44 دقائق
وقودها أعصابك... كيف تدير واشنطن وطهران بروباغندا "الرعب النووي"؟ - رصيف22
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

قبل أن تسخن المدافع، وقبل أن تحلق الطائرات فوق الخرائط، تصوغ الدعاية الحربية نسيج الوعي لمن يعيشون تحت سماء الحرب، محولةً الكلمات والرسائل المبطنة إلى أدوات نفسية تُعيد تشكيل الواقع وتمنح العنف العسكري مشروعيته المطلوبة، لكن قبل الخوض في المعاني السياسية لرسائل الحرب بين القادة العسكريين والسياسيين، ماذا عن الناس؟ وعمن يتلقون هذه التصريحات وكأنها حقيقة مطلقة؟
تتغير الحياة اليومية في ظل الإعلام الحربي، وتتغير معها أولويات الإنفاق والحركة والعيش، فتنعدم الرفاهيات، وتقل الأساسيات. كما يترك التعرض المستمر لأخبار الحرب وتدفق رسائل الدعاية العسكرية آثاراً نفسية عميقة وحادة على الجمهور المتلقي، حتى وإن كان بعيداً جغرافياً من ساحات القتال.
تتجلى هذه الآثار في ارتفاع مستويات التوتر والقلق المزمن، والشعور بالعجز التام، وتدهور الصحة العقلية عموماً. ومع تكرار التعرض لهذه الرسائل والمشاهد المروعة، قد تظهر على الأفراد أعراض تشبه اضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب اضطرابات النوم والتقلبات المزاجية الحادة، فضلاً عن سيطرة التشوه المعرفي والتشاؤم الذي يحجب أي جوانب إيجابية في الحياة اليومية.
ومن أخطر ما تفرزه الدعاية الحربية المستمرة هو حالة "التخدير الإعلامي"، إذ يتأقلم العقل تدريجياً مع توقع العنف والدمار، لتقل استجابته العاطفية الطبيعية بمرور الوقت. تعتمد آلة البروباغندا في هذه المرحلة على تجاوز الإقناع المنطقي وتغييب العقل، عبر استثارة الغرائز البدائية والانفعالات الفورية مثل الخوف، الغضب، أو حتى اللامبالاة.
ويُرافق ذلك بالطبع ضخّ مستمر للشائعات والأخبار المجتزأة والتضليل التي تهدف إلى زعزعة الثقة وتدمير الروح المعنوية، مما يوقع الجمهور في فخ الهزيمة النفسية. ويتفاقم هذا الوضع مع استغلال المنصات الرقمية حديثاً لدفع المتلقي نحو ظاهرة التصفح الكارثي (Doomscrolling)، ليغرق بشكل قهري ومستمر في دوامة من الأخبار السلبية التي تستنزفه نفسياً وتصعب النجاة منها.
لا تحسم معارك اليوم فقط بحجم القوة النارية والتفوق التكنولوجي، فالخوف الذي يملك الإعلام التحكم به يتحكم بالأسواق، والأسواق تتحكم بالاقتصاد، والاقتصاد هو قوة الدول اليوم في عالم تنفتح ممراته وبورصاته وتجارته.
لذا فالقدرة على امتلاك السردية وهيمنتها على العقول، هي سلاح آخر، وتالياً فمن يتقن استخدام هذه الأسلحة المتداخلة بالضرورة مع التكنولوجيا قد تُغنيه الرسائل المصممة بعناية عن استخدام السلاح في كثير من المحطات الحرجة.
أما في الحرب الأمريكية-الإيرانية الحالية فتصبح الدعاية أكثر خطورة، ولعلها ورقة المفاوضات التي ترجح كفة شرط على آخر، لكونها تتحكم بالاقتصاد العالمي وليس اقتصاد البلدين. الدعاية الحربية هنا ليس مجرد صدى للعمليات العسكرية، بل عقل مدبر يُوجه بوصلة التصعيد ويخلق شروط الردع المتبادل وشكل الانتصارات المتخيلة.
أكثر من غيرها، ما نعيشه اليوم في منطقتنا، حين نسمع كلمة "نووي" كل يوم في نشرة الأخبار هو إستراتيجية "حافة الهاوية" والتي تهدف إلى الردع النفسي وخلط حسابات الخصم، وهي إستراتيجية يلجأ إليها العدو لاختبار حدود صبر الخصم وإجباره على التراجع عبر الإيحاء بالاستعداد الكامل لاندلاع مواجهة شاملة، ولفهم تطبيقها العملي علينا فقط متابعة تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، "إعادة إيران للعصر الحجري"، "قد نستخدم النووي"، "حرب لم يسبق أن رأى أحد مثلها".
رجوعاً إلى وراء، شهدنا عقب اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، كيف رفعت طهران لواء "الانتقام القاسي" متوعدة بإنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة بالكامل. في المقابل، استخدم دونالد ترامب أقصى درجات "حافة الهاوية" حين غرد متوعداً بضرب 52 موقعاً إيرانياً شملت التلويح بمواقع ثقافية إذا تجرأت طهران على الرد.
وانتهت هذه الذروة الدعائية بنزول الجميع عن الشجرة، في القصف الإيراني الذي تم بالتنسيق لحفظ ماء الوجه استهدف قاعدة عين الأسد، وهو هجوم أُبلغت دول الجوار به مسبقاً لضمان إخلاء الجنود. وبمجرد استيعاب الضربة، تراجع ترامب عن تهديداته التدميرية، لتنتهي الأزمة باحتفال كلا الطرفين بنصر إعلامي ساحق من دون الانزلاق لمواجهة مفتوحة.
تشير دراسة حديثة صادرة عن معهد كوينسي للدراسات الإستراتيجية إلى أن طهران انتقلت من إستراتيجية "الصبر الإستراتيجي" إلى عقيدة "التصعيد المضاد المستمر"، حيث تُستخدم المهددات النفسية واستعراض القدرات لإقناع واشنطن بأن أي خطوة ستقابل بكلفة إقليمية غير متكافئة.
المثال الأوضح على استراتيجية "الصبر الاستراتيجي" هو السلوك الإيراني بين عامي 2018 و2020. فعقب انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي، اختارت طهران عدم الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة ومباشرة كانت ستلحق دماراً بجيشها واقتصادها. بدلاً من ذلك، فضلت استيعاب التصعيد والاعتماد على وكلائها وشبكة حلفائها في المنطقة لاستنزاف الوجود الأمريكي تدريجياً، منتظرة تغير الإدارة الأمريكية أو إنهاك الخصم، قبل أن تُغير بوصلتها لاحقاً.
لكن التصريحات بغض النظر إن كانت حادة أو هادئة قد لا تظل تصريحات إلى الأبد، وهنا يبرز السؤال الأخطر، في أي لحظة يتوقف الردع النفسي عن كونه أداة لضبط الإيقاع والتحكم في التصعيد، ليتحول إلى شرارة غير محسوبة تشعل مواجهة لا يرغب فيها أحد؟
الجواب في إستراتيجية ثالثة هي "تأطير التهديد" حيث يتم بناء صورة الخصم، والتي تعتمدها الإدارة الأمريكية لترسيخ صورة إيران كتهديد للأمن العالمي لا يمكن كبح جموحه إلا بالضغط الأقصى والعزل الكامل، وهنا قد لا نستغرب إذا عرفنا أن ترامب يستخدم إستراتيجية إعلامية مختلفة عن إدارته، الأمر الذي كثيراً ما ترك التحليلات السياسية الساعية لقراءة اللحظة في حيرة.
بحسب مؤسسة راند، فإن أسلوب "تأطير التهديد" يسعى لتجريد الطرف الآخر من عقلانيته الإستراتيجية، مما يجعل خيار التفاوض يبدو وكأنه تنازل غير مقبول للإرادة السياسية. وفي المقابل، تُوظف طهران السردية ذاتها عبر إبراز واشنطن كقوة هيمنة توسعية.
في كل الحالات، ما يجب أن نفهمه كـ "ضحايا" للإعلام الأمريكي والإيراني اليوم، وكفرائس للبروباغندا العسكرية أن كثيراً من التصريحات ليس تهديدات حقيقية بقدر ما هي تذكير بالقدرة واستعراض للعضلات، والأمر الآخر هو أن الخصوم يتنقلون بين الإستراتيجيات بحسب الحاجة، ولعل الحاجة الأهم اليوم هي تهدئة الأسواق.
لذا تأتي إستراتيجية "صناعة التوافق" و"انتقائية الرسائل"، حيث تعمل الأجهزة الإعلامية والسياسية على ضخ رسائل موجهة واختيار حقائق جزئية لتشكيل رأي عام مؤيد للخيارات الإستراتيجية. وهو ما تعتمده واشنطن لإبراز مشاهد التقدم التكنولوجي والسيطرة البحرية، بينما تركز طهران على مظاهر التماسك القومي والتأكيد على خيارات الثبات.
وبالأساس تهدف هذه الإستراتيجية إلى إبقاء الجماهير المحلية في حالة حشد، وتمنح القيادة السياسية الغطاء اللازم لاستمرار توجيه السياسات الإستراتيجية.
التفاعل الحرج لهذه النظريات يخلق تأثيرات حيوية تتجاوز ميدان المعركة الفعلي، فقد تخنق الدعاية الحربية مسارات التفاوض الدبلوماسي عبر رفع كلفة التنازلات السياسية إلى مستويات غير ممكنة سيكولوجياً. أو قد تفتحها بإرغام الطرف الآخر على التنازل عن شرط صعب.
فعندما يُصوَّر كل تنازل تكتيكي على أنه هزيمة أمام الرأي العام، تصبح المرونة في خطر. وعلى الصعيد الاقتصادي، تتحول حرب الأعصاب والتصريحات النارية بشأن مضيق هرمز إلى عوامل تضغط مباشرة على أسواق الطاقة، مما يرفع أسعار الشحن والتأمين ويهرّب الاستثمارات الإقليمية.
أما في البُعد الداخلي، فقد رصدنا كيف تُستخدم هذه الدعايات كعنصر حاسم في الموسم الانتخابي الأمريكي وفي ترتيب المشهد السياسي الإيراني لحشد الجماهير خلف القيادة بحجة الدفاع عن القومية والأمن القومي.
ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، بلغت لعبة حافة الهاوية ذروتها مع تصريحات النائب في البرلمان الإيراني كامران غضنفري، الذي ألمح إلى امتلاك طهران قدرات تسليحية متقدمة وهدّد بضرب القواعد والمصالح الأمريكية في أوروبا والمنطقة وإغلاق مضيق هرمز بشكل كامل. وفي المقابل، يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليرسم خطوطاً حمراء قاطعة لمنع إيران من الامتلاك النهائي للقدرات النووية العسكرية، مع حرصه الشديد على تسويق الخطاب القائل بأنه يجنب أمريكا الوقوع في مستنقع عسكري ممتد عبر الاعتماد على الضربات التكتيكية والحصار البحري المشدد.
على جبهة صناعة التوافق وصياغة النصر للمواطن المحلي، أعلن أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي أن واشنطن غيرت لهجتها الدبلوماسية بشكل كامل في رسالتها الأخيرة، معتبراً هذا التراجع الشكلي دليلاً قاطعاً على نصر الشعب الإيراني وثباته. وتواكب ذلك مع تصاعد النبرة والمطالبات النيابية الحادة من أكثر من 130 نائباً بالانسحاب الفوري من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية للرد على الضغوط الدولية، وهو ما وصفه معهد تشاثام هاوس كخطر يهدد بانهيار منظومة الحد من الانتشار.
في المقابل، يركز ترامب في واشنطن، على أوراق القوة الاقتصادية والنفسية، مروجاً لعدم قدرة طهران على دفع رواتب قواتها ومدعياً إضعاف الهيكل القيادي الإيراني، ليقنع الناخب الأمريكي بنجاح سياسة "الخنق السلمي" وقدرتها على تحقيق الأهداف دون تقديم تضحيات بشرية أمريكية.
لكن، إلى أي مدى يمكن للقيادات في واشنطن وطهران أن تظل مسيطرة على فكرة "النصر البروباغندي" المصنع داخلياً الذي تسوقه لشعوبها، من دون أن تجد نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات حادة لمجرد الحفاظ على الصورة الذهنية التي رسمتها الدعاية؟ والأهم هل تستطيع أي دولة ممارسة لعبة الردع والضغط الأقصى دون أن تُستدرج خطوة بخطوة إلى مواجهة شاملة تبذل كل الجهد الإعلامي لتجنبها؟
هذه هي الخطورة الأكبر بحسب معهد كوينسي، وهي في قدرة الدعاية الحربية على خداع صانع القرار نفسه، حيث يبدأ في تصديق سرديته الخاصة وتجاهل المؤشرات الميدانية الحقيقية، مما يضيق هامش المناورة المتاح للإفلات من المصيدة الإستراتيجية وتفادي الانزلاق إلى المواجهة الشاملة.
Loading ads...
لذا فمعركة الإعلام الحربي الضارية تدار مع الحذر لشديد من قطع الخيط الفاصل بين الدعاية كأداة ذكية للردع وبين الدعاية كفخ قاتل يوقع أصحابه في مواجهة شاملة لا يريدونها. فعندما تتحول الكلمات إلى التزامات سياسية لا يمكن التراجع عنها أمام الجماهير الحاشدة، تصبح الدعاية الحربية هي المحرك الحقيقي للجيوش بدلاً من أن تكون خادمة للدبلوماسية، مما قد يترك الجميع معلقاً برهان حسابات قد تتهاوى عند أول سقطة غير محسوبة على حافة الهاوية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




