3 ساعات
في أوقات الأزمات.. الشركات التي تواصل التوسع قد تقود الدورة القادمة
الأربعاء، 13 مايو 2026

مقال لـداريا نيكولينا، مديرة العمليات والتسويق في شركة Visarun
في أوقات الأزمات، تميل الشركات إلى الحذر بشكل تلقائي. يتباطأ التوظيف، وتتأجل عمليات الإطلاق، وتتجمد خطط التوسع، بينما يفضّل المستثمرون الانتظار والترقب بدلًا من المخاطرة.
ويصبح هذا النمط أكثر وضوحًا مع التوترات الجيوسياسية، وهو ما تعيشه المنطقة اليوم بالفعل.
فتمويل الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تراجع إلى 941 مليون دولار خلال الربع الأول من 2026، بانخفاض 37% مقارنة بالعام الماضي، تحت ضغط حالة عدم الاستقرار التي أثرت بوضوح على ثقة المستثمرين. وفي مراكز تجارية رئيسية مثل دبي، تباطأت بعض قطاعات التجزئة، وأدت اضطرابات السفر إلى حالة من الضبابية التشغيلية، إلى جانب تأجيل أو إلغاء أو إعادة تنظيم عدد من الفعاليات العالمية.
وفي مثل هذه الظروف، يكون رد الفعل الطبيعي لدى كثير من الشركات هو التراجع والانتظار.
لكن في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا يعني عدم اليقين دائمًا تراجع السوق أو اختفاء الطلب، بل غالبًا ما يعني أن السوق يعيد ترتيب نفسه. والشركات التي تتعامل مع التقلبات باعتبارها انهيارًا كاملًا قد تفوّت واحدة من أهم لحظات إعادة التموضع الاستراتيجي في المنطقة.
الطلب لا يختفي.. المنافسة هي التي تتراجع
من أكثر الأخطاء شيوعًا في أوقات عدم الاستقرار أن تتعامل الشركات مع الضبابية باعتبارها غيابًا للفرص. بينما الواقع أن ما يتراجع أولًا غالبًا ليس الطلب، بل جرأة المنافسين على التحرك.
فعندما تخفض الشركات الكبرى ميزانياتها أو توقف حملاتها أو تؤجل خطط التوسع خوفًا على صورتها أو سمعتها، تظهر مساحة أكبر أمام الشركات الأكثر قدرة على التكيف. وهذا ما بدأ يظهر بالفعل في عدد من القطاعات. فقد تباطأ النشاط الإعلاني في بعض مجالات الـB2B بشكل واضح، كما تم تأجيل بعض العقود المرتبطة بالسفر، وشهد القطاع العقاري حالة من التباطؤ الملحوظ.
ومع ذلك، لا تزال قطاعات أخرى تحقق أداءً جيدًا، مثل الجمال والرفاهية والرعاية الصحية والسياحة الداخلية وخدمات الانتقال والشحن ونقل الحيوانات والتعليم بالخارج وبعض فئات الاستثمار البديل. وفي بعض الحالات، أصبحت هذه القطاعات أسهل وأقل تكلفة في التوسع، مع انخفاض تكلفة الوصول إلى العملاء والإعلانات نتيجة تراجع المنافسة.
وهنا تظهر الميزة الخفية لفترات عدم اليقين. فعندما يتوقف الآخرون بشكل عشوائي، تصبح تكلفة دخول السوق أقل بالنسبة للشركات القادرة على التكيف بذكاء. فالسوق في النهاية لا يتوقف، بل يعيد توزيع الفرص.
القوة الشرائية في الخليج لا تختفي بسهولة
نادراً ما يتوقف أصحاب الدخول المرتفعة في مدن مثل دبي والرياض عن الإنفاق خلال فترات عدم الاستقرار. قد تتغير أولوياتهم، لكن قوتهم الشرائية تظل قوية بحكم طبيعة هذه الأسواق.
وتاريخيًا، واصلت معاملات Visa وMastercard في المنطقة تسجيل نمو سنوي حتى خلال الفترات المتقلبة، كما حافظت مؤشرات التجارة الرقمية بشكل عام على قدر كبير من الصمود. وفي الوقت نفسه، تستمر الشراكات الاستراتيجية الكبرى مستمرة. فقد وقعت Rhenus Logistics وMIE Events مؤخرًا مذكرة تفاهم لوجستية عالمية لدعم التوسع في المعارض الدولية، في إشارة إلى أن البنية التحتية للأعمال طويلة الأجل لا تزال تتقدم رغم التوترات الإقليمية.
وهنا يخطئ كثير من المؤسسين في قراءة المشهد. فهم يتعاملون مع الأزمات باعتبارها إشارة للتوقف والانتظار، بينما يعني الانتظار عمليًا التخلي عن موقعك في السوق، في الوقت الذي يواصل فيه الآخرون البناء والتوسع.
لماذا تتعامل المنطقة بشكل مختلف مع الأزمات؟
كثير من المؤسسين في الغرب ينظرون إلى عدم الاستقرار في المنطقة بعين أميركية أو أوروبية، حيث ترتبط الدورات الاقتصادية بشكل كبير بمزاج المستهلكين ورد فعل الأسواق الخاصة. لكن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعمل بطريقة مختلفة. ففي عدد من اقتصادات الخليج، لا يزال النمو مدعومًا بخطط طويلة الأجل تقودها الدولة. السعودية وحدها تواصل ضخ استثمارات ضخمة ضمن رؤية 2030 في قطاعات مثل السياحة والبنية التحتية والتكنولوجيا وتنويع الاقتصاد.
وهذا الفارق مهم، لأن الاقتصادات المدعومة بسياسات حكومية لا تتعامل مع الضغوط بالطريقة نفسها. فحتى لو أدت التقلبات إلى تباطؤ بعض أجزاء القطاع الخاص، تواصل الصناديق السيادية وبرامج التحول الوطني دفع النشاط الاقتصادي على نطاق واسع. فالسوق هنا لا ينهار أو يتوقف، بل يعيد ترتيب نفسه وفق أولويات جديدة.
وفي المقابل، بدأت استراتيجيات التوسع القديمة تفقد فعاليتها. فخلال فترات النمو المستقرة، كانت الشركات تعتمد على التوسع السريع والتسويق القائم على الأداء وخفض تكلفة الوصول إلى العملاء بأكبر قدر ممكن. لكن في البيئات المتقلبة، لم تعد هذه الأدوات وحدها كافية، بل قد تتحول أحيانًا إلى عبء على صورة الشركة أو سمعتها.
ولهذا بدأت الشركات تميل أكثر إلى بناء الثقة، والتواصل العملي والواضح، وتقديم محتوى ومعلومات مفيدة بدلًا من التركيز فقط على البيع السريع. ففترات عدم اليقين تخلق عادة فراغًا في المعلومات. والناس، سواء أفرادًا أو شركات، يبحثون عن الوضوح والمعلومة الموثوقة قبل اتخاذ أي قرار. ولهذا غالبًا ما تنجح الشركات التي تتحول إلى مصدر موثوق للمعلومات في الحفاظ على حضورها وأهميتها داخل السوق، حتى مع تباطؤ النشاط التجاري المباشر.
وقد ظهر هذا بوضوح في عدد من القطاعات التي تأثرت بالاضطرابات الأخيرة، خاصة السفر والتنقل، حيث كانت الشركات الأكثر شفافية والأفضل في دعم العملاء أقدر على الحفاظ على تفاعل جمهورها.
كما بدأت المؤسسات الكبرى تتعامل بالطريقة نفسها. فمعرض Art Dubai 2026، الذي تم تأجيله بسبب الحرب، لم يكتفِ بإلغاء خططه، بل أعاد تنظيم نموذج المشاركة من خلال إتاحة الدخول المجاني للجمهور وتطبيق آليات لتقاسم المخاطر مع المعارض الفنية المشاركة.
والدرس الأهم هنا أن المؤسسات القادرة على الصمود لا تختفي عادة في فترات الاضطراب، بل تغيّر فقط الطريقة التي تتواصل بها مع جمهورها وشركائها والسوق.
بناء الثقة أصبح جزءًا من استراتيجية السوق
بالنسبة للشركات التي تحاول الدخول إلى سوق المنطقة أو التوسع فيه اليوم، تغيّر السؤال الأساسي. لم يعد الأمر متعلقًا فقط بكيفية الوصول إلى العملاء بأسرع وأرخص طريقة، بل بسبب يجعل هذا السوق يثق بك أصلًا في هذه اللحظة.
وهذا التحول يغيّر طريقة العمل نفسها. فالعلاقات العامة، والمحتوى المبني على الخبرة، والمحتوى التوعوي، والشراكات، والحضور الحقيقي داخل المجتمع، لم تعد مجرد إضافات مرتبطة بالعلامة التجارية، بل أصبحت تدريجيًا جزءًا أساسيًا من بناء وجود الشركة في السوق.
ولا يعني هذا أن التسويق القائم على الأداء لم يعد مهمًا، لكن خلال فترات عدم الاستقرار، تصبح الثقة أحيانًا أكثر تأثيرًا من الإعلانات نفسها.
من سينجح لاحقًا هو من يفهم هذا التحول مبكرًا
الشركات التي ستنجح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال فترات عدم الاستقرار لن تكون بالضرورة صاحبة أكبر الميزانيات أو الأسرع في النمو والتوسع، بل ستكون الشركات التي تفهم أن التقلبات نفسها أصبحت وسيلة يعيد بها السوق فرز اللاعبين.
فعدم اليقين في المنطقة نادرًا ما يلغي الفرص، لكنه يعيد تشكيلها. وبالنسبة للشركات القادرة على بناء ثقة أكبر والتكيف بسرعة وفهم السوق بشكل أعمق، قد تحمل الظروف الحالية فرصة أصبحت نادرة بشكل متزايد: منافسة أقل، وتكلفة أقل للوصول إلى العملاء، وفرصة لبناء حضور أقوى على المدى الطويل.
Loading ads...
ففي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا يكون عدم اليقين دائمًا إشارة للتوقف، بل غالبًا اختبارًا لمن يفهم المنطقة جيدًا بما يكفي ليستمر في التحرك والبناء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





