أُسدل أول أمس الستار على واحدة من أكثر جولات التصعيد حساسية في أحياء مدينة حلب، بعد أيام من المواجهات العسكرية التي أعادت الشيخ مقصود والأشرفية إلى قلب المشهد الإقليمي.
ورغم توقف العمليات، فإن ما جرى لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا أمنيًا عابرًا، بل كحلقة مكثفة في مسار أوسع من التفاهمات والضغوط المتقاطعة، لعبت فيها تركيا دورًا محوريًا في توجيه الإيقاع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
انتهاء الصراع ميدانيًا لا يعني إغلاق ملفه سياسيًا أو إنسانيًا؛ إذ تطرح نتائج ما جرى أسئلة ثقيلة حول طبيعة التوافقات غير المعلنة، وحدود استخدام القوة كأداة لإعادة رسم خرائط النفوذ، والمخاطر الكامنة لتحويل الأحياء السكنية إلى أوراق تفاوض، بما يحمله ذلك من سيناريوهات تهجير قسري مؤجلة لا تزال ملامحها قائمة.
كيف أشعلت تركيا نيران الصراع في الشيخ مقصود والأشرفية؟
مع مطلع عام 2026، عادت أحياء مدينة حلب لتتصدر واجهة الصراع السوري من جديد؛ حيث شهد حيا الشيخ مقصود والأشرفية -اللذان يتميزان بغالبية كردية وتديرهما قوات سوريا الديمقراطية (قسد)- موجة عنيفة من الصدامات العسكرية.
وقد جاء هذا التوتر إثر هجمات شنتها فصائل موالية للحكومة السورية، مما أدى إلى تقويض حالة الاستقرار النسبي التي كانت تسود المدينة. ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد المواجهات المسلحة، بل أسفر عن حصيلة إنسانية مؤلمة؛ حيث تشير بيانات محافظ حلب إلى مقتل 23 شخصاً وإصابة ما لا يقل عن 104آخرين.
كما تسببت ضراوة المعارك في حركة نزوح جماعي واسعة، أُجبر خلالها نحو 155 ألف نسمة من سكان الحيين على مغادرة منازلهم، مما فاقم من حدة الأزمة الإنسانية في المنطقة وسط تدهور أمني حاد. فإذا كانت تلك هي النتائج الميدانية المباشرة، فإن المشهد السياسي يبقى المحرك الأول والخفي لهذا التصعيد.
فرغم أن كثيراً من خفايا هذا الكباش لم تتكشف فصولها بعد، إلا أن القراءة المتأنية لما بين سطور التصريحات الرسمية، وما تتركه هوامش الزيارات الدبلوماسية وأروقة المؤتمرات من إشارات، كفيلة برسم صورة أوضح للأجندات المتصارعة التي تقود الصراع على الأرض.
ففي قراءة أعمق للمشهد، يبرز الدور التركي كمحرك أول وخفي لهذه التطورات؛ إذ لا يمكن فصل شرارة الاشتباكات الميدانية عن الحراك الدبلوماسي والأمني المكثف الذي تجسد في زيارة وزيري الخارجية والدفاع ورئيس الاستخبارات الأتراك إلى سوريا.
ففي أعقاب هذه الزيارة مباشرة، تحولت لغة الحوار إلى رصاص، حيث استُهدفت بشكل مفاجئ الحواجز المشتركة بين قوى الأمن الداخلي في حيي الشيخ مقصود والأشرفية وقوات وزارتي الداخلية والدفاع السوريتين.
هذا التزامن المريب يضع تركيا في صورة ‘الآمر الناهي’ الذي يمتلك القدرة على تحريك الجبهات وتوجيه البوصلة العسكرية في سوريا وفقاً لمصالحه الإقليمية.
كما أنه لا يمكننا التغافل عن أنه خلال المؤتمر الصحفي المشترك بين وزيري خارجية كل من تركيا وسوريا والذي اتفق على تحميل “قسد” مسؤولية تعطيل اتفاق 10 آذار/مارس الماضي وتوعدها بأن الأمور لن تبقى على حالها.
وفي خطوة تعكس تدخلاً صريحاً في الشأن السوري الداخلي وتهديداً مباشراً لـ “قسد”، أطلق وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تصريحات حازمة أكد فيها أن أنقرة لن تسمح قطعاً ببروز أي كيان يوصف بـ ‘الدولة الموازية’ في مدينة حلب.
وأكد فيدان أنه يتعين على “قسد” اتخاذ خطوات بشأن 3 قضايا تتعلق بالمحافظة الواقعة في شمال سوريا، لخّصها في “الانسحاب من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وتطهيرهما من الأسلحة الثقيلة، وتهيئة بيئة تمكّن الحكومة السورية من أداء واجباتها ومسؤولياتها في جميع أنحاء المدينة، بما يضمن عودة الحياة إلى طبيعتها”.
إن ما شهدته مدينة حلب خلال الأيام الماضية لا يمكن اختزاله في مواجهة عسكرية محدودة، بل يبدو جزءًا من مقاربة تركية أوسع، جرى تنفيذها بتنسيق أو قبول من حكومة دمشق، تهدف إلى إعادة ضبط الواقع الأمني والإداري في المدينة، مع ما يرافق ذلك من مخاطر على النسيج الاجتماعي واحتمالات فرض وقائع قسرية على السكان.
وتأتي هذه التحركات دون أي مبرر قانوني أو ميداني، خاصة وأن قوات “قسد” كانت قد أبدت مرونة سياسية والتزمت فعلياً بالخروج من حي الشيخ مقصود وفقاً لمخرجات اتفاق 10 آذار/مارس ومن ثم اتفاق الأول من نيسان/أبريل؛ مما يجعل هذا التصعيد خرقاً للمواثيق، واستهدافاً مباشراً للمكونات السكانية في المنطقة.
كيف تبتز أنقرة دمشق لتصفية حساباتها مع ‘قسد”
وعلى الرغم من المحاولات التركية الحثيثة لدفع الأوضاع نحو مزيد من الانفجار العسكري بين حكومة دمشق و”قسد”، يبرز الدور الأميركي حتى الآن كصمام أمان يسعى لتحجيم الطموحات التركية داخل الأراضي السورية.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برّاك، لتعكس رغبة واشنطن في احتواء الموقف؛ حيث أبدى استعداد بلاده لتسهيل حوار جاد وبنّاء بين دمشق و”قسد”، يمهد الطريق لاندماج شامل ومسؤول للأخيرة ضمن مؤسسات الدولة السورية. وخلال لقائه مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ناقش برّاك التطورات المتسارعة في حلب، محذراً من أن ما يجري يهدد بتقويض ‘اتفاق 10 آذار’ ويثير قلقاً بالغاً لدى الإدارة الأميركية. كما وجّه المبعوث الأمريكي دعوة حازمة لوقف الأعمال العدائية في حلب فوراً، مشدداً على أن الرؤية الأمريكية تتركز حول حوار يفضي إلى حماية وحدة سوريا وسيادتها، ويضمن اندماجاً وطنياً لـ “قسد” بعيداً عن لغة التصعيد العسكري.
وفي هذا الصدد يري الباحث السوري محمد ضياء في حديثه مع “الحل نت “: “تمارس تركيا ضغوطاً على حكومة دمشق عكس خط الإدارة الأميركية لدفعها نحو الصدام مع “قسد”، وتعتمد في ذلك على سياسية “الجزرة والعصا” فمثلا تضغط تركيا من خلال التهديد بأنها ستتدخل عسكرياً بنفسها في حال فشل الجيش السوري في استعادة السيطرة على مناطق “قسد” في حلب (الشيخ مقصود والأشرفية).
هذا التهديد يضع دمشق في موقف صعب إما أن تهاجم “قسد” بنفسها لاستعادة السيطرة. أو تخاطر بعملية عسكرية تركية جديدة قد تؤدي إلى قضم المزيد من الأراضي السورية وتوسيع نفوذ الفصائل الموالية لتركيا”.
تضع أنقرة شروطاً واضحة لاستكمال مسار التطبيع مع دمشق وفتح المعابر الحدودية الحيوية (مثل معبر نصيبين – القامشلي). تشترط تركيا لفتح هذه الشرايين الاقتصادية أن يتم استكمال وتحقق اتفاق 10 آذار الذي يقضي بدمج “قسد” وتفكيك بنيتها العسكرية. بمعنى أكثر وضوحاً: “لا انفتاح اقتصادياً أو سياسياً دون القضاء على الإدارة الذاتية.
الباحث السوري محمد ضياء
وأضاف ضياء قائلاً: “تتسم السياسة التركية في تعاطيها مع الشأن السوري الداخلي بلغة خطابية يطغى عليها طابع الاستعلاء والوصاية؛ ويتجلى ذلك بوضوح في تصريحات وزير الدفاع التركي، يشار غولر، الذي لا يتوانى عن وصف مكون أصيل من نسيج المجتمع السوري —المتمثل في ‘قسد’— بـ ‘التنظيمات الإرهابية’. إن إصرار غولر على التأكيد بأن بلاده ‘لن تسمح’ بتواجد هذه القوى على الأراضي السورية، يعكس رغبة أنقرة في فرض أجندتها الأمنية وتجاوز حدود السيادة الوطنية السورية، من خلال تنصيب نفسها حكماً يقرر من يحق له التواجد داخل الحدود السورية ومن يجب إقصاؤه”.
وتعتمد تركيا في اشعال المشهد السوري الداخلي علي مجموعة من الفصائل العسكرية التي تأتمر مباشرة بأوامر أنقرة، والتي كانت تُعرفر بـ “الجيش الوطني السوري” سابقاً، حيث لعبت هذه الفصائل الدور الأكبر في الهجوم على أحياء “الشيخ مقصود” و”الأشرفية”، وهي: فرقة السلطان مراد: تعد الذراع التركمانية الأقوى لتركيا في سوريا، ويقودها “فهيم عيسى” (الذي يشغل منصب مساعد وزير الدفاع للمنطقة الشمالية في الإدارة الجديدة). وفرقة السلطان سليمان شاه (العمشات:( يقودها “محمد الجاسم” (أبو عمشة). تم دمجها مؤخراً ضمن “الفرقة 62” في الهيكلية العسكرية الجديدة. وفرقة الحمزة (الحمزات): يقودها “سيف بولاد” (أبو بكر). دُمجت ضمن “الفرقة 76” في حلب، وهي من أبرز الفصائل التي شاركت في حصار واستهداف الأحياء السكنية في حلب مؤخراً باستخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية التركية.
الدوافع الحقيقية وراء التحريض التركي ضد ‘قسد’ في حلب
وذكر رئيس البرلمان الترك نعمان قورتولموش أن بلاده تتابع المستجدات في مدينة حلب “ساعة بساعة”، ومستعدة لتقديم الدعم لإنهاء الاشتباكات هناك. ونقلت وكالة أنباء “الأناضول” التركية الرسمية عن مصادر في وزارة الدفاع التركية قولها إن “أنقرة ستدعم سوريا في كفاحها ضد التنظيمات الإرهابية إذا طلبت دمشق ذلك” تتستر التدخلات التركية في العمق السوري خلف ذرائع أمنية وإنسانية شتى، إلا أن جوهرها الحقيقي يكمن في تغليب المصالح القومية لأنقرة عبر تأجيج المواجهات العسكرية، لانتزاع مكتسبات ميدانية وسياسية على حساب استقرار المنطقة.
وتنطلق تركيا في ذلك من رؤية تعتبر وجود “قسد” في أحياء حلب (الشيخ مقصود والأشرفية) وريفها (منبج وتل رفعت) امتداداً عضوياً لحزب العمال الكردستاني؛ حيث تخشى أن يتحول هذا الوجود إلى ‘نواة حكم ذاتي’ أو ‘دولة موازية’ على حدودها الجنوبية، مما قد يحفز النزعات الانفصالية في الداخل التركي، وهو ما يدفعها لجر دمشق نحو خيار الحسم العسكري لقطع الطريق أمام أي شرعنة مستقبلية لهذا الكيان.
علاوة على ذلك، تسعى تركيا جاهدة لتحويل مناطق شمال حلب إلى نطاق نفوذ خالص لها وللفصائل الموالية لقرارها، بهدف تهيئة البيئة لتنفيذ خطتها في إعادة اللاجئين السوريين وفق منظورها الخاص، وهو مشروع ترى في وجود “قسد” العائق الأكبر أمام توسيعه وتأمينه.
ولهذا تنظر أنقرة إلى الدعم الأميركي لـ”قسد” كطعنة في خاصرة أمنها القومي؛ لذا فإن إشعال الصراع بين دمشق وقسد يمثل محاولة تركية شيطانية لإضعاف حليف واشنطن، ووضع الإدارة الأمريكية أمام أمر واقع ميداني معقد يصعب فيه توفير الحماية لحلفائها داخل حلب، مما يؤدي بالتبعية إلى تقليص النفوذ الأميركي في الشمال السوري.
وأخيراً، تعيد حلب صياغة موازين القوى بين دمشق وأنقرة وواشنطن؛ فبينما تحرك تركيا بيادقها العسكرية لتقويض مشروع الإدارة الذاتية، تحاول الولايات المتحدة تحصين حلفائها بوعود الاندماج الوطني.
وبين هذا وذاك، تبرز المصلحة التركية كمحرك وحيد لتأجيج الصراع، ضاربةً عرض الحائط بكل المواثيق الدولية، لتبقى حلب صندوق بريد دامٍ يحمل رسائل أنقرة إلى العالم، على حساب دماء السوريين ووحدة أراضيهم.
Loading ads...
مما يفتح الباب أمام تساؤل جوهري: هل ستنجح سوريا في استعادة قرارها المستقل، أم أن حلب ستبقى مجرد ورقة ضغط في بازار التفاهمات الإقليمية؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





