.
ورغم أن النظام صُمم نظرياً لحماية التنوع العرقي، فإنه تحول عملياً إلى قنبلة موقوتة لعدة أسباب، أهمها أنه زاد من التعصب العرقي، فأصبح المواطن الإثيوبي يُعرف بـ"عرقيته" أولاً، قبل "مواطنته"، وأصبح لا يمكنه الانتقال للعيش أو العمل أو تملك الأراضي بحرية في إقليم آخر لا ينتمي إلى عرقيته، وإلا عومل باعتباره "غريباً".
فضلاً عن أن رسم الحدود على أساس عرقي خلق أزمات في خطوط التماس بين الأقاليم المختلفة، مثلما حدث في منطقة "ولقايت وراية"، التي طالب بها الأمهرة باعتبارها أراضي تاريخية لهم، بينما ضمها النظام إلى إقليم تيغراي بناءً على اللغة السائدة وقتها، فنشبت حرب دموية بين الإقليمين.
على أرض الواقع، يمكن القول إنه طوال الفترة من 1991 إلى 2018، لم تُطبق الفيدرالية بشكل حقيقي، بل استخدمت جبهة التيغراي الأحزاب العرقية واجهةً لحكم البلاد بقبضة حديدية من العاصمة.
وعندما انهار هذا النظام بصعود آبي أحمد، انفجرت الأقاليم والميليشيات التي كانت مكبوحة بالقوة، وبدأ كل إقليم يتصرف كأنه "شبه دولة" يمتلك جيشه الخاص ويسعى لفرض شروطه على العاصمة.
صعد آبي أحمد في أبريل/ نيسان 2018 كمرشح الضرورة لإنقاذ النظام الحاكم من الانهيار، بعدما دخلت إثيوبيا في دوامة اضطرابات وصدامات داخلية بين عامي 2015 و2018، انتفض فيها شباب الأورومو (الذين ينتمي إليهم آبي)، وانضم إليهم "الأمهرة" ضد حكم "جبهة تحرير شعب تيغراي"، التي حكمت البلاد بقبضة حديدية.
في النهاية، لم يجد النظام مخرجاً سوى البحث عن رئيس وزراء توافقي يرضى به الجميع، وكان ذلك الشخص هو آبي أحمد؛ فمن جانب، هو ابن النظام، وخدم كضابط في الجيش ونائب لرئيس جهاز الأمن السيبراني، ومن جانب آخر، هو من "الأورومو"، فضلاً عن أن والده مسلم وأمه مسيحية.
باختصار، كان مقبولاً لدى الكل، وساهمت في ذلك شخصيته الكاريزمية ولسانه المعسول.
قدم آبي نفسه كمنقذ ديمقراطي؛ فأفرج عن آلاف المعتقلين السياسيين، وعقد اتفاقية سلام تاريخية مع الجارة إريتريا، نال عنها جائزة نوبل للسلام عام 2019. لكن، كما جرت عادة الحكام في قارتنا المأزومة، ما إن يقبض أحدهم على مقاليد الأمور حتى ينتهي "شهر العسل"، وتُفتح من جديد أبواب السجون.
وهذا ما حدث بالضبط مع آبي أحمد، الذي، رغم محاولاته التظاهر بتهدئة العرقيات المختلفة، نكص على عقبيه، فقرر أن يتحرك صوب المركزية التامة والقبضة المطلقة للعاصمة على الأقاليم، أو، بتعبير أكثر دقة، "السلطة المطلقة" له وحده.
بادئ ذي بدء، قرر آبي أحمد حل الائتلاف الحاكم القائم على الأحزاب العرقية للأقاليم، وأسس حزباً جديداً تحت قيادته سمّاه "حزب الازدهار". وهو القرار الذي رفضته جبهة التيغراي، معتبرةً إياه خطوة غير دستورية لإلغاء التعددية الفيدرالية وخلق دكتاتور جديد، فاندلع الصدام المسلح بين الطرفين لسنوات، وانتهى بتوقيع اتفاق "بريتوريا للسلام"، الذي نص على إعطاء التيغراي حق الحكم الذاتي.
وفي نقلة أخرى، قرر آبي أحمد حل الميليشيات التابعة للأقاليم، ما أدى إلى تفجير انتفاضة مسلحي "الفانو" في إقليم الأمهرة، حيث شعروا أن تجريدهم من السلاح سيتركهم بلا دفاع أمام الحكومة المركزية وجبهة تيغراي، التي وقّع معها آبي أحمد اتفاق سلام منفرداً.
وفي يونيو/ حزيران 2026، أطلق آبي أحمد طلقته الأخيرة على تماسك المشهد العام بقراره المنفرد بشطب جبهة التيغراي من السجلات، ومنع الإقليم بالكامل من المشاركة في الانتخابات والبرلمان، وهنا أدركت جبهة التيغراي أن آبي أحمد يستخدم السلام لتجريدها من السلاح وقتلها سياسياً ببطء، فقررت العودة إلى القتال.
قبل عام من الآن، كان "الأمهرة" يقاتلون وحدهم في إقليمهم، و"التيغراي" يراقبون في صمت، وجيش "أورومو" معزولاً في الجنوب… كان آبي أحمد يستفرد بكل عرقية على حدة.
لكن في 20 سبتمبر/ أيلول الجاري، تحالف الفرقاء ضد آبي أحمد تحت اسم "تحالف القوات الشعبية من أجل البقاء"، وجرى التخطيط لهجوم شامل يطوق الجيش الفيدرالي على عدة جبهات.
في الثامن من يونيو/ حزيران الماضي، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الإريتري أسياس أفورقي في قصر الاتحادية بالقاهرة. وعُنونت الزيارة آنذاك بـ"بحث المجالات المشتركة"، وأدرك الجميع أنها تتعلق بالملف الإثيوبي، فكلاهما لديه نوازعه تجاه آبي أحمد، وإن اختلفت الدوافع.
من مفارقات السياسة وسخرية القدر أن إريتريا خاضت حرباً شرسة إلى جانب آبي أحمد ضد جبهة التيغراي بين عامي 2020 و2022، وعندما شارف الطرفان على سحق الجبهة، وقّع آبي أحمد فجأة اتفاق سلام منفرداً دون إشراك رئيس إريتريا أسياس أفورقي أو استشارته.
بموجب الاتفاق، سُمح لجبهة التيغراي بالبقاء ككيان سياسي وإداري على حدود إريتريا، وهو ما اعتبره أفورقي طعنة من آبي أحمد، لأنه أنقذ خصمه التاريخي (التيغراي) من الفناء العسكري الذي كان وشيكاً. لكن السبب الأخطر الذي استنفر إريتريا هو تلويح آبي أحمد بإمكانية استخدام القوة العسكرية للاستحواذ على ميناء "عصب" الإريتري إذا لم تمنحه أسمرة منفذاً طوعياً إلى البحر الأحمر.
بالنسبة إلى إريتريا، التي خاضت حرب استقلال استمرت 30 عاماً ضد إثيوبيا، اعتُبرت هذه التصريحات تهديداً وجودياً ومباشراً لسيادتها الوطنية. لم يكتفِ آبي أحمد بذلك، بل في محاولة للالتفاف على الرفض الإريتري، وقّع مذكرة تفاهم مع إقليم "أرض الصومال" (الانفصالي غير المعترف به دولياً) للحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية على خليج عدن.
أثارت هذه الخطوة غضب قوى المنطقة، ورأت فيها إريتريا محاولة مستمرة من آبي أحمد لفرض الهيمنة العسكرية البحرية في محيطها الجغرافي، مما دفع أسمرة إلى التحالف فوراً مع مصر والصومال لتشكيل محور تطويق ضد أديس أبابا.
أما القاهرة، فقد انتقل ملف خلافها مع إثيوبيا حول سد النهضة - الذي تراه مصر تهديداً وجودياً لحياتها - إلى مربعات أكثر سخونة حين أعلن آبي أحمد أنه بصدد إنشاء حزمة سدود أخرى على نهر النيل، ما أشعل غضب القاهرة.
والاقتتال الحادث في إثيوبيا الآن يصب بالتأكيد في مصلحة مصر، كون سد النهضة، كمشروع، بات مهدداً جراء الحرب الدائرة في البلاد. وبالرغم من أنه يقع في إقليم بني شنقول، الذي تسكنه عرقيات محلية أصغر مثل "الشناشا" و"القمز"، فإنه محاط بإقليمين مشتعلين ومناهضين بشدة لآبي أحمد، هما إقليم الأمهرة من الشرق، وإقليم أوروميا من الجنوب، وزحف ميليشيات الفانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو وسيطرتهما على الطرق الرئيسية يعنيان عزل السد عسكرياً ولوجستياً عن العاصمة أديس أبابا.
فضلاً عن أن إقليم بني شنقول نفسه يضم جماعات مسلحة محلية (مثل جبهة تحرير بني شنقول)، انضم بعضها إلى "تحالف السبعة المسلح" ضد آبي أحمد، مما يرفع احتمالية حدوث اضطرابات أمنية داخل محيط السد نفسه.
في ظل هذه الكماشة داخلياً وخارجياً حول آبي أحمد - الذي نسج شبكة أعدائه بدأب مبهر - تقف معه الإمارات بشكل محوري وحاسم، كأبرز حليف استراتيجي وداعم خارجي لنظامه.
يتجلى الموقف الإماراتي بوضوح شديد في البيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية الإماراتية، حيث أدانت أبو ظبي بشدة الهجمات الأخيرة لجبهة التيغراي والتحالف المسلح، وأعلنت تضامنها الكامل مع حكومة آبي أحمد، ورفضها أي محاولة لتغيير النظام بالقوة.
لم تكتفِ الإمارات بالدعم الدبلوماسي بالقطع، بل لا تزال على عهدها بدعم آبي أحمد عسكرياً، وخلال حرب تيغراي الأولى وحرب الميليشيات اللاحقة، كان الدعم العسكري واللوجستي الإماراتي عنصراً حاسماً في منع سقوط العاصمة أديس أبابا.
هنا تجدر الإشارة إلى أن الإمارات تُعد من أكبر المستثمرين في إثيوبيا، إذ تبلغ قيمة استثماراتها ومساعداتها التنموية المباشرة أكثر من 5 مليارات دولار، إلى جانب تقديم ودائع بمليارات الدولارات في البنك المركزي الإثيوبي لإنعاش العملة المحلية المنهكة جراء الحروب.
الرابط الأساسي بين أبو ظبي وأديس أبابا هو الشراكة في الموانئ والمنافذ البحرية، حيث تدعم الإمارات طموح إثيوبيا في تأمين منافذ بحرية بديلة، وتشارك أبو ظبي (عبر شركة موانئ دبي العالمية) في تطوير ميناء بربرة في أرض الصومال وإنشاء ممرات سكك حديدية وبنية تحتية تربطه بالأراضي الإثيوبية، لتخفيف العزلة الجغرافية لأديس أبابا وتوفير بديل عن ميناء جيبوتي.
لذلك، فإن التحرك الإماراتي ليس مجرد دعم عابر، بل هو موقف صلد ينطلق من رؤية استراتيجية بعيدة المدى، جوهرها تأمين موطئ قدم في القرن الأفريقي، الذي يمثل شريان الملاحة الدولي المؤدي إلى البحر الأحمر وقناة السويس، فضلاً عن الاستثمار الإماراتي الكثيف في الزراعة بإثيوبيا.
Loading ads...
هل ينجح التحالف في الإطاحة بآبي أحمد، أم تنجح الإمارات في إنقاذه للمرة الثانية؟ لا أحد يمكنه أن يجزم، لكن المؤكد أن هناك دماءً كثيرة ستسيل سدى، للأسف، في بلد تاريخه منير وحاضره مظلم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





