ساعة واحدة
من الرقة إلى غواتيمالا.. تفاصيل أول عملية تحديد هوية مفقودين سوريين عبر الحمض النووي
السبت، 24 أكتوبر 2026

شكل الكشف عن أول حالة نجاح في تحديد هوية مفقودين سوريين عبر تحليل الحمض النووي نقطة فارقة في ملف المفقودين في سوريا، وهو الملف الذي يؤرق عشرات آلاف العائلات منذ أكثر من 15 عاما.
ورغم أن التجربة تنعش الأمل لدى آلاف العائلات من ذوي المفقودين والمغيبين في سوريا، إلا أنها تفتح الباب أمام أسئلة واسعة حول طبيعة الفحوصات الجينية المتبعة، وإمكانية توسيع تطبيقها على نطاق وطني، إلى جانب التحديات اللوجستية والفنية التي تواجه عمليات تحديد الهويات في ظل انتشار المقابر الجماعية وتشتت الأهالي.
وأعلن المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله، الثلاثاء الماضي، أن جهودهم أثمرت عن التعرف إلى هوية عائلة سورية مفقودة في مدينة الرقة عبر استخدام تقنية تحليل الحمض النووي "DNA".
وأوضح العبد الله لـ"سوريا الآن" أن الحالة تتعلق بـ"بسام حمادة وعائلته"، الذين نزحوا من تدمر إلى الرقة، وقضوا تحت ركام بناء انهار إثر قصف للتحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، حيث بقيت رفاتهم مختلطة مع رفات باقي السكان لسنوات.
غير أن هذه الخطوة "لم تكن سوى المرحلة الأخيرة من عملية ميدانية وتحقيقية طويلة"، بحسب العبد الله الذي أضاف أن العملية بدأت منذ عام 2024 بالتعاون مع فريق منظمة الطب الشرعي الغواتيمالية، حيث جرى "انتشال رفات عظمية كانت متناثرة بين أنقاض مبنى منهار في الرقة، عُرف باسم مبنى جكّاك، وتبيّن لاحقا أن الرفات تعود إلى 10 أشخاص على الأقل، وأظهر التحليل المخبري الأولي أنها تضم بقايا بالغين وأطفال".
وعمل المركز مع شريكه الدولي "مؤسسة الطب الشرعي الأنثروبولوجي الغواتيمالي" على أخذ عينات من كل مجموعة من مجموعات الرفات العظمية العشر، بهدف تحليلها لاحقا في المختبر الوراثي التابع للمؤسسة، وإعداد بصمات وراثية للرفات ومقارنتها بالحمض النووي لأشخاص يُحتمل أن تربطهم بالضحايا صلة قرابة بيولوجية.
لكن عملية التحديد تطلبت عدة أشهر لتحديد عائلة قد تكون على صلة بالرفات، وبعد تقاطع الأدلة المجمعة من موقع المبنى ونتائج التحليل بإفادات أفراد الأسرة والشهود، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية، وتقارير الخسائر البشرية بين المدنيين التي نشرها الجيش الأمريكي، تمكّن المركز من تحديد عائلة من تدمر فقدت الاتصال بأقارب لها في الرقة أثناء الغارات الجوية نفسها التي أدت إلى انهيار مبنى جكّاك.
ويضيف العبد الله أن المركز استطاع لاحقا تقديم عينات حمض نووي تساعد في الكشف عن هوية الرفات، من خلال "عينات مرجعية" وراثية من أحد أفراد العائلة لمقارنتها بالعينات العظمية.
واعتمد المركز على المختبر الوراثي للمؤسسة الغواتيمالية لمقارنة البصمات، ورغم "انتشال 10 مجموعات رفات، لم يكن بالإمكان إعداد بصمات وراثية إلا لـ9 مجموعات فقط، نظرا لتحلل الحمض النووي بفعل العوامل البيئية أو عدم كفاية كميته في العينة".
وأظهر التحليل الوراثي صلة قرابة بيولوجية بين صاحبة العينة المرجعية و6 مجموعات من الرفات (الأم والأطفال الخمسة)، فيما ثبتت عائدية المجموعة السابعة للأب بسام حمادة عبر مقارنة بصمات الأطفال الوراثية برفات رجل بالغ.
وفي بعض الحالات، كان التطابق الوراثي قويا بدرجة تجعل احتمال حدوثه أكبر بتريليونات المرات عند وجود صلة قرابة بيولوجية مقارنة بعدم وجودها.
ورغم ذلك، كان جمع المعلومات الجسدية للمفقودين قبل اختفائهم -المعروفة بـ "بيانات ما قبل الوفاة" كأعمار الأطفال وأطوالهم- ضروريا لتحديد هوية صاحب كل مجموعة رفات والتمييز بينهم، ويؤكد العبد الله أن "هذه البيانات كشفت أن أحدا من أفراد العائلة المفقودين (حسن عليوي) ليس ضمن الرفات المثبتة بيولوجيا، وما زال في عداد المفقودين".
ووفقا لبيانات شارحة زودت بها "سوريا الآن" من المركز السوري للعدالة والمساءلة، يتيح تحليل الحمض النووي تحديد هوية الرفات البشرية باستخدام أساليب الطب الشرعي، ولا سيما عندما تتحول الرفات بالكامل إلى هياكل عظمية ولا تبقى سمات جسدية مميزة.
غير أن المركز يشدد على أن "تحليل الحمض النووي وحده لا يكفي لتحديد الهوية، فلا بد من دمجه مع معلومات عن الظروف التي عُثر فيها على الرفات، وكذلك عن مجموعة الأشخاص الذين يُحتمل أن يكونوا ضحايا الحادثة".
وتساعد هذه الأدلة السياقية في تحديد الاحتمال الأولي، ثم يُدمج مع نتائج الفحص الجيني للتحقق مما إذا كان التشابه مجرد مصادفة أم صلة قرابة.
ولذا فإن تحليل الحمض النووي "غالبا ما يمثل الخطوة الأخيرة في تحقيق يتطلب شراكات وثيقة بين منظمات المجتمع المدني والأسر والخبراء الدوليين"، حيث يرى المركز أن هذه القضية تشكل "نموذجا يمكن للهيئة الوطنية للمفقودين الاسترشاد به في عملها".
وفي سياق تقييم الموثوقية العلمية لهذه الفحوصات، يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن هذا النجاح يمثل "تطورا علميا وإنسانيا مهما يتيح الوصول إلى إجابات موثوقة لعائلات أمضت سنوات طويلة في البحث عن مصير أبنائها".
وأوضح عبد الغني لـ"سوريا الآن" أن المقارنة بين البصمة الوراثية للرفات والعينات المرجعية تتيح، عبر التحليل الإحصائي، الوصول إلى استنتاجات عالية الموثوقية بشأن الهوية، لكنه ينبّه في الوقت ذاته إلى أن "تحديد هوية الضحية لا يثبت تلقائيا سبب الوفاة أو المسؤولية الجنائية عنها، وهي مسائل تتطلب تحقيقات مستقلة".
وعن مدى إمكانية توسيع استخدام هذه التقنية في سوريا، أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن الأمر ممكن من الناحية العلمية، مشيرا إلى أن تجربة البوسنة والهرسك تقدم نموذجا مهما في هذا المجال.
وشدد على أن النجاح يتطلب "بناء منظومة وطنية متكاملة وليس مجرد إنشاء مختبرات أو شراء أجهزة"، وتتألف هذه المنظومة، كما يصفها عبد الغني من فرق متخصصة في الطب الشرعي والأنثروبولوجيا الجنائية، ومختبرات تعمل وفق معايير علمية معتمدة، بالإضافة إلى قاعدة بيانات مركزية آمنة ونظام موحد لتوثيق الرفات والعينات المرجعية ومقارنتها، مع رقابة مستقلة على جودة النتائج.
من جانبه يؤكد محمد العبد الله أنه "ينبغي ألا تتوقع أسر المفقودين أن تتمكن، بمجرد تقديم عينة من حمضها النووي، من معرفة مكان أقاربها فورا"، إذ لا توجد حاليا في سوريا قاعدة بيانات وراثية وطنية لمقارنة العينات، ولا يوجد مختبر وراثي متخصص لتحليل عينات العظام، كما يغيب النظام المعتمد لجمع العينات وتخزينها، فضلاً عن التكاليف المالية الباهظة للغاية لإنشاء هذه المنظومة.
وفي تناوله للواقع الميداني، أشار عبد الغني إلى أن التحديات الأساسية تتمثل في "تدهور حالة الرفات بسبب مرور سنوات طويلة على الوفاة والتعرض للعوامل البيئية، واحتمال اختلاط رفات عدة أشخاص في المقابر الجماعية"، فضلا عن تعرض بعض مواقع الدفن للعبث أو عمليات الانتشال غير المهنية.
كما تبرز صعوبات كبيرة في جمع العينات المرجعية من عائلات المفقودين، ولا سيما مع "توزع ملايين السوريين بين الداخل وبلدان اللجوء"، ويضاف إلى ذلك نقص الكوادر المتخصصة، والحاجة إلى التمويل المستدام، وضمان صيانة المعدات وتوافر المواد المخبرية، وإنشاء نظام دقيق لحفظ العينات ومنع تلوثها أو اختلاطها.
وفي هذا السياق، أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان على ضرورة حماية المقابر الجماعية ومواقع الدفن المحتملة ومنع أي عمليات نبش عشوائية، لأن "الخطأ في استخراج الرفات أو توثيقها قد يؤدي إلى ضياع معلومات لا يمكن استعادتها، وقد يؤثر أيضا في الأدلة اللازمة للتحقيقات الجنائية"، محذرا في الوقت ذاته من التسرع في إعلان الهويات قبل استكمال إجراءات التحقق العلمي لما يشكله أي خطأ من ضرر بالغ يلحق بعائلات الضحايا.
ووفقا لآخر تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 30 أغسطس/آب 2026، فإن ما لا يقل عن 177 ألفا و21 شخصا لا يزالون في عداد المختفين قسريا في سوريا منذ مارس/آذار 2011، بينهم 4 آلاف و536 طفلا و8 آلاف و984 سيدة، مع التأكيد على أن هذا الرقم يتعلق بالمختفين قسريا ولا يمثل جميع فئات المفقودين.
وعن توزيع المسؤوليات، أوضح عبد الغني أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة السورية، من خلال تمكين الهيئة الوطنية للمفقودين من قيادة برنامج وطني مستقل وشفاف، بالتنسيق مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا التابعة للأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين، والمنظمات السورية التي تمتلك خبرات وبيانات تراكمية واسعة.
Loading ads...
ومن الضروري، بحسب عبد الغني، ضمان مشاركة عائلات المفقودين، و"الحصول على موافقتها المستنيرة عند جمع العينات"، وحماية البيانات الوراثية من أي استخدام خارج الأغراض المشروعة التي جُمعت من أجلها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




