ساعة واحدة
مع تراجع ترمب.. اليابان والفلبين تختبران خطوط بكين الحمراء بشأن تايوان
الخميس، 4 يونيو 2026

مع تخفيف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من حدة خطابها العلني بشأن تايوان، بدأت حليفتان رئيسيتان للولايات المتحدة، هما اليابان والفلبين، في رفع مستوى انتقاداتهما للرئيس الصيني شي جين بينج بشأن القضية الأكثر حساسية بالنسبة إلى بكين، وفق "بلومبرغ".
وألمح قادة اليابان والفلبين خلال الأشهر الأخيرة إلى احتمال انخراط بلديهما في أي صراع يتعلق بتايوان، وهي تصريحات أثارت استياء بكين. كما مضى البلدان في تعميق علاقاتهما العسكرية، إذ اتفقا الأسبوع الماضي على الارتقاء بمستوى شراكتهما وبدء سلسلة من المحادثات الدفاعية.
ويتناقض هذا التقارب الياباني الفلبيني المتسارع مع تركيز واشنطن على اتباع نهج أكثر "هدوءاً" تجاه تايوان. ففي قمة عُقدت في بكين الشهر الماضي، أيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب رؤية شي بشأن "الاستقرار الاستراتيجي" في العلاقات الثنائية، وردد بعض مواقفه بشأن الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي.
وفي منتدى شانجريلا الأمني الذي عُقد في سنغافورة نهاية الأسبوع الماضي، أصبح بيت هيجسيث أول وزير دفاع أميركي منذ أكثر من عقد يتجنب الإشارة إلى تايوان في خطابه.
وقال ريموند باول، العقيد المتقاعد في سلاح الجو الأميركي ومؤسس "مؤسسة سي لايت" المعنية بالشفافية البحرية، إن اليابان والفلبين "تتحركان بسرعة لبناء شبكة أوسع من الشركاء".
وأضاف: "إذا كانت بكين ستستخدم الأسواق والمجالات البحرية كسلاح، فإن جيرانها مضطرون إلى الرد عبر نسج شبكة أكثر كثافة وقدرة على الصمود، بما يعقّد حساباتها الاستراتيجية".
ورغم تأكيد هيجسيث أن سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان لم تتغير، وأن تبدل المواقف يقتصر على نبرة الخطاب، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان ترمب سيمضي قدماً في صفقة أسلحة متعثرة بقيمة 14 مليار دولار لتايوان. وكان ترمب قد وصف الصفقة بأنها "ورقة تفاوض"، في خروج عن النهج المتبع سابقاً.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، إن الصفقة لم تُجمّد، لكنها "لا تزال قيد المراجعة".
ومع استمرار الغموض بشأن مصير الصفقة، يختبر قادة طوكيو ومانيلا حدود التعاون الدفاعي الممكن بين البلدين من دون استدراج رد صيني واسع النطاق.
وأتاح الاتفاق المبرم الأسبوع الماضي، إطلاق محادثات بشأن اتفاق لتبادل المعلومات العسكرية، وتسوية الحدود البحرية بين البلدين، استناداً إلى اتفاقات سابقة هدفت إلى تسهيل التدريبات المشتركة وتبادل الإمدادات.
وجاءت هذه الخطوات بعد تصريحات أدلى بها الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن، الشهر الماضي، قال فيها إن بلاده قد تنجر على الأرجح إلى أي نزاع يتعلق بتايوان بسبب قربها الجغرافي من الجزيرة، مكرراً بذلك تصريحات مماثلة أدلت بها رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في نوفمبر الماضي.
تشمل محادثات الحدود بين اليابان والفلبين مناطق اقتصادية خالصة تطالب بها بكين أيضاً. وردت الصين بغضب في الحالتين. إذ تعتبر بكين الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي جزءاً من أراضيها، وهو موقف ترفضه تايبيه.
وكان رد بكين على طوكيو، أكثر حدة على وجه الخصوص. فبعدما أشارت تاكايتشي العام الماضي إلى أن أي أزمة في مضيق تايوان قد تشكل "وضعاً يهدد بقاء" اليابان، فرضت الصين إجراءات اقتصادية وسياسية عقابية، وجمّدت الاتصالات الرسمية، مطالبة إياها بالتراجع عن تصريحاتها.
وأثارت محادثات الحدود بين اليابان والفلبين غضب الصين بشكل خاص، لأن المفاوضات ستشمل مياهاً تقع شرق تايوان، وتطالب بكين أيضاً بحقوق اقتصادية وحقوق في الجرف القاري فيها.
وأرسلت الصين، الاثنين الماضي، سفناً تابعة لخفر السواحل الصيني، إلى شرق تايوان في استعراض لما وصفته بسلطة "قضائية" فعلية، محذرة من اتخاذ إجراءات مضادة "غير مسبوقة" إذا استمرت المحادثات.
واتهم تلفزيون الصين المركزي CCTV البلدين بـ"التواطؤ" لتحقيق مصالحهما الخاصة. ووفقاً للرواية الصينية، تستغل اليابان الفلبين لاحتواء الصين، بينما تسعى مانيلا للحصول على التزامات أمنية أكبر ومساعدات عسكرية وأوراق تفاوض إضافية في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه.
في المقابل، قدمت اليابان والفلبين تفسيراً مختلفاً للمحادثات. وقال ماركوس إن الخطوات تهدف إلى دعم النظام البحري القائم على القواعد وتعزيز الثقة، فيما رأت تاكايشي أن تعميق العلاقات يعكس تعاون دول متقاربة التوجهات لمواجهة تحديات غير محددة في بيئة عالمية متغيرة.
كما أبدت الصين استياءها من تنامي علاقات اليابان بحلف الناتو. فقد انتقد متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، الاثنين، خطة طوكيو لإرسال أربعة أفراد من قوات الدفاع الذاتي إلى مقر تدريبي تابع لحلف الناتو في ألمانيا للمرة الأولى، معتبراً ذلك دليلاً على أن البلاد تسير نحو "إعادة التسلح بأقصى سرعة".
وكانت اليابان والفلبين قد وقعتا بالفعل اتفاقات لتسهيل الخدمات اللوجستية والتدريبات المشتركة، إلى جانب اتفاق منفصل لتعزيز قابلية التشغيل البيني للإمدادات العسكرية. كما ترتبط اليابان حالياً باتفاقات لتبادل المعلومات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية والهند و"الناتو" وغيرها.
وتسلط هذه الجهود الضوء أيضاً على كيفية تكيف حلفاء الولايات المتحدة مع نهج ترمب القائم على "أميركا أولاً"، والذي يدفعهم بصورة متزايدة إلى الاعتماد على أنفسهم.
وقال يويتشيرو ساتو، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ريتسوميكان آسيا والمحيط الهادئ، لـ"بلومبرغ"، إن اليابان تجد نفسها "محاصرة" بين اتهامات الصين ومطالب الولايات المتحدة بزيادة الإنفاق الدفاعي، وهي ضغوط مارسها ترمب على الحلفاء في أوروبا وآسيا على حد سواء.
وأضاف: "طالما أن الولايات المتحدة تحتفظ بعصا ردع موثوقة، فإن اليابان ليست بحاجة إلى سماع خطاب أميركي صاخب معادٍ للصين. المشكلة تكمن في تراجع القدرة النسبية للولايات المتحدة على نشر قواتها في شرق آسيا. سد الفراغ الناتج عن ضعف الالتزام الأميركي هو السبب الرئيسي".
ويمتد هذا الشعور بقوة إلى مانيلا أيضاً. وقال روميل أونج، الأميرال المتقاعد في البحرية الفلبينية، إن الهدف بالنسبة للفلبينيين يتمثل في "تحصين الوضع الدفاعي للبلاد ضد الصدمات الناتجة عن السياسات الأميركية، وتراجع الحضور الأميركي في شرق آسيا، والالتزامات العالمية الأخرى".
وأضاف أن محادثات الحدود، من شأنها أن "توفر إطاراً منظماً للدوريات المشتركة بين الدولتين"، بما يؤثر في مساعي الصين للسيطرة على قناة باشي الاستراتيجية الواقعة بين تايوان والفلبين.
وإذا أصبحت مثل هذه الأنشطة أمراً اعتيادياً، فمن المرجح أن ترتفع احتمالات اندلاع مواجهات عرضية. ويحذر محللون من أن زيادة الضغوط الصينية، في غياب ضبط النفس من جانب بكين أو التزام أميركي أكثر وضوحاً، قد تؤدي إلى تعميق معضلة أمنية تقليدية تدفع فيها الإجراءات الدفاعية لكل طرف الطرف الآخر إلى الرد بالمثل. وفي الوقت الراهن، تبدو بكين حذرة من المبالغة في رد الفعل.
Loading ads...
وقال تشو فنج، من كلية الدراسات الدولية بجامعة نانجينج، لـ"بلومبرغ"، إن جهود اليابان الرامية إلى بناء علاقات أمنية وعسكرية أوثق مع دول المنطقة ومع الناتو مستمرة منذ عدة سنوات، واصفاً ذلك بأنه نتيجة طبيعية لـ"تحول موازين القوى". وحذر من أن "تعزيز التعاون بين اليابان والفلبين سيشكل اختباراً لصبر الصين الاستراتيجي".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



