تنمو في الظل، على هامش الأسواق المعروفة. تحاول الاستفادة من حركة الزبائن في المكان، لكن بلا بضاعة قادرة على جذب المستهلكين، شعارها الأبرز "رزق الفقراء على المعدمين".
تجدها بالقرب من أسواق الألبسة صاحبة الماركات الشهيرة، كما تعثر عليها بجانب المطاعم ومحال الأكل.. على الأرصفة وفي الزواريب الضيقة، يمكن أن تفاجئك، لأنها بلا مكان ثابت ولا تملك محال، حتى بالقرب من أسواق الألبسة المستعملة، المسماة عادة "أسواق الفقراء"، تحضر لتخبرك بأن هناك من هو أفقر من زبائن محال البالة.. في أسواق الخردة، والمفروشات، والأحذية.. تحجز مكانها بخجل، وتحاول أن تمدّ بساطها "على قدر رجليها".
يجذبنا نقاش محتدم حول السعر، في بسطة تفرش أغراضها على شادر كانت توزعه منظمة اليونيسيف للسوريين، البائع يقول: "بـ6 آلاف ليرة"، ويرد الزبون بإصرار: "يكفي 5 آلاف"! فيغضب البائع ويضيف: "سعرها 10 آلاف وقد راعيتك وخفضت السعر إلى 6.. هل تريدني أن أخسر؟".
نتدخل، لنعرف ما هي تلك القطعة التي تثير هذا النقاش المحتدم والخلاف على 1000 أو 2000 ليرة؟ فنكتشف أنها "مفك براغي" صدىء وقديم، إذا عثرت عليه في الطريق، لن تفكر بالتقاطه!. وبنظرة سريعة على الأشياء المفروشة على الشادر، نتأكد بأنهم ينتمون إلى السوق إياه، فالبضاعة هي: "شريط كهرباء قديم.. صحون ستيل مستعملة ومتسخة.. لعبة أطفال ممزقة.. براغي وعزقات يمكن وصفها بالأثرية.. مكواة قديمة تعمل بالتسخين على النار.. سجادة قديمة مهترئة.. كرة قدم مثقوبة".
نسأل صاحب البسطة، إن كان يجد زبائن يرغبون بهذا النوع من البضاعة، فيجيب: "بالطبع، ألم تشهد المفاصلة بالسعر من أجل هذا المفك القديم".
بائعون سرياليون، يقول البعض إنهم غريبو الأطوار، ومستهلكون يوهمون أنفسهم بأنهم يشترون شيئاً يعتبر لقطة بالنسبة إليهم.
سوق للبالة والخرداوات
نتوغل قليلاً في سوق الخرداوات، فنكتشف أن هناك طبقات، حتى بين الناس المعدمين، الأرفع شأناً يمكن أن يبيع كرسياً أو راديو، أو غسالة مستهلكة.. أما الأفقر، فيقلّ مستوى البضاعة لديه، ليصبح عبارة عن أذرع وأرجل وأجساد مفصولة، لـ"مانيكانات" بلاستيكية، تبدو وكأنها وصلت من مجزرة للتوّ.. يقول البائع، ربما كان أحد يحتاج قطعة ناقصة لديه، وربما صاحب محل يحاول تطبيق "مانيكان" كامل ليعرضه، عوضاً عن شراء واحد جديد!.
"المانيكانات" تبدو مستسلمة لقدرها، وهي مستلقية على الأرض بشكل عشوائي.. أما البائع، فيبدو دونكيشوتياً قادماً من قصص خرافية.. فما يثير الانتباه هنا، هو انسجام وجه البائع ولباسه، مع نوعية ومستوى البضاعة التي يبيعها..
في أسواق البالة، يتكرر الأمر نفسه. الباعة أصحاب المستوى الجيد، يمتلكون محال، ويعلقون الألبسة على سكك حديدية بشمّاعات تبدو أنيقة، أما أصحاب سوق المعدومين، فينقسمون إلى طبقتين، الأولى تمتلك عربات يمكن جرّها في أية لحظة للهروب من دوريات البلدية، أما الثانية فتفترش الرصيف وتضع البضاعة على الأرض..
نتبع زحام الزبائن إلى إحدى البسطات، لنكتشف ما سر الإقبال في هذا المكان؟ فنسمع البائع يصيح: "بـ5 آلاف يا عالم.."، أما العالم فتنهمك في نبش قطع ألبسة، لا يمكن استعمالها، لأنها إما مهترئة أو مضروبة أو ملوثة بطلاء لا يزول بالتنظيف.. نسأل إحدى السيدات لماذا اشترت هذه الكنزة التي تبدو "قبّتها" مهترئة، فتجيب: "يلبسها الأولاد في البيت"!.
" أحذيةٌ مثقلة بالمشي"
في سوق بسطات الأحذية، الذي نشأ حديثاً عند دوار الفحامة بدمشق، تتكرر الظاهرة نفسها. بسطات تعرض أحذيةً مثقلة بالمشي وكثرة الطرق، وأخرى أخف معاناة وشظفا.. الأولى يمكن شراؤها بـ15000 ليرة، أما الثانية فتبدأ من 30000 لتصل إلى 100 ألف!.
الغريب في هذا السوق، أن الباعة أصحاب البضاعة الفقيرة، يتجمعون في مكان واحدة على جانب السوق، دون اتفاق بينهم، بينما كلما تقدمت للأمام، ستعرف أن الأسعار سترتفع تبعاً لارتفاع مستوى طبقة البائعين.
في سوق باب سريجة، يجلس بائع العظام، بجانب القصّاب صاحب الذبائح.. وبالقرب من محال البزورية وباعة مؤونة البيت، تجد مسناً يبيع "قطرميز" مكدوس بلا جوز، مع قنينة زيت صغيرة، وعدة بيضات يقول إنهن بلديات!.
الناس يعرفون حدودهم هنا، فكل واحد يذهب إلى ضالته برضا، ينسجم مع ما في جيبه من مال.. الفقراء، يعرضون بضاعة متهالكة، والمعدمون يشترونها، حتى "لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم"!.
حتى في سوق "الحرامية" المعروف بسوق الجمعة، هناك باعة النحاسيات والقطع الكهربائية، بجانب باعة النظارات القديمة، وبعضها بعدسة واحدة، وبالقرب منهم بائع يعرض بين الخردة آلة عود قديم، يقول إنها لعازف عراقي شهير، مصنوعة من أفخر أنواع الخشب!.
للحظة، تعتقد أن جميع أولئك يمثلون فيلماً سينمائياً، تختلط فيه أدوار البطولة مع فرق الكومبارس.. فيوقظك صوت باعة الدخان الرخيص، نتيجة تعفنه ورطوبته، وهم يصرخون، كأنهم يعرضون أفخر أنواع التبغ!.
Loading ads...
في سوق "رزق الفقراء على المعدمين"، تعرف جميع الأطراف القصة، البائع والمستهلك، والعابر المتفرج المكتفي باستقبال الدهشة مما يراه.. يقول بائع "المفكّ" الكبير الصدىء، بعد أن تمكن من بيعه للزبون بـ6 آلاف ليرة: "شفت كيف اشتراه بالآخر.. أخي، كل شي إلو شي"!.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





