في شهادة فكرية مطوّلة ضمن برنامج "شهادة للتاريخ" على تلفزيون سوريا، قدّم الباحث السوري محمد جمال باروت قراءة للتحولات التي تمر بها سوريا بعد سقوط نظام الأسد، حيث تناول أوضاع الدولة والمجتمع والسلطات الجديدة من منظور تاريخي واجتماعي، بعيداً عن الطرح الانفعالي أو الأحكام الحاسمة، مفضّلاً توصيف ما يجري بوصفه مرحلة مفصلية دقيقة تتداخل فيها مسارات واحتمالات معقدة.
ويصرّ باروت على التمييز بين سقوط النظام وانهياره. فبرأيه، ما انهار فعلياً هو نظام النخبة السياسية التي حكمت سوريا لعقود، أي الحلقة المكوّنة من القيادة العسكرية–الأمنية–الحزبية، في حين لم ينهَر نظام الدولة نفسه. مؤسسات الدولة، من قوانين وإدارات وبُنى تشغيلية، ما زالت قائمة وتعمل، وهو ما يجعل الحديث عن "قطيعة شاملة" مع الماضي توصيفاً مضلِّلاً.
هذا التفريق يقود إلى نتيجة أساسية: سوريا لا تبدأ من الصفر، لكنها تدخل مرحلة إعادة تشكُّل معقّدة، تتداخل فيها عناصر الاستمرار مع عناصر التحوّل.
على المستوى المفاهيمي، يتجنب باروت استخدام توصيفات مثل الثورة السورية أو الربيع العربي بوصفها مصطلحات نهائية. ويفضّل منهجياً الحديث عن حركة احتجاجات ذات مشروعية أخلاقية وسياسية في بداياتها، تحوّلت لاحقاً إلى حرب هجينة مركّبة، فيها عناصر داخلية وخارجية، ولا يمكن اختزالها في نموذج الحرب الأهلية الكلاسيكي.
هذا الحذر المفاهيمي ليس لغوياً فحسب، بل يعكس موقفاً منهجياً من التاريخ: فالتسرّع في التسمية يعني، بنظر باروت، تبنّي حمولة أيديولوجية مسبقة تُغلق باب الفهم.
أحد المحاور المركزية في الشهادة يتمثل في الانهيار الهائل في مؤشرات التنمية البشرية. يذكّر باروت بأن سوريا، قبيل 2011، كانت تُصنَّف ضمن الدول متوسطة التنمية البشرية، مع تقدّم ملحوظ في التعليم الأساسي وخفض معدلات التسرب.
لكن سنوات الماضية بدّدت ما يقارب 80 في المئة من مكاسب التنمية البشرية، وفق تقديره. مشيراً إلى أن الأخطر هنا ليس الفقر بوصفه نقصاً في الدخل فقط، بل الفقر البشري متعدد الأبعاد: في التعليم، والصحة، والقدرات، والمهارات. وارتفاع الأمية إلى نحو 17 في المئة قبل الحرب، ثم خروج جيل كامل من الأطفال من التعليم خلال العقد الماضي، شكّل الخطر الأعمق على مستقبل المجتمع.
في مقاربته للمرحلة الراهنة، يوجّه باروت انتقادات واضحة للسياسات الاقتصادية التي تُدار في ظل غياب الشفافية. وهو يستحضر تجربة العقد الأول من حكم بشار الأسد (2000–2010)، حين أفرزت "الخصخصة غير الشفافة" طبقة سماها "المئة الكبار"، وتشكّلت ثرواتها لا عبر الإنتاج، بل عبر الريع والعمولات والارتباط بمفاصل القرار.
ويحذّر من إعادة إنتاج النموذج ذاته في المرحلة الجديدة، معتبراً أن أي إدارة اقتصادية مغلقة، بلا علنية أو مساءلة، ستقود حتماً إلى نشوء نخبة بيروقراطية–اقتصادية جديدة تحتكر الموارد وتعيد تدوير النفوذ.
ويرى باروت أن السلطة السورية الجديدة تمثل نظاماً فريداً تاريخياً، لا يواجه – في نظره – أي قوى سياسية منظمة تنافسه على السلطة، لا من قريب ولا من بعيد. هذا الغياب الكامل للتعددية المنظمة يضع عبئاً مضاعفاً على السلطة، لأنها لا تستطيع تبرير أخطائها بذريعة الصراع السياسي، بل تصبح موضع اختبار مباشر لثقة المجتمع.
في هذا السياق، يشدد باروت على أن كسب الشرعية لا يكون بالقوة أو السيطرة على المفاصل، بل عبر الشفافية، والعلنية، واحترام الرأي العام.
يتوقف باروت مطولاًعند مسألة الإسلام السياسي، رافضاً التعميم أو الاختزال. ويرى أن المجتمع السوري اليوم يعاني تمزقاً عميقاً طائفياً ومناطقياً واجتماعياً، وأن الذهاب السريع إلى انتخابات أو صيغ ديمقراطية شكلية قد يعيد إنتاج الانقسامات بدل معالجتها.
Loading ads...
وفي المقابل، يدعو إلى بناء وعي تاريخي، مدني يقوم على استعادة مفهوم الدولة بوصفها دولة جميع المواطنين، مع احترام الدين من دون تديين السياسة أو تحويل التدين إلى أداة في المجال العام.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





