شهر واحد
سوريا تستبدل ثلث سيولتها بالعملة الجديدة.. هل ينجح “المركزي” في استعادة سيطرة الليرة؟
الإثنين، 23 فبراير 2026

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، أن المؤسسة النقدية قطعت شوطًا متقدمًا في مسار إعادة ضبط الكتلة النقدية واستعادة أدوات السياسة المالية.
وأعلن الحصرية أن المصرف تمكن حتى الآن من استبدال ما يزيد على ثلث حجم النقد المتداول في السوق المحلية بأوراق نقدية جديدة جرى إصدارها ضمن برنامج إصلاحي يستهدف احتواء الفوضى النقدية التي تراكمت على مدى أكثر من عقد من النزاع والانهيار الاقتصادي، وفق تصريحات نقلتها عنه صحيفة “ذا ناشيونال”.
السيطرة النقدية
أوضح الحصرية أن هذه الخطوة لا تندرج في إطار إجراء تقني محدود، بل تمثل مدخلًا ضروريًا لاستعادة السيطرة على المعروض النقدي بعد سنوات من التدهور الحاد في قيمة العملة الوطنية، والتي فقدت ما يزيد على 99 بالمئة من قدرتها الشرائية منذ عام 2011، ما أدى إلى نشوء اقتصاد نقدي هش قائم على التعاملات الورقية الضخمة وانفلات مستويات الدولرة.
وأشار إلى أن المصرف المركزي طرح بالفعل في مطلع كانون الثاني/ يناير الفئات النقدية الجديدة ضمن عملية إعادة تسمية العملة، تضمنت حذف صفرين من القيمة الاسمية وإزالة الصور المرتبطة بالنظام السابق، في محاولة لتبسيط المعاملات اليومية وتحسين كفاءة التداول النقدي، مؤكدًا أن نحو 35 بالمئة من أصل 41 تريليون ليرة سورية كانت متداولة قبل إطلاق برنامج الإصلاح تم استبدالها حتى الآن، وهو ما وصفه بـ”التقدم الملموس” في مسار استعادة السيادة النقدية.
وأضاف أن أهداف هذه العملية تتجاوز مجرد تحقيق الاستقرار الاسمي، لتشمل خفض الاعتماد على العملات الأجنبية، وعلى رأسها الدولار الأميركي، وتعزيز الثقة بالليرة السورية بما يسمح بإعادة بناء الطلب المحلي عليها كوسيط للتبادل ومخزن للقيمة في آن واحد.
طباعة بمعايير دولية
بيّن الحصرية أن عملية إعادة التسمية، المعروفة دوليًا كأداة تستخدمها البنوك المركزية عقب فترات التضخم المفرط والانهيار النقدي، لا تؤدي بذاتها إلى تغيير القيمة الحقيقية للعملة، لكنها تسهم في إعادة تنظيم النظام النقدي وتسهيل المعاملات التجارية التي كانت قد أصبحت معقدة إلى حد اضطر السوريين إلى حمل رزم ضخمة من الأوراق النقدية في أكياس بلاستيكية لدفع أثمان السلع الأساسية، في ظل وصول سعر الصرف قبل تنفيذ الإصلاح إلى نحو 10 آلاف ليرة للدولار الواحد، مقارنة بحوالي 50 ليرة قبل اندلاع الحرب.
فيما امتنع الحصرية عن الإفصاح عن موقع طباعة العملة الجديدة وسط تقارير إعلامية تحدثت عن دور محتمل لشركات أجنبية، شدد على أن أعمال الطباعة أوكلت إلى ثلاثة موردين دوليين معتمدين يلبون معايير الأمن والجودة العالمية، مؤكدًا أن المصرف يولي أهمية قصوى لموثوقية الإصدارات النقدية الجديدة في إطار إعادة بناء الثقة المحلية والدولية بالمنظومة المالية السورية.
وكشف أن المصرف بدأ بالفعل المرحلة الأولى من مراجعة شاملة تُعرف بتقييم الفجوات بالتعاون مع شركة أوليفر وايمان الاستشارية، وهي عملية تقنية تهدف إلى مقارنة الممارسات المؤسسية المعتمدة حاليًا بالمعايير المصرفية الدولية لتحديد الإصلاحات المطلوبة في مجالات الامتثال والحوكمة وإدارة المخاطر، تمهيدًا لاستئناف العلاقات مع المقرضين الدوليين وتعزيز مصداقية القطاع المالي.
وأوضح أن العمل الميداني لهذه المراجعة سينطلق قريبًا، وأن المصرف سيتعامل بجدية مع أي ملاحظات تتعلق بالشفافية أو البنية التنظيمية يتم رصدها في التقرير النهائي.
عودة تدريجية للنظام المالي العالمي
أشار الحصرية إلى أن البنوك السورية بدأت تدريجيًا إعادة الاتصال بالنظام المالي العالمي بعد سنوات من العزلة عن المعاملات الدولارية، رغم استمرار مخاوف الامتثال لدى المصارف الأجنبية، لافتًا إلى أن إعادة تفعيل حساب المصرف المركزي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لا تزال هدفًا استراتيجيًا يمثل خطوة حاسمة لاستعادة الوصول إلى نظام المدفوعات بالدولار بعد سنوات من القيود المالية، مؤكدًا أن تقدمًا جيدصا تحقق في هذا المسار حتى الآن.
وفي سياق متصل، رحب الحصرية باتفاق اندماج الحكومة المركزية مع قوات سوريا الديمقراطية، معتبرًا أن استعادة السيطرة على حقول النفط والغاز الرئيسية في الشمال الشرقي تفتح الباب أمام تحولات اقتصادية جوهرية، إذ يمكن لعائدات هذه الموارد أن تدفع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات مضاعفة خلال عام واحد، متجاوزة التقديرات الدولية التي رجحت نموًا متواضعًا لا يتجاوز 1 بالمئة خلال عام 2025.
وأكد أن إيرادات النفط والغاز ستدار من خلال حسابات سيادية منظمة تحت إشراف الدولة، على أن يضطلع المصرف المركزي بدور الحفظ والتنظيم لضمان توجيهها نحو تمويل قطاعات الطاقة والكهرباء وإعادة الإعمار والخدمات العامة وبرامج الإنعاش الاقتصادي.
خسائر لبنان تضغط على البنوك
أوضح الحصرية أن هذا التطور أتاح للمصرف توسيع نطاق صلاحياته المالية في مختلف أنحاء البلاد، مع خطط لافتتاح فروع جديدة في مدينتي الرقة والحسكة، في خطوة وصفها بأنها تحمل دلالات رمزية ومؤسسية تعكس استعادة السلطة النقدية والسيادة المالية في مناطق ذات أهمية استراتيجية بعد سنوات من الانقسام الإداري.
تطرق الحصرية إلى التحديات المرتبطة بانكشاف البنوك السورية على القطاع المصرفي اللبناني، حيث تتجاوز قيمة التعرضات 1.6 مليار دولار نتيجة الانهيار المالي الذي شهده لبنان عام 2019، مشيرًا إلى أن المصرف ألزم المؤسسات المالية المحلية بالاعتراف بهذه الخسائر وتكوين مخصصات لها بحلول مارس المقبل، وأن جميع البنوك امتثلت للتوجيهات رغم تفاوتها في مراحل تنفيذ خطط إعادة الهيكلة، محذرًا من أن المؤسسات التي لا تلتزم ستواجه إجراءات رقابية تشمل قيودًا على رأس المال وتدابير مساءلة إدارية وتدخلاً إشرافياً مباشراً.
Loading ads...
وختم الحصرية بالتأكيد أن العام الجاري يمثل محطة مفصلية لإعادة تأهيل القطاع المصرفي بالتوازي مع منح تراخيص لمصارف جديدة، مشددًا على أن الشفافية المالية والاستقرار النظامي يظلان في صدارة أولويات المصرف المركزي لاستعادة الثقة بالنظام المالي وضمان قدرة البنوك على الوفاء بالتزاماتها وتوفير السيولة اللازمة لدعم النشاط الاقتصادي في مرحلة إعادة الإعمار.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





