ساعة واحدة
الصين وكوريا الشمالية.. زيارة دبلوماسية تؤسس شراكة استراتيجية طويلة
السبت، 13 يونيو 2026

تزامنت زبارة الرئيس الصيني شي جين بينج، إلى كوريا الشمالية في 9 يونيو الجاري، والتي تعد أول زيارة خارجية له هذا العام وأول زيارة إلى بيونج يانج منذ عام 2019، مع الذكرى الخامسة والستين لمعاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة بين البلدين.
وخلال مباحثاته مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، شدد شي على أهمية "التخطيط على أعلى المستويات" و"التوجيه الاستراتيجي" في إدارة العلاقات الثنائية مستقبلاً، في إشارة إلى توجه صيني نحو بناء "تعاون طويل الأمد" يستند إلى مؤسسات وآليات مستقرة.
تشنج جي يونج، عميد معهد الدراسات الإقليمية بجامعة تيانجين الصينية للدراسات الأجنبية، والذي زار كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية مرات عدة، اعتبر في تصريحات لـ"الشرق"، أن الزيارة تسعى إلى تحويل "الصداقة التاريخية إلى تعاون عملي"، والثقة السياسية إلى" ترتيبات مؤسسية"، والتوافقات الثنائية إلى "قوة بناءة تدعم الاستقرار الإقليمي".
وخلال إقامة شي في العاصمة الكورية الشمالية، كان كيم جونج أون في استقباله بالمطار، كما ترأس مراسم استقبال رسمية كبرى في ساحة كيم إيل سونج، ورافقه طوال الزيارة.
ونظمت بيونج يانج عرضاً فنياً أُعد خصيصاً تكريماً للرئيس الصيني، فيما اصطف المواطنون على جانبي الطرقات ملوحين بالأعلام ومرددين الهتافات أثناء مرور موكبه، في مشهد عكس الأهمية السياسية الكبيرة التي أولتها كوريا الشمالية لهذه الزيارة.
وأوضح تشنج جي يونج، أن حفاوة الاستقبال عكست الأهمية الرمزية للعلاقات بين البلدين، فضلاً عن حرص بكين على الحفاظ على علاقات مستقرة مع بيونج يانج في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
وأضاف أن الزيارة أظهرت تركيز شي على تعزيز العلاقة الشخصية مع كيم، إلى جانب ترسيخ التوافق الاستراتيجي الأوسع بين بكين وبيونج يانج. وقال: "أهمية هذا اللقاء لا تقتصر على الطابع البروتوكولي، بل تعكس إرادة مشتركة لتحويل التوافقات السياسية إلى مشروعات ملموسة، وزخم مستدام للتنمية".
وأكدت محادثات شي مع كيم التزامات الصين الأساسية تجاه كوريا الشمالية. وخلال الزيارة شدد الرئيس الصيني على أن بكين ستواصل تقديرها الكبير لعلاقات الصداقة التقليدية مع كوريا الشمالية، ودعمها الثابت لقيادة كيم جونج أون للمسيرة الاشتراكية في البلاد، فضلاً عن حماية المصالح الاستراتيجية المشتركة للبلدين.
ورافق شي خلال الزيارة ليو هاي شينج، رئيس دائرة العلاقات الدولية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، الذي وصف الزيارة بأنها أفضت إلى "توافقات مهمة جديدة" بشأن العلاقات الثنائية.
وأشار ليو إلى ثلاثة نتائج رئيسية للزيارة، تتمثل في "التوجيه الاستراتيجي" على أعلى مستوى في البلدين، حيث قدم زعيما البلدين رؤية مشتركة لضمان مواكبة العلاقات الثنائية للتطورات المتسارعة، و"تعزيز التعاون العملي" عبر توسيع التبادلات في المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية، و"الإسهام في دعم الاستقرار والتنمية" في شمال شرق آسيا وخارجها.
كما أشار ليو إلى الأجواء الودية التي طبعت الزيارة، بما في ذلك اللقاءات غير الرسمية والمحادثات المطولة والجولات المشتركة، واصفاً العلاقة بين الجانبين بأنها ذات "طابع عائلي".
ويرى تشنج جي يون، أن أول زيارة يقوم بها شي إلى بيونج يانج منذ سبع سنوات، تؤكد استمرارية السياسة الصينية تجاه كوريا الشمالية، القائمة على "الدبلوماسية الشخصية" و"التنسيق المؤسسي" و"التخطيط طويل المدى"، مع تجديد الالتزام الصيني الثابت بدعم بيونج يانج.
على الرغم من الأهمية السياسية الكبيرة للزيارة، فإن البيانات الرسمية الصادرة عن بكين وبيونج يانج، خلت من أي إشارة إلى ملف نزع السلاح النووي، وهو ما اعتبره محللون انعكاساً لواقع جديد أصبحت فيه القدرات النووية الكورية الشمالية، جزءاً راسخاً من البنية القانونية والمؤسسية للدولة.
فمنذ انهيار "قمة هانوي" بين كيم جونج أون والرئيس الأميركي دونالد ترمب في عام 2019، تخلت بيونج يانج عملياً عن مسار المفاوضات الأمنية مع واشنطن. كما عززت قانون السياسة الخاصة بالقوات النووية لعام 2022، والتعديلات الدستورية لعام 2023 مكانة البرنامج النووي داخل منظومة الحكم، بما يعكس اتجاهاً يصعب التراجع عنه.
وفي اليوم نفسه الذي وصل فيه شي إلى بيونج يانج، دعا كيم جونج أون، إلى توسيع الترسانة النووية لبلاده بشكل "هائل ومتسارع".
وقال وانج جون شنج، مدير إدارة الاستراتيجية الإقليمية في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، لـ"الشرق"، إن الزيارة تؤكد دور الصين كعامل استقرار في شمال شرق آسيا. وأضاف أن "تعزيز التعاون الثنائي يساعد على تطوير العلاقات الصينية - الكورية الشمالية ويسهم في دعم السلام والأمن في المنطقة".
من جانبه، شدد الدبلوماسي الصيني السابق يانج شي يو، الباحث في المعهد الصيني للدراسات الدولية، خلال حديثه لـ"الشرق"، على أن التزام بكين بإقامة شبه جزيرة كورية خالية من الأسلحة النووية "لا يزال ثابتاً".
وأوضح أن غياب الإشارة إلى نزع السلاح النووي في البيانات الرسمية يمثل "خياراً تكتيكياً في المرحلة الحالية، وليس تحولاً في السياسة الصينية".
وفي 9 يونيو، أعاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، التأكيد على أن موقف بكين تجاه قضايا شبه الجزيرة الكورية يتميز بـ"الاستمرارية والثبات"، وذلك رداً على تساؤلات بشأن عدم تضمين ملف نزع السلاح النووي في البيان الصيني الرسمي الصادر عقب القمة.
وأوضح تشنج جي يونج في حديثه لـ"الشرق"، أن قضية السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية ترتبط أساساً بالعلاقة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة.
وقال: "تواصل الصين الدعوة إلى نزع السلاح النووي بشكل كامل من شبه الجزيرة الكورية، بما يعني عدم وجود أسلحة نووية فيها وعدم تطويرها أو نشرها أو إدخالها إليها. وهذا المبدأ ظل أساس السياسة الصينية على الدوام".
وأشار يانج، الذي شارك سابقاً في المحادثات السداسية والمحادثات الرباعية الخاصة بالملف الكوري، إلى أن بكين ما زالت تشجع بيونج يانج على العودة إلى الالتزامات الواردة في الاتفاقات السابقة، وفي مقدمتها البيان المشترك للمحادثات السداسية في عام 2005، والذي يُعد أكثر الأطر الدولية شمولاً لمعالجة قضية نزع السلاح النووي.
لكنه أقر بأن الظروف الحالية تجعل إحراز تقدم في هذا الملف، أمراً بالغ الصعوبة. وقال: "طالما ظلت العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية غير طبيعية، فإن قدرة الصين على إقناع بيونج يانج ستظل محدودة".
وأضاف أن المخاوف الأمنية المتزايدة لدى القيادة الكورية الشمالية، إلى جانب التطورات الدولية الأخيرة، تدفعها إلى التمسك أكثر بقدراتها النووية باعتبارها وسيلة ردع استراتيجية.
وأكد يانج أن أي عملية لنزع السلاح النووي يجب أن تستند إلى إطار متكامل، يتضمن تخلي كوريا الشمالية بصورة كاملة وقابلة للتحقق عن ترسانتها النووية، مقابل معالجة مخاوفها السياسية والاقتصادية والأمنية المشروعة.
وقال: "كما أشار هنري كيسنجر سابقاً، فإن كوريا الشمالية لن تتخلى عن أسلحتها النووية إلا إذا شعرت بالأمان. فالمعادلة العادلة تقوم على اتخاذ بيونج يانج خطوات جوهرية، وفي المقابل معالجة هواجسها وضمان أمنها".
ويؤكد محللون أن التحدي أصبح أكثر تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، في ظل تنامي ثقة كوريا الشمالية بقدراتها النووية واستمرار غياب أي حوار جدي مع الولايات المتحدة، ما ضيّق فرص التوصل إلى تسويات دبلوماسية.
وبالنسبة للصين، فإن الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع كوريا الشمالية، مع الاستمرار في الدعوة إلى نزع السلاح النووي، يتطلب موازنة دقيقة بين المصالح المتعارضة.
ويرى الخبراء أن تحقيق أي تقدم ملموس في هذا الملف، سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بإحياء الحوار بين واشنطن وبيونج يانج، وتوفير بيئة أمنية تسمح لكوريا الشمالية بالنظر في التخلي عن ترسانتها النووية.
وإلى أن تتوافر مثل هذه الظروف، ستبقى نتائج القمة تعكس حالة من الاستقرار السياسي دون تقديم حلول حقيقية للأزمة النووية، مع تأكيد الصين مواقفها التقليدية وإقرارها في الوقت ذاته بتعقيدات المشهد الأمني في المنطقة.
تأتي زيارة شي في ظل حالة متزايدة من عدم اليقين الإقليمي. وتؤدي الصين وكوريا الشمالية دورين محوريين في المشهد الجيوسياسي لشمال شرق آسيا، حيث تتداخل بشكل متزايد قضايا الأمن والتجارة والطاقة. ويرى محللون أن القمة تُظهر التزام بكين بالحفاظ على الاستقرار، بما يوفر حاجزاً أمام أي تصعيد مفاجئ في علاقات كوريا الشمالية مع الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية.
وفي الوقت نفسه، تسلط الزيارة الضوء على حدود النفوذ الصيني على الاستراتيجية النووية لبيونج يانج.
وأوضح يانج، أنه ما دامت العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية مجمدة، وما دام يُنظر إلى البيئة الأمنية على أنها تهديدية، فإن الصين تستطيع تقديم النصح والإقناع، لكن القرارات النهائية لبيونج يانج تبقى مستقلة.
Loading ads...
وأضاف وانج أن تعزيز الشراكة بين الصين وكوريا الشمالية، قد يدعم المبادرات الاقتصادية ومشروعات البنية التحتية في المنطقة، كما يوفر منصة لإدارة التحديات الدبلوماسية الأوسع. وقد تسهم الزيارة في تعزيز النفوذ الإقليمي للصين، دون أن تؤدي بشكل مباشر إلى حل المأزق القائم بشأن الملف النووي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




