ساعة واحدة
التقارب المصري التركي: كيف يثير التعاون في مجالات استراتيجية بين القاهرة وأنقرة قلق إسرائيل؟
الإثنين، 15 يونيو 2026

يتزايد القلق داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية مع تسارع وتيرة التقارب بين مصر وتركيا، بعد سنوات من القطيعة والخلافات، إذ إن التعاون الذي بدأ بإعادة تطبيع العلاقات الدبلوماسية وتبادل الزيارات الرئاسية، يتجه اليوم نحو مستويات أكثر عمقاً تشمل ملفات الطاقة والصناعة والتجارة والتنسيق السياسي، وصولاً إلى التعاون العسكري والصناعات الدفاعية.
وتكشف تقارير إسرائيلية وأميركية حديثة عن اهتمام متزايد بطبيعة الاتصالات الجارية بين القاهرة وأنقرة، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا التقارب إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية في شرق البحر المتوسط، وتقليص هامش الحركة الذي استفادت منه إسرائيل خلال سنوات الانقسام بين القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة.
وبحسب مصادر دبلوماسية وعسكرية وخبراء، فإن ما يثير القلق الإسرائيلي لا يقتصر على احتمالات التعاون العسكري بين البلدين، بل يمتد إلى إمكانية تشكل شراكة استراتيجية طويلة الأمد بين مصر وتركيا قادرة على التأثير في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي والتجارة والنقل والصناعات الدفاعية، بما يحد من قدرة إسرائيل على فرض معادلاتها منفردة في المنطقة.
مؤخراً كشفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عن مخاوف داخل إسرائيل من احتمال إبرام صفقات عسكرية بين مصر وتركيا قد تغيّر موازين القوى في منطقة شرق البحر المتوسط.
وقالت الصحيفة إن تقارير إسرائيلية تحدثت عن تحركات أميركية عاجلة للتحقيق في تنسيق عسكري متزايد بين القاهرة وأنقرة، مشيرة إلى أن أجهزة الاستخبارات الأميركية رصدت نشاطاً وصفته بغير المعتاد بين الجانبين.
وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، فإن مصر وتركيا تعملان بهدوء على تعزيز تعاون عسكري واسع النطاق قد يشمل صفقات تسليح يمكن أن تؤثر على التوازنات الإقليمية، ما دفع واشنطن وتل أبيب إلى طلب توضيحات من بعثاتهما الدبلوماسية في مصر وتركيا بشأن طبيعة هذه التحركات، خاصة في ما يتعلق بالاتصالات الأمنية والعسكرية الجارية بين مصر وتركيا.
ورصدت مصادر استخباراتية أميركية خلال الفترة الأخيرة، وفق الصحيفة الإسرائيلية، ارتفاعاً ملحوظاً في حجم ومستوى وتواتر التنسيق العسكري والأمني بين القاهرة وأنقرة، ما أثار اهتماماً متزايداً داخل واشنطن.
وأرسل مكتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مذكرة إلى سفارتي واشنطن في أنقرة والقاهرة طالب فيها بمعلومات بشأن المشاورات بين ضباط كبار من البلدين، والهدف من هذه التحركات يتمثل في معرفة ما إذا كانت مصر وتركيا على وشك توقيع اتفاقيات أمنية واسعة النطاق قد تؤثر على ميزان القوى في شرق البحر المتوسط وشمال المنطقة.
وقالت صحيفة "معاريف" إن إسرائيل تُعدّ من أبرز الأطراف التي تشجع الولايات المتحدة على الاستفسار عن تفاصيل التقارب الأمني بين القاهرة وأنقرة، كما تسعى للحصول على معلومات إضافية عبر القنوات الأميركية بشأن طبيعة الاتصالات الجارية بين مصر وتركيا.
يرى مصدر دبلوماسي مصري أن القراءة الإسرائيلية للتقارب المصري التركي تختزل العلاقة في بعدها العسكري، بينما الواقع يشير إلى أن التعاون القائم بين البلدين أوسع بكثير من ذلك.
وقال المصدر لـ"عربي بوست" إن تطور العلاقات بين مصر وتركيا يأخذ أبعاداً مختلفة ولا يقوم فقط على التعاون العسكري الذي أخذ أشكالاً أكثر تطوراً مؤخراً، ويهدف إلى إحداث توازن في موازين القوى بالمنطقة في مواجهة حالة السيولة الأمنية وعدم الاستقرار التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف أن البلدين يواجهان تحديات مشتركة مرتبطة بالأوضاع الإقليمية المتوترة، فضلاً عن وجود أحاديث إسرائيلية متكررة حول نوايا عدائية مستقبلية تجاه عدد من دول المنطقة، إلا أن ذلك لا يعني أن التقارب المصري التركي موجه ضد إسرائيل، بل يهدف إلى ردع أي محاولات يمكن أن تدفع المنطقة نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
وأوضح المصدر أن العلاقات بين القاهرة وأنقرة تقوم حالياً على المصالح المتبادلة، إذ تسعى مصر إلى جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية والاستفادة من الخبرات التركية في عدد من القطاعات الصناعية، فضلاً عن توسيع التعاون التجاري داخل القارة الإفريقية.
وفي المقابل، تستفيد تركيا من المزايا التي يوفرها السوق المصري، سواء من حيث حجم السوق المحلي أو التسهيلات المقدمة للمستثمرين أو إمكانية الوصول إلى الأسواق الإفريقية والعربية عبر مصر.
وأكد المصدر أن البلدين يتوافقان أيضاً حول أهمية بناء تكتلات إقليمية جديدة قادرة على تنسيق مواقف الدول العربية والإسلامية، والوصول إلى ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة لا تقوم على خدمة مصالح دولة واحدة فقط، بل تراعي مصالح مختلف الدول واستقرارها.
لم يعد التعاون المصري التركي مقتصراً على الجانب السياسي، بل بات يمتد إلى قطاعات اقتصادية واستراتيجية متعددة. ففي مطلع الشهر الجاري، أكد وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي أهمية الارتقاء بمستوى التعاون بين مصر وتركيا لإحداث نقلة نوعية في مجالات الطاقة والتعدين، بما يعزز فرص الاستثمار ويحقق الاستفادة المثلى من الموارد الطبيعية لدى البلدين.
وجاء ذلك خلال لقائه وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار، حيث شدد الجانبان على أهمية تعزيز التعاون الإقليمي في شرق البحر المتوسط، والاستفادة من الموقع الجغرافي والبنية التحتية والإمكانات اللوجستية التي تمتلكها الدولتان.
وقبل أيام، أعلنت شركة الحفر المصرية تشغيل الحفارين "EDC 42″ و"EDC 52" في تركيا ضمن تعاقد مع مؤسسة البترول الوطنية التركية لمدة عامين بقيمة إجمالية بلغت 43 مليون دولار.
كما توسعت مجالات التعاون الصناعي بين البلدين بصورة ملحوظة. وخلال الأسبوع الجاري، بحث وزير الصناعة المصري خالد هاشم مع نائب وزير الخزانة والمالية التركي عثمان شيليك سبل تعزيز التعاون في قطاع السيارات ومكوناتها.
وأكد الوزير المصري أهمية زيادة الاستثمارات التركية داخل مصر، لا سيما المشروعات الموجهة للتصدير، مع التركيز على التحول من مجرد التبادل التجاري إلى الإنتاج المشترك الذي يدمج مكونات مصرية وتركية في صناعات تستهدف الأسواق العالمية.
وشملت مجالات التعاون المطروحة الصناعات الهندسية ومكونات السيارات والأجهزة المنزلية والمواد الكيميائية والأسمدة ومكونات الطاقة المتجددة.
كما استقبلت غرفة القاهرة التجارية مؤخراً وفداً تركياً متخصصاً في قطاع المحاجر برئاسة رمزي أوزجان، رئيس جمعية مصنعي الرخام بمدينة أفيون التركية، في زيارة هدفت إلى بحث فرص التعاون المشترك في مجالات استخراج خامات المحاجر وتصنيعها وتجارتها.
رغم اتساع مجالات التعاون الاقتصادي، فإن الجانب العسكري يبقى الأكثر إثارة للمخاوف الإسرائيلية. وقال مصدر عسكري مصري لـ"عربي بوست" إن التقارب العسكري بين البلدين يهدف بالأساس إلى الدفاع عن المصالح المشتركة وليس إلى استهداف أي طرف آخر.
وأضاف المصدر العسكري الذي تحدث لـ"عربي بوست" شريطة عدم ذكر اسمه لحساسية منصبه، أن التعاون العسكري الحالي يشمل تبادل الخبرات والتصنيع المشترك وتبادل المعلومات حول عدد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.
وأوضح أن أحد أكثر الملفات التي تثير القلق الإسرائيلي يتعلق بالتعاون في مجال إنتاج الطائرات المسيّرة، حيث تمتلك تركيا خبرة عالمية متقدمة في هذا القطاع، بينما تسعى مصر إلى تطوير قدراتها التصنيعية في المجال نفسه.
كما أشار المصدر إلى أن إسرائيل تنظر إلى هذا التعاون باعتباره تهديداً لمحاولاتها الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي في المنطقة، خاصة في سوق الطائرات بدون طيار التي أصبحت أحد أهم عناصر القوة العسكرية الحديثة.
وكانت إسرائيل خلال السنوات الماضية من أبرز الأطراف التي دفعت باتجاه فرض قيود غير مباشرة على حصول عدد من دول المنطقة، ومن بينها مصر وتركيا، على بعض أنواع التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
ويرى المصدر العسكري أن التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا في مجالات التصنيع العسكري قد يقلل من تأثير هذه القيود مستقبلاً، وهو ما يفسر جانباً من المخاوف التي تعكسها التقارير الإسرائيلية الأخيرة.
بحسب محلل سياسي متخصص في الشؤون التركية، فإن القلق الإسرائيلي يرتبط بعوامل أعمق من مجرد التعاون العسكري أو الصفقات الدفاعية المحتملة. وقال إن العلاقات التركية المصرية خطت خطوات متقدمة للغاية منذ إعادة إصلاح العلاقات، وأصبحت ترتكز على منطق التعاون الاستراتيجي أكثر من مجرد استعادة الوضع الطبيعي.
وأوضح المحلل السياسي في تصريح لـ"عربي بوست" أن التحولات التي شهدتها المنطقة بعد حرب 7 أكتوبر/ تشرين الأول وتراجع الاستقطاب الذي ساد مرحلة ما بعد الربيع العربي أسهمت في توفير بيئة مناسبة لتطوير العلاقات بين مصر وتركيا.
وأضاف أن الدور المصري التركي أصبح محورياً في عدد من الملفات الإقليمية، من بينها ليبيا وشرق البحر المتوسط والحرب في غزة، وهو ما يمنح التعاون بينهما وزناً يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.
كما أشار إلى أن أحد أبرز أسباب القلق الإسرائيلي يتمثل في أن أي تقارب بين قوتين إقليميتين بحجم مصر وتركيا يقلص قدرة إسرائيل على الاستفادة من الانقسامات الإقليمية التي شكلت أحد عناصر تفوقها السياسي خلال العقود الماضية.
كما أن هذا التقارب يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية بطريقة لا تخدم سياسات التوسع الإسرائيلية، خاصة إذا تطور مستقبلاً إلى محور أوسع يضم قوى عربية وإسلامية أخرى.
ويضيف المحلل أن إسرائيل تنظر بقلق أيضاً إلى مشاريع النقل والتجارة والطاقة التي يمكن أن تنشأ بين مصر وتركيا وشركائهما الإقليميين، لما قد تمثله من بدائل أو منافسين لمشاريع إقليمية تراهن عليها تل أبيب.
وفي الوقت نفسه، يبقى الهاجس الأعمق بالنسبة إلى إسرائيل مرتبطاً بإمكانية تحول التقارب المصري التركي إلى مظلة أوسع لإعادة بناء النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بعد سنوات من الحروب والانقسامات، وهو ما قد يحد من الهوامش الاستراتيجية التي استفادت منها إسرائيل خلال السنوات الماضية.
Loading ads...
ومع استمرار وتيرة التقارب الحالية، تبدو المخاوف الإسرائيلية مرتبطة بما قد ينتج عن هذه الشراكة مستقبلاً أكثر من ارتباطها بما تحقق بالفعل حتى الآن، خصوصاً إذا نجحت القاهرة وأنقرة في تحويل التعاون القائم إلى شراكة استراتيجية شاملة تجمع بين القوة الاقتصادية المصرية والقدرات الصناعية والعسكرية التركية، بما يعيد رسم جزء مهم من موازين القوى في المنطقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

الملك يهنئ بمناسبة العام الهجري الجديد
منذ 4 دقائق
0




