7 أشهر
سوريا بعد عام على التحرير.. لماذا لم يشعر المستهلك بانخفاض الأسعار في الأسواق؟
الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

شهدت الأسواق السورية تحولات هيكلية جذرية عقب قرار فتح المعابر وتسهيل دخول البضائع، وهو ما عكس نفسه مباشرة على آليات تسعير المستوردات وتحديد كلفتها الحقيقية، الأمر الذي أحدث ارتياحًا ملحوظًا في الأوساط التجارية.
في هذا السياق، طرح نائب رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق السابق، محمد الحلاق، قراءة واسعة لمشهد الأسواق السورية بعد التحرير، مستندًا إلى معطيات يراها واضحة في تحولات الحركة التجارية وتدفق البضائع وتبدل أنماط التسعير.
تسعير أكثر واقعية وهواجس ضريبية
قال الحلاق في تحليله، إن المعابر التي فُتحت على نطاق واسع لم تسهم فقط في إعادة تنشيط حركة التجارة، بل أتاحت – للمرة الأولى منذ سنوات – قياسًا دقيقًا لتكلفة المستوردات، بعيدًأ عن سياسات التحوط التي كانت تحكم سلوك التجار خلال مراحل عدم اليقين السابقة.
وأضاف أنه مع استقرار عمليات الدخول وخفض تكاليف النقل والتخليص، أصبح تسعير السلع يعتمد بصورة مباشرة على سعر الصرف القائم، وهو ما يراه مؤشرًا على عودة شيء من العقلانية إلى آلية التسعير، ويمنح التجار هامشًا أوضح لتقدير مخاطرهم وتحديد أسعار بيع حقيقية.
غير أن هذا التحسن النسبي لا يخلو من هواجس مرتبطة بالبيئة الضريبية، التي لا تزال – وفق الحلاق – محكومة بتشريعات قديمة في وقت تستعد فيه الحكومة لإقرار نظام ضريبي جديد قد يعيد رسم هوامش الربح والتكاليف بصورة مختلفة.
منافسة شرسة وواقع تجاري جديد
أوضح الحلاق، أن التجار على حد وصفه، يجدون أنفسهم اليوم أمام حالة من الالتباس تتعلق بقيمة ضريبة الدخل على المستوردات، ما يجعلهم غير قادرين على احتساب التكلفة النهائية للسلع بدقة، رغم تحسن الظروف اللوجستية وتراجع كلف الاستيراد.
هذا الغموض يفرض على بعض الفعاليات التجارية حالة حذر جديدة، لكنه يختلف عن حذر السنوات الماضية لأنه ناتج عن نقص المعلومات لا عن انعدامها.
نائب رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق السابق، محمد الحلاق
وبيّن أنه في موازاة ذلك، تتخذ المنافسة في السوق طابعًا أكثر حدة، بعدما فُتح باب الاستيراد دون قيود تُذكر وترافقت الإجراءات الحكومية مع تسهيلات كبيرة في التخليص الجمركي، موضحًا أن هذا الانفتاح وإن كان يعيد إحياء روح السوق يحمل معه مخاطر جدية للتجار الذين قد يجد بعضهم نفسه أمام خسائر محتملة نتيجة وفرة البضائع وتراجع الأسعار وظهور لاعبين جدد في قطاعات احتكرتها قوى نفوذ لسنوات طويلة.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
أسعار منخفضة لا تصل إلى المستهلك
يؤكد الحلاق أن تحرير الاستيراد وإزالة التعقيدات الإدارية شكلا نقلة إيجابية من حيث المبدأ، لكنهما أفرزا واقعًا أكثر تنافسية مما تحتمله قدرات بعض التجار الذين كانوا يعتادون أسواقًا مغلقة أو شبه مغلقة.
ويوضح أن هذا المشهد التنافسي أدى فعليًا إلى انخفاض ملحوظ في أسعار السلع عند مستوى المستوردين وتجار الجملة ونصف الجملة، غير أن هذه الانخفاضات لا تنعكس مباشرة على المستهلك النهائي، مشيرًا إلى أن التذبذب المستمر في سعر الصرف يمتص جزءًا كبيرًا من أثر التراجع، ويُبقي الأسعار عند حدود لا تعبر عن وفرة المعروض.
ويرى أن أي انخفاض يشعر به المستهلك يحتاج فترة زمنية ليست قصيرة، ريثما يستقر سعر الصرف وتتحدد الكلفة الحقيقية للبضائع بعيدًا عن الاضطرابات اليومية في السوق النقدية، موضحًا أن التحسن الجزئي في بنية العرض لا يكفي وحده لضمان انخفاض ملموس في الأسعار ما لم يستند إلى بيئة مالية مستقرة.
انتقال اقتصادي مربك وفوضى وفرة
في تفسيره لعدم الاستقرار السعري، يلفت الحلاق إلى التحول المفاجئ من اقتصاد مشوه، كان خلال حقبة النظام البائد قائمًا على الامتيازات والاحتكارات والقيود، إلى اقتصاد أكثر تحررًا وتنافسية بعد التحرير، مشيرًا إلى أن هذا الانتقال السريع – على أهميته – لم يمر بسلاسة، بل أدى إلى حالة إرباك أصابت كل حلقات السوق، من المستورد إلى التاجر الصغير وصولًا إلى المستهلك.
الوفرة الكبيرة في السلع، التي تتجاوز في بعض القطاعات حاجات السوق بأكثر من 15 بالمئة، أوجدت بيئة تضخمية من نوع جديد، قوامها معروض يفوق الطلب وينتج دورات متلاحقة من خفض الأسعار ثم رفعها تبعًا لتحركات الصرف ومستويات التكدس.
ويشير إلى أن ضبط إيقاع السوق يتطلب إدارة أكثر توازنًا لمستوى الواردات، بحيث تحافظ على وفرة معقولة تعكس مصلحة المستهلك دون أن تتحول إلى فوضى تجارية تُربك الكلف وتفقد الأسعار استقرارها.
مقومات الاستقرار ومسارات الحل
يرى الحلاق أن الطريق نحو سوق أكثر شفافية واستقرارًا يمر عبر ثلاثة مسارات مترابطة، استقرار سعر الصرف، وضوح النظام الضريبي الجديد، واستكمال إعادة هيكلة المنظومة التجارية لتتكيف مع قواعد المنافسة الحديثة.
وبين هذه العناصر، يظل العامل النقدي – على حد تعبيره – هو الأكثر تأثيرًا في تحديد ما إذا كان المستهلك سيشعر فعلًا بالتحسن الذي يتحدث عنه التجار، أم سيبقى هذا التحسن محصورًا في مستويات التداول العليا دون أن يصل إلى رفوف المتاجر وأسعار التجزئة.
Loading ads...
يعكس الحلاق صورة سوق تعيش أزمة انتقال لا أزمة نقص، ويضع مقاربة واقعية لما ينتظر المرحلة المقبلة، حيث تتوقف قدرة الاقتصاد السوري على الاستقرار عند مفترق حساس، إما إدارة رشيدة لهذا الانفتاح التجاري، أو فوضى وفرة قد تبدو إيجابية في ظاهرها لكنها تحمل في طياتها اختلالات أعمق على المدى المتوسط.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

