Syria News

الثلاثاء 3 نوفمبر / تشرين الثاني 2026

  • الرئيسية
  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة
  • تكنولوجيا
  • منوعات
  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • أعلن معنا
جاري تحميل الأخبار العاجلة...

حمل تطبيق “سيريازون” مجاناً الآن

store button
سيريازون

كن على علم بجميع الأخبار من مختلف المصادر في منطقة سيريازون. جميع الأخبار من مكان واحد، بأسرع وقت وأعلى دقة.

تابعنا على

البريد الإلكتروني

[email protected]

تصفح حسب الفئة

الأقسام الرئيسية

  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة

أقسام أخرى

  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • منوعات
  • تكنولوجيا

روابط مهمة

  • أعلن معنا
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • عن سيريازون
  • اتصل بنا

اشترك في النشرة الإخبارية

ليصلك كل جديد وآخر الأخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لصالح مؤسسة سيريازون الإعلامية © 2026

سياسة الخصوصيةالشروط والأحكام
خارج نطاق المستفيدين... التحوّل الرقمي في مصر يحرم مستحقي ال... | سيريازون
logo of رصيف
رصيف
شهر واحد

خارج نطاق المستفيدين... التحوّل الرقمي في مصر يحرم مستحقي الدعم من برامج الحماية - رصيف22

الخميس، 24 سبتمبر 2026
خارج نطاق المستفيدين... التحوّل الرقمي في مصر يحرم مستحقي الدعم من برامج الحماية - رصيف22
يسلّط هذا التقرير الضوء على معاناة المسنات مع التحول إلى الرقمنة؛ فالأدوات التي يُفترض أن تسهّل صرف معاشات التقاعد، مثل ماكينات الصرف الآلي، قد تتحول إلى عائق يحول دون وصولهن إلى معاشاتهن بشكل مستقل. ويزيد من صعوبة ذلك تفاوت مستويات التعليم والثقافة الرقمية، وفجوة رقمية مرتبطة بالنوع الاجتماعي، إلى جانب عوامل ثقافية كرّست تاريخياً تفاوتاً في موازين القوة. ومع تسارع التحول الرقمي، تتحمل المسنات عبء التكيف مع أدوات جديدة للحصول على حق أساسي؛ ما يدفع بعضهن إلى الاعتماد على الآخرين في الحصول على معاش كان يفترض أن يصل إليهن من دون وسيط.
رغم أن معاشها الشهري، البالغ 2800 جنيه فقط، يمثل مصدر دخلها الأساسي لتدبير احتياجاتها مع بداية كل شهر، لا تستطيع ماجدة علي، مثل غيرها من العشرات، الحصول عليه بمفردها؛ فخوفها من استخدام ماكينة الصراف الآلي، وعدم معرفة استخدامها، يجبرانها على انتظار عودة أحد أبنائها إلى المنزل ليصرف لها مستحقاتها، حتى وإن اضطرت إلى تأجيل شراء احتياجاتها الأساسية أياماً.
على مدار ثلاثة أيام متفرقة، تزامنت مع مواعيد صرف المعاشات في الأسبوع الأول من تموز/ يوليو 2026، رافقنا ثلاث نساء، من بينهن ماجدة، في أثناء حصولهن على مستحقاتهن الشهرية. وفي حين لم تستغرق عملية السحب نفسها سوى دقائق، لكن ما سبقها كان أطول بكثير؛ تردد أمام شاشة الماكينة، وبحث عن شخص يمكن الوثوق به، ثم انتظار وصول أحد الأبناء، أو تسليم البطاقة والرقم السري إلى آخرين لإنجاز المهمة.
تقول ماجدة (60 عاماً)، تسكن بمحافظة الجيزة، إنها حصلت على بطاقة صرف المعاش عقب وفاة زوجها عام 2023، لكنها لم تتمكن أبداً من استخدامها بنفسها؛ إذ تتولى ابنتها الكبرى صرف المعاش نيابة عنها، بينما تظل هي مترددة في الاقتراب من ماكينة الصراف الآلي خوفاً من ارتكاب أي خطأ.
وتوضح أنها كثيراً ما تحتاج إلى أموالها فور إيداع المعاش لتلبية احتياجات الأسرة، لكنّها تضطر إلى الانتظار حتى يعود أحد أبنائها إلى المنزل. ورغم اقتناعها بأن البطاقة الإلكترونية توفر الوقت وتغنيها عن مشاوير البنك أو البريد، فإن خوفها من الضغط على زر خاطئ، أو ابتلاع الماكينة للبطاقة، أو تعرضها للسرقة، يجعلها عاجزة عن استخدامها منفردة. وتضيف: "نفسي أتعلم عليها، لكن بخاف أدوس على حاجة غلط".
وتتشابه الصعوبات التي تواجهها ماجدة مع مئات النساء الأخريات، فقد أجرينا استبياناً شمل 50 شخصاً من أصحاب المعاشات وذويهم، بهدف قياس أثر التحول الرقمي في قدرة كبار السن على الحصول على مستحقاتهم والتعامل مع وسائل الصرف الإلكترونية.
شكلت النساء غالبية المشاركين بنسبة 70%، مقابل 30% من الرجال، أغلبهن من كبار السن؛ إذ بلغت نسبة مَن تراوحت أعمارهم بين 50 و60 عاماً نحو 52%، في حين بلغت نسبة الفئة العمرية بين 60 و70 عاماً 32%، فيما تجاوزت نسبة من هم فوق السبعين، الـ6%.
وقد عكست النتائج تفاوتاً في المستوى التعليمي للمشاركين؛ إذ إن نصف العينة تقريباً حصلت على تعليم ابتدائي أو متوسط، في حين كان ما نسبته 24% أميين لا يقرأون ولا يكتبون، مقابل 26% فقط يحملون مؤهلاً جامعياً، وهو ما يفسر جانباً من التحديات المرتبطة باستخدام الخدمات الرقمية.
وتبين أيضاً أن 59% من المشاركين "أرامل"، وهي الفئة التي تمثل شريحة واسعة من مستحقي المعاشات في مصر. وتوزعت العينة بالتساوي بين سكان المدن والقرى؛ بما يسمح برصد الفوارق الجغرافية في الوصول إلى خدمات الصرف.
وتفصيلاً توضح البيانات، أن عدد أصحاب المعاشات الأحياء بلغ نحو 4.665 مليون شخص عام 2025، في حين تشير بيانات أخرى إلى أن نحو 5.33 مليون مستفيد يصرفون معاشاتهم عبر الهيئة القومية للبريد حتى آذار/ مارس 2026. ويبلغ عدد القائمين بالصرف عند احتساب المستحقين من الورثة من 10 إلى 11 مليون مستفيد.
ورغم الزيادات الدورية التي تقرها الحكومة، لا تزال قيمة المعاشات محل جدل بين أصحابها. فبحسب تصريحات رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، يبلغ الحد الأدنى للمعاش ألفاً و755 جنيهاً، ويصل الحد الأقصى إلى ثلاثة عشر ألفاً و360 جنيهاً بدءاً من عام 2026، مع وجود تفاوت واسع يرتبط بتاريخ الاشتراك التأميني، والأجر الذي كان يتقاضاه المؤمن عليه قبل التقاعد.
وبحسب الاستبيان، يحتاج أكثر من نصف مستخدمي ماكينات الصراف (55%) إلى مساعدة شخص آخر لإتمام عملية السحب؛ سواء لإدخال الرقم السري أو اختيار قيمة المبلغ أو استكمال خطوات العملية، في حين يقول ما تبقى من العينة إنهم لا يستخدمون الماكينات بأنفسهم.
وعند سؤالهم عن الشخص الذي يقدم هذه المساعدة، أفاد 53% بأنهم يعتمدون على أحد الأبناء أو الزوج أو الزوجة، فيما يستعين 21% بالأقارب أو الجيران، ويلجأ 26% إلى أي شخص موجود بالقرب من ماكينة الصراف، وهو ما يثير تساؤلات حول الخصوصية وسلامة البيانات المالية لكبار السن.
تكشف نتائج الاستبيان أن 56% من المشاركين تعرضوا لمشكلة في أثناء صرف المعاش؛ إذ أفاد 32% بأنهم لم يتمكنوا من صرف مستحقاتهم في بعض المرات، وقال 24% إنهم تعرضوا للاستغلال أو اقتطاع جزء من أموالهم خلال عملية السحب.
ورغم ذلك، أكد نحو 74% ممن واجهوا مشكلات تقنية أنهم لم يجدوا موظفاً يساعدهم على حلها؛ ما أدى في بعض الحالات إلى استمرار المشكلة أياماً أو أسابيع، ووصل الأمر لدى بعض المشاركين إلى شهر أو شهرين قبل حلها.
على الرغم من أن 74%، من المشاركين في الاستبيان، أفادوا بأن الصراف الآلي (ATM) أصبح وسيلتهم الأساسية للحصول على المعاش، مقابل 20% يعتمدون على مكاتب البريد، و4% فقط على البنوك أو وسائل الدفع الإلكتروني الأخرى، فإن هذا الاعتماد لا يعني سهولة الاستخدام.
قال 68% إنهم يذهبون بأنفسهم لصرف المعاش، فيما يعتمد 32% على أحد الأقارب، أو يرسلون شخصاً آخر نيابة عنهم؛ ما يعكس استمرار الحاجة إلى الدعم البشري رغم رقمنة الخدمة.
لم تكن صعوبة استخدام التكنولوجيا العقبة الوحيدة أمام أصحاب المعاشات؛ إذ كشف الاستبيان أن 62% يعتبرون الازدحام وطول فترة الانتظار أمام ماكينات الصراف أكبر مشكلة تواجههم.
وقال 40% إنهم يخشون ارتكاب خطأ في أثناء استخدام الماكينة؛ مثل سحب مبلغ غير صحيح أو تجميد البطاقة، في حين اشتكى 30% من الأعطال المتكررة للماكينات أو انقطاع الشبكة. وأشار 26% إلى صعوبة تذكر الرقم السري أو خطوات الاستخدام، فيما ذكر 22% أن ضعف النظر يجعل قراءة الشاشة أو التعليمات أمراً بالغ الصعوبة.
وقد انعكس الاعتماد على الآخرين في انخفاض الشعور بالأمان؛ إذ قال 36% فقط إنهم يشعرون بالأمان الكامل خلال صرف المعاش، فيما أعرب 34% عن قلقهم من وجود أشخاص حولهم أو اضطرارهم إلى تسليم البطاقة أو الرقم السري لآخرين، فيما أكد 30% أنهم لا يشعرون بالأمان مطلقاً في أثناء استخدام الوسائل الرقمية.
أظهرت النتائج أيضاً أن 40% من المشاركين يقتصر استخدامهم للهاتف المحمول على إجراء المكالمات واستقبال الرسائل، فيما قال 36% إنهم لا يجيدون استخدام الهواتف الذكية أو التكنولوجيا بشكل عام، مقابل 24% فقط أكدوا قدرتهم على استخدام التطبيقات الرقمية بسهولة.
رغم اختلاف التجارب، تتشابه مطالب النساء؛ فالغالبية لا تطالب بإلغاء المنظومة الرقمية، وإنما بتوفير وسائل حماية تراعي أوضاع كبار السن والأميين رقمياً.
رغم التوسع في رقمنة خدمات صرف المعاشات، لم يبدِ المشاركون في الاستبيان حماساً واضحاً للاعتماد الكامل على النظام الرقمي؛ إذ فضل 38% وجود نظام هجين يجمع بين الخدمات الرقمية، ووجود موظف يقدم المساعدة عند الحاجة، فيما فضل 34% العودة إلى النظام التقليدي القائم على التعامل المباشر مع الموظف، في حين أيد 28% فقط الاعتماد الكامل على النظام الرقمي.
ترى هويدا أن الحل يكمن في تخصيص موظف رسمي، تابع للبنك أو مكتب البريد، يقف بجوار ماكينات الصراف لمساعدة كبار السن، بدلاً من تركهم فريسة لأشخاص مجهولين يعرضون المساعدة. كما تطالب بتوفير أماكن انتظار مناسبة وتنظيم الطوابير، خصوصاً في أيام صرف المعاشات.
وتقترح إكرام حلاً مشابهاً، يتمثل في السماح لمن لا يستطيعون استخدام البطاقات بالحصول على معاشاتهم من داخل مكاتب البريد أو البنوك عبر موظفين مختصين، إلى جانب تعزيز التوعية بإجراءات الشكاوى، وتدريب العاملين على التعامل مع المشكلات التقنية بصورة أسرع.
مررتْ بطاقة السحب الآلي، وقفت لثوانٍ للحصول على معاش "تكافل وكرامة"، وهو إجراء تقوم به شهرياً. لكن هذه المرة كانت "مختلفة"؛ بعد أن اكتشفت أن بطاقتها موقوفة.
"منى مرسي"، ذات الـ48 عامًا، المقيمة في الزقازيق بمحافظة الشرقية؛ واحدة من ملايين النساء المصريات المستفيدات من برنامج تكافل وكرامة. تشكل النساء فيه الغالبية العظمى من المستفيدين بنسبة تتجاوز الـ 75%.
في عام 2014، تبنّت مصر برنامجاً للإصلاح الاقتصادي لسدّ عجز الموازنة، نتجت عنه أزمة اقتصادية، أدت إلى ارتفاع أسعار السلع.
في عام 2015، أطلقت الحكومة بدعم من البنك الدولي بنحو 400 مليون دولار، "تكافل وكرامة"، وهو برنامج للمساعدات النقدية المشروطة، يقدم مساعدات للأسر الفقيرة والأولى بالرعاية، التي لديها مؤشرات اقتصادية واجتماعية منخفضة.
يوفر برنامج "تكافل" دعماً نقدياً للأسر الفقيرة التي لديها أطفال في مراحل التعليم، شريطة انتظامهم في الدراسة بنسبة حضور لا تقل عن 80%، وللأسر التي لديها أطفال دون السادسة، إضافة إلى الحوامل الملتزمات ببرامج الرعاية الصحية.
فيما يوجه برنامج "كرامة" مساعداته إلى المسنين فوق 65 عاماً ممن لا يملكون دخلاً، والأشخاص ذوي الإعاقة أو العجز الذي يمنعهم من العمل، إلى جانب الأيتام والأرامل.
ويبلغ متوسط قيمة المساعدة النقدية الموجهة للأسرة في الشهر الواحد، 900 جنيه، بحد أدنى 700 جنيه، وقد تصل إلى 4000 جنيه للأسرة الواحدة.
هذا ليس البرنامج الوحيد الذي يدعمه البنك الدولي؛ إذ يموّل مشروع تدعيم شبكات الأمان الاجتماعي في مصر، بتكلفة 900 مليون دولار أميركي، إلا أن "تكافل وكرامة" يعد الركن الرئيسي له، إذ يغطي 27.7% من الأسر الفقيرة بمصر؛ 67% منهم في محافظات الصعيد.
تقدمت منى لبرنامج تكافل وكرامة عام 2013، حيث استوفت جميع المستندات المطلوبة؛ بما في ذلك "القومسيون الطبي" لإثبات نسبة العجز لدى زوجها، المشخص بالاضطراب الوجداني ثنائي القطب، وإثباتات غياب التأمين، وعدم امتلاك حيازة زراعية أو عقارات، لتتقاضى نحو 323 جنيه شهرياً.
منذ ذلك الحين وحتى 2018، كانت "منى" تتسلم معاشي "تكافل وكرامة"، من مكتب البريد، قبل أن تصبح الأمور أكثر تعقيداً. ففي عام 2018، بدأت ملامح التحول الرقمي في البرنامج تتبلور عبر رقمنة البيانات، وربط الشبكات، وتطوير قواعد البيانات لضمان وصول الدعم للأسر الأكثر احتياجاً.
تزامن ذلك مع ارتفاع نسبة السكان، الذين يعيشون دون خط الفقر في محافظة الشرقية لأزيد من 24.3%.
ومع التحول الرقمي لوزارة التضامن الاجتماعي، وإطلاق البوابة الإلكترونية للاستعلامات وتسجيل شكاوى المستفيدين من البرنامج، في 30 آذار/ مارس 2020، أصبحت الأسرة مضطرة إلى تجديد التقارير الطبية دورياً لإثبات استمرار نسبة العجز، وتقديم مستندات جديدة؛ تشمل التأمينات، وإثباتات الحيازة الزراعية، وخطابات من المدارس، إلى جانب خضوعها لبحث ميداني داخل المنزل انتهى بإقرار استحقاقها للدعم.
وصار لزاماً عليها تحديث البيانات كل ستة أشهر، من خلال بوابة "تكافل وكرامة"، وتسجيل الرقم القومي والبيانات المطلوبة، ورفع المستندات الرسمية بصيغة إلكترونية، وتشمل: صورة البطاقة، وشهادات الميلاد، وإثبات محل الإقامة، وقسيمة الزواج أو الطلاق، والشهادة الطبية في حال الإعاقة. ثم تأكيد البيانات والضغط على "تحديث".
كانت تخشى توقف المعاش، مع حذف التضامن آلاف العائلات من قائمة مستفيدي تكافل وكرامة. لكنّ مخاوفها تتبدد في كل مرة تمسك بين يديها مبلغ 1435 جنيهاً مصرياً شهرياً. إلى أن جاء شهر كانون الثاني/ يناير عام 2026، حين فوجئت بظهور حالة "إعادة تقييم".
ليتوقف صرف المعاشين اللذين كانت تحصل عليهما؛ أحدهما بقيمة نحو 835 جنيهاً والآخر بنحو 600 جنيه، مرتبط بدعم تعليم الأبناء، رغم إن ظروف الاستحقاق لم تتغير. ابنتاها مريم وملك طالبتان على مقاعد الدراسة، وزوجها يعمل بشكل غير منتظم بمقهى أو يبيع المناديل بالشارع. أما هي فتحاول جاهدة أن تستمر في تنظيف السجاد وبيع الخضروات، لكنّ مرض السكري أقعدها مؤخراً عن العمل.
يترتب على ظهور مصطلح "إعادة التقييم"، لمستفيدي برنامج تكافل وكرامة، عبر بوابة الاستعلام والشكاوى، إيقاف الدعم لحين إجراء دراسة شاملة لحالة الأسرة للتحقق من استمرار استحقاقها، ويتطلب من مستفيدي كرامة، حجز موعد جديد للكشف الطبي عبر موقع المجالس الطبية المتخصصة. ويجب على مستفيدي "تكافل" تقديم شكوى عبر بوابة الاستعلام والشكاوى، وإرفاق المستندات المطلوبة (مثل شهادات الميلاد، والتأمينات، وقسيمة الزواج) والتوجه بها إلى وحدة الشؤون الاجتماعية التابعين لها، وإجراء بحث اجتماعي جديد لهم.
توجهت منى لمكتب الشؤون الاجتماعية في منطقتها، وقدمت مجدداً جميع المستندات المطلوبة، ثم تقدمت بتظلّم إلكتروني أخبرها موظفو الشؤون بقبوله، وأصبحت حالتها على النظام "مقبولة"، إلا أن صرف المعاش لم يُستأنف حتى الآن.
أمام كل هذه الإجراءات، ومتاهة تجديد الأوراق والرفع والشكوى والتظلّم، تجد منى نفسها غارقة؛ فتعجز عن استخدام الخدمات الرقمية الحكومية وتستعين بالخدمات المدفوعة الأجر، التي تقدمها مقاهي الإنترنت كل مرة.
عام 2026، أصبح التضامن يمتلك قواعد بيانات وربط شبكي لقاعدة بيانات تكافل وكرامة، مع أكثر من 20 جهة بالدولة، بحسب الوزيرة مايا مرسي.
وتعتمد وزارة التضامن الاجتماعي على منظومة رقمية يستخدمها موظفو مكاتب الشؤون الاجتماعية لتسجيل بيانات الأسر إلكترونياً، ومتابعة المستفيدين من برامج الدعم النقدي وخدمات بطاقة الخدمات المتكاملة. وتختلف هذه المنظومة عن بوابة الاستعلام والشكاوى الخاصة ببرنامج "تكافل وكرامة"، وهو ما قد يؤدي إلى تباين البيانات التي تظهر للمستفيدين عند الاستعلام، بحسب بدار أبو علي، اختصاصي اجتماعي بأحد مكاتب الشؤون الاجتماعية.
يفسر ذلك بأن البوابة الإلكترونية غير مرتبطة بسيستم وزارة التضامن، ويقتصر دورها على جمع البيانات الأولية. يقول بدار: "المشكلة في بعض الحالات يتم تسجيلها بياناتها على السيستم وبتكون مستحقة وبعد الإصدار يتضح أنه غير مستحق، فيتم إيقاف تسليم الكارت من قبل الوحدة".
ويشرح أن "مكننة" منظومة "تكافل وكرامة" بدأت عام 2018، ثم جرى تطويرها عام 2021 عبر ربطها بعدة قواعد بيانات حكومية؛ ما عزز قدرة الدولة على اكتشاف حالات عدم الاستحقاق. لكنّ بعض البيانات، مثل حالات الطلاق أو الوفاة، لا تُحدَّث تلقائياً، بل تتطلب إخطاراً من المواطن وتقديم المستندات اللازمة.
ويؤكد بدار أبو علي، اختصاصي اجتماعي بأحد مكاتب الشؤون الاجتماعية، أن المعاش يتوقف عند ظهور مؤشرات على عدم الاستحقاق، مثل امتلاك سيارة حديثة أو أرصدة مالية أو سجل ضريبي.
ويرى مدير العمليات السابق ببرنامج الدعم النقدي "تكافل وكرامة" بوزارة التضامن الاجتماعي، أحمد لطيف، أن البرنامج بحاجة إلى إعادة هيكلة. ويقول إن تقييم الفقر ينبغي ألا يستند إلى تقييم مواصفات المسكن؛ لا سيما أن المساعدات العينية التي تقدمها الجمعيات الأهلية أو جهات حكومية أو أفراد قد تكون سبباً في وجود أجهزة أو أثاث داخل منازل الأسر الفقيرة، ولا يصح اتخاذها مؤشراً على خروجها من دائرة الفقر.
لا تزال منى تبحث عن حل لاستعادة الـ 1400 جنيه شهرياً (28 دولاراً)، قيمة معاشي تكافل وكرامة، اللذين حُرمت منهما أسرتها. واليوم باتت مطالبة بسداد كامل المصروفات الدراسية لمدرستي ابنتيها اللتين انتقلتا للصفين الأول الإعدادي والأول الثانوي، بعد أن كان يشملهما الإعفاء من السداد كونهما من مستفيدي البرنامج.
وبينما تقول المنظومة الرقمية إنها مستحِقة، تظل منى وكثير من النساء الأكثر فقراً معلقات، في انتظار أن يتحول هذا الاستحقاق الرقمي إلى دعم نقدي، يتساءلن متى تنتهي معاناة أسرهن؟
تخشى إيمان الاقتراب من ماكينة الصراف الآلي، تدفع داليا جزءاً من معاشها لمن يسحبه نيابة عنها، بعد أن ابتلعت ماكينة الصراف الآلي بطاقتها ذات مرة. أما ميرفت، فتنتظر في طابور البريد كل شهر، رغم امتلاكها بطاقة إلكترونية.
ثلاث نساء، ثلاث حكايات، تكشف مشكلة واحدة: التحول الرقمي لا يعني بالضرورة أن الجميع قادرون على استخدام أدواته.
تحمل إيمان، بطاقة تكافل في يدها كل شهر، لكنّها لا تجرؤ على الاقتراب من ماكينة الصراف الآلي، تقف أمامها كما لو كانت ترى جهازاً هبط من عالم آخر. لا تعرف لغته ولا تفهم كيف يعمل، تتساءل في دهشة: "نفسي أشوف الماكينة بتشتغل إزاى؟". تخشى أن تضغط الزر الخطأ، أو أن تبتلع الماكينة بطاقتها، فتفقد المبلغ القليل الذي تنتظره كل شهر لتدبير احتياجات أسرتها.
بالنسبة لها، الطريق الأطول إلى مكتب البريد، والانتظار في الطوابير، وحتى دفع عمولة لشخص يسحب المعاش نيابة عنها، كلها خيارات تبدو أكثر أماناً لها من الوقوف أمام شاشة الصراف الآلي.
عندما أطلقت وزارة التضامن الاجتماعي برنامجي "تكافل وكرامة" عام 2015، لم تتردد إيمان في التقدم للحصول على الدعم، بعدما وجدت أن ظروفها تنطبق على شروط برنامج "تكافل"، المخصص للأسر الفقيرة التي لديها أطفال، والذي يربط الحصول على الدعم النقدي باستمرار الأبناء في التعليم، والالتزام بمتابعة الرعاية الصحية. ويُعد البرنامج أحد أبرز أدوات الحماية الاجتماعية التي تتبناها الدولة لدعم الأسر الأكثر احتياجاً.
أما برنامج "كرامة" فيُخصص لكبار السن (65 عاماً فأكثر) والأشخاص ذوي الإعاقة غير القادرين على العمل، ولا يملكون مصدر دخل ثابت. ويهدف البرنامجان إلى تعزيز العدالة الاجتماعية، وتوجيه الدعم الحكومي إلى مستحقيه، وتحسين الظروف المعيشية للفئات الأكثر احتياجاً، ويُصرف منتصف كل شهر.
تنتظر إيمان موعد صرف المعاش، الذي رغم محدوديته (880 جنيهاً)، يُمثل لها استعادة الحياة ولو مؤقتاً.
تسدد ديونها المتراكمة لدى البقال والجيران، بعد أن اضطرتها الحاجة إلى الاستدانة قبل موعد الصرف، تقول: "ساعات بروح لواحدة حنينة أقولها: هاتِ لي كيلو سمك، وبكرة لما أقبض هديكي الفلوس، أو آخد حاجة من البقالة وبنمشي حالنا كده".
يبدأ المستفيدون صرف معاش تكافل وكرامة من خلال جميع ماكينات الصراف الآلي المتاحة على مستوى الجمهورية، كما يمكنهم إجراء الدفع الإلكتروني، وجميع المعاملات الحكومية والمشتريات، وفقاً لوزارة التضامن الاجتماعي المصرية.
ولأن كل جنيه في معاش إيمان محسوب بدقة، تبدو فكرة استخدام ماكينة الصراف الآلي مخاطرة لا تستطيع تحملها. فاحتمال ألا تصرف الماكينة الأوراق النقدية الصغيرة، أو أن تضطر إلى ترك جزء من مستحقاتها داخلها، كفيل بأن يدفعها إلى تجنبها تماماً، حتى لو كان البديل هو الوقوف في طوابير مكتب البريد. تقول: "لو فيه عشرينات أو خمسينات، المكنة مش بتطلعها".
لم تكن إيمان وحدها التي تتعامل مع البطاقة بحذر يصل إلى حد الخوف. فخلال مقابلات مع عدد من المستفيدات، تكررت الحكاية نفسها وإن اختلفت تفاصيلها؛ بطاقات يحملنها منذ سنوات، لكنهن يفضلن الوقوف في الطوابير، أو يقتطعن جزءاً من معاشاتهن مقابل أن يسحبها شخص آخر نيابة عنهن.
"بخاف... لأني مرة حطيت البطاقة في المكنة واتسحبت مني"، بهذه الكلمات تلخص داليا سبب عزوفها عن استخدام ماكينة الصراف الآلي. فمنذ تلك الواقعة، لم تعد مستعدة لتكرار التجربة، بعدما استغرقت يومين إلى ثلاثة أيام، وعدة زيارات، حتى تتمكن من استعادة بطاقتها. تقول: "طلعوا عيني... فضلت رايحة كذا مشوار لما ادوهالي".
منذ ذلك الوقت، أصبحت داليا تستعين بأحد مستخدمي ماكينات الصراف، أو تتوجه إلى مكتب الشؤون الاجتماعية للحصول على معاشها، مقابل رسوم تتراوح بين 25 و30 جنيهاً عن كل عملية سحب. بالنسبة لها، تبدو هذه التكلفة أقل من المجازفة بفقدان البطاقة، أو تعطل صرف المعاش مرة أخرى.
ورغم أنها حاصلة على دبلوم تجارة، فإنها لا تزال تجد صعوبة في التعامل مع ماكينة الصراف الآلي. تقول إن التعليمات التي تظهر على الشاشة تربكها، وتخشى أن ترتكب خطأ في إحدى الخطوات يحرمها من المبلغ الذي تنتظره كل شهر.
يرى الدكتور شاكر الجمل، خبير أمن المعلومات، أن غياب الوعي الرقمي لا يقتصر أثره في عزوف المستفيدين عن استخدام بطاقات الصرف، بل يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والاحتيال، قائلًا: "مينفعش نثق بأي حد، خصوصاً الأشخاص اللي عندهم ضعف في الوعي الرقمي". مشيراً إلى أن كثيراً منهم يطلب من أي شخص أمام الماكينة أن يسحب له المعاش، ما قد يعرضهم لسرقة البطاقات أو تصوير بياناتها واستخدامها مرة أخرى.
ويضيف: "حتى الرقم السري مينفعش حد يعرفه أو يكتبه على البطاقة، لأن المستفيد في النهاية هو اللي بيتحمل الخسارة"، ويؤكد الجمل، أن رفع الوعي بكيفية استخدام البطاقات وحماية بياناتها لا يقل أهمية عن توفير الخدمة نفسها، لأن التحول الرقمي لا يكتمل دون تمكين مستخدميه من التعامل معه بأمان.
خلال العمل على التحقيق، رافقنا ميرفت في يوم صرف الدعم إلى مكتب البريد التابع لمدينتها، بأحد مراكز محافظة الشرقية. استيقظت مبكراً، وغادرت منزلها متجهة إلى البريد الذي يبعد عنها نحو 15 دقيقة سيراً على الأقدام، فهو المنفذ الوحيد للصرف في بلدتها. وما إن وصلت في الساعات الأولى من الصباح، حتى اتجهت مباشرة إلى الطابور الطويل أمام شبابيك البريد، لتأخذ دورها.
بينما في الخارج، كانت ماكينة الصراف الآلي خالية تماماً من الجمهور، في الوقت الذي اصطف فيه جميع مستفيدي برنامج تكافل وكرامة تقريباً أمام الشبابيك، مفضلين الانتظار لسحب مستحقاتهم من الموظف؛ بدلاً من استخدام الماكينة التي يتجنبها الجميع.
انتظرت ميرفت أكثر من ساعة حتى جاء دورها. تقول إن الوقوف لساعات، أقل مخاطرة من تجربة استخدام ماكينة الصراف الآلي، خاصة أنها لا تجيد القراءة أو التعامل مع الماكينات، كما لا تثق بأن توكل أحداً للسحب نيابة عنها.
بينما ينتظر المستفيدون أدوارهم أمام شبابيك الصرف، يقف م.ح، موظف الأمن على باب مكتب البريد، ينظم دخول المواطنين للحد من التكدس والإجابة عن استفساراتهم. لكنه يتجنب تماماً الاقتراب من ماكينة الصراف الآلي الملاصقة للمبنى، أو مساعدة أي شخص في استخدامها؛ خوفاً أن يُحمله المواطنون مسؤولية أي عطل قد يحدث في أثناء عملية السحب.
لا تقتصر الفجوة الرقمية على استخدام ماكينات الصراف الآلي، بل تمتد إلى المنصات الإلكترونية للبرنامج نفسه. فعلى الرغم من أن برنامج "تكافل وكرامة" يستهدف الأسر الأكثر احتياجاً، ويضم مستفيدين أغلبهم من محدودي التعليم، فإن بعض صفحات البوابة الرسمية للبرنامج، التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، تتضمن خطوات معقدة، بالإضافة إلى إدخال بعض البيانات باللغة الإنجليزية.
ورصدنا أن الضغط على صفحات مثل "الأسئلة الشائعة" و"مبادرات وبرامج" للتعرف على تفاصيل البرنامج أو مبادرة "لا أمية مع التكافل"، ينقل المستخدم إلى صفحة تسجيل دخول تعرض حقول التسجيل باللغة الإنجليزية أيضاً، كما توضح الصور التالية.
لا تقف صعوبة الوصول إلى المعلومات عند حدود الموقع الإلكتروني، بل تمتد إلى الخدمات والحقوق التي يُفترض أن يعرفها المستفيدون. فلم تكن تعلم "ميرفت"، أن من حق ابنتها، التي تعاني إعاقة حركية، استخراج بطاقة الخدمات المتكاملة، تقول، إنها سمعت عنها مصادفة خلال استقلالها إحدى وسائل المواصلات العامة، فسارعت إلى استخراجها قبل خمس سنوات، لكنها لم تستفد منها حتى الآن. وتضيف: "الكارت كلفني 100 جنيه، ومستفدتش بيه بحاجة، مابعرفش إيه المميزات اللي فيه".
لم تكن رحلة الحصول على الدعم الحكومي أقل مشقة؛ فبعد أربع سنوات من الانتظار، بين عامي 2014 و2018، تمكنّت من استخراج بطاقة "كرامة" لابنتها، لتبدأ بصرف 440 جنيهاً شهرياً، قبل أن يرتفع المبلغ تدريجياً إلى 800 جنيه مصري.
أما هي، فانتظرت ثلاث سنوات أخرى للحصول على بطاقة "تكافل" كونها مطلقة؛ إذ بدأت إجراءات التقديم عام 2023، واستوفت الأوراق المطلوبة، لكنها فوجئت برفض طلبها بدعوى عدم توافق الشروط عليها. تتذكر تلك اللحظة قائلة: "قالولي إنتِ غير مستحقة... أمال مين المستحق؟". وبعد سلسلة من الشكاوى، وتدخل بعض الأشخاص، حصلت أخيراً على أول دفعة من معاش "تكافل" عام 2026.
في الوقت نفسه، توقفت بطاقة "كرامة" الخاصة بزوج إيمان، بعدما كان يتقاضى منها 825 جنيهاً شهرياً، إثر إصابته بكسر في الفقرتين الرابعة والخامسة من العمود الفقري؛ نتيجة سقوطه من سقالة في أثناء عمله في المعمار. خضع كغيره من المستفيدين، لكشف "القومسيون الطبي" لإثبات أن إصابته دائمة وتمنعه من العمل الدائم، وكان يُعاد عرضه على اللجنة الطبية سنوياً، والتي أكدت كل مرة استحقاقه للدعم بحسب "الزوجة". لكنّ صرف المعاش توقف فجأة في 15 نيسان/ أبريل 2026.
حاولت الأسرة تقديم شكوى، لكنّها اصطدمت بعائق جديد؛ فهي لا تعرف كيفية استخدام البوابة الإلكترونية أو تقديم تظلّم عبر الإنترنت، كما لا تملك المعرفة الرقمية التي تمكنها من متابعة إجراءاتها بنفسها، لتجد نفسها مضطرة إلى انتظار المساعدة من الآخرين.
يقول خبير أمن المعلومات، شاكر الجمل، إن معالجة عزوف بعض مستفيدي "تكافل وكرامة" عن استخدام بطاقات الصرف لا تتطلب حلولًا معقدة، بل برامج توعية عملية تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً. ويضيف: "الدولة اتحولت رقمياً، ولازم الناس دي تواكب التحول، الحل يبدأ بحصر المستفيدين الأكثر احتياجاً للتدريب، وتنظيم ورش عمل داخل القرى، مع إرسال فيديوهات ورسائل توعوية لمن يستطيع استخدامها".
لا تحتاج إيمان إلى بطاقة جديدة، ولا إلى ماكينة أحدث، بقدر ما تحتاج إلى من يشرح لها كيف تستخدم ما تحمله في يدها منذ سنوات. فنجاح التحول الرقمي لا يقاس بإتاحة الخدمة فقط، وإنما بقدرة الفئة المستهدفة على الوصول إليها والاستفادة منها دون خوف أو وسيط أو تكلفة إضافية.
لم تكن سلوى عادل ذات الخمسة والأربعين عاماً، المقيمة في إحدى القرى التابعة لمحافظة الجيزة، تتذكر تاريخ تجديد بطاقتها التموينية، لكنها تتذكر جيداً اليوم الذي اكتشفت فيه اختفاء أسماء أبنائها من البطاقة.
لسنوات، كانت تصرف المقررات التموينية لأسرتها المكونة من ستة أفراد؛ هي وزوجها وأبناؤها الأربعة. لم تدرك أن ثلاثة من أبنائها لم تعد تنطبق عليهم الشروط.
لم يتغير عدد أفراد الأسرة، وبقي وضعهم المادي على حاله، لكنّ البطاقة التي عادت بعد التجديد لم تحمل سوى اسمين فقط. للحظات، تجمدت سلوى أمام الموظف في مكتب التموين تحاول فهم ما حدث: "أين ذهب أبنائي؟"، فجاءها الرد مقتضباً: "مش على السيستم (النظام)".
لم تفهم معنى العبارة، فسألت مرة أخرى: "طب راحوا فين؟ أنا مش عارفة... طب أنا أعمل إيه؟ أنا ذنبي إيه؟". قيل لها إن الأمر يحتاج إلى تظلّم، ثم أُبلغت لاحقاً بأنه "لا توجد تظلّمات".
قصة سلوى لم تكن حالة فردية، فعلى مدار شهرين متتاليين، التقيتُ بنساء تشابهت قصصهن رغم اختلاف تفاصيلها؛ بعضهن فقدن أفراداً من بطاقاتهن التموينية دون أن يفهمن السبب الحقيقي وراء ذلك، وأخريات سلّمن بطاقاتهن إلى بدالي التموين (المنافذ الرسمية والمعتمدة لصرف المقررات الغذائية المدعمة للمواطنين حاملي البطاقات الذكية)، اعتقاداً بأن ذلك جزء طبيعي من الإجراءات.
في حين لم تعرف أخريات أن الخدمات التي يحتجن إليها أصبحت تُدار عبر منصات إلكترونية، لم يسبق أن استخدمنها أو سمعن بها، والكثيرات منهن حرمن وأسرهن الدعم التمويني فقط لعدم وعيهن بأساليب التعامل مع الرسائل التي يتلقونها عبر الهاتف، خلال الفترة الأولى من وجودهن على المنظومة التموينية. وجميعهن اعتمدن فكرة البحث عن وسطاء للتعامل مع تلك المساحة الغامضة بالنسبة لهن.
لم يكن الوصول لسلوى عبر الهاتف سهلاً. كانت تنتظر عودة ابنها متأخراً من عمله حتى يعينها على تسجيل قصتها. سلوى، التي بالكاد تعرف طريقها لاستخدام الهواتف الذكية، تجد نفسها عاجزة أمام المنصات الإلكترونية "السيستم". لكنّها لم تترك باباً إلا وطرقته لإعادة دعم التموين لأبنائها.
تقول سلوى إنها وعلى مدار أربع سنوات، ظلت تتردد على مكتب التموين، وكلما سمعت أن باب التظلّمات قد يُفتح، ذهبت من جديد، حيث كانت تستقل "توك توك" من قريتها إلى مكتب التموين، وتدفع نحو 100 جنيه في "المشوار"، ثم تعود بالإجابة نفسها: "لسه... مفيش تظلّم".
لم يخبرها أحد، خلال تلك السنوات، أن هناك تظلّماً يمكن تقديمه إلكترونياً، وحتى بعدما سمعت للمرة الأولى عن الخدمات الإلكترونية في التلفزيون، ذهبت إلى مكتب التموين لتسأل، فعادت دون أن تتمكن من تقديم طلبها.
وفق الأنظمة الحديثة، يستحق كل فرد مدرج على بطاقة التموين خمسة أرغفة يومياً من العيش البلدي، بسعر 20 قرشاً للرغيف، كما يستحق كل فرد مقيد على البطاقة 50 جنيهاً شهرياً، تُصرف في صورة سلع تموينية مدعمة من قائمة السلع المتوفرة لدى منافذ البقالين حتى الفرد الرابع فقط.
لم يكن غياب أبناء سلوى عن البطاقة يعني فقدان أسماء فقط، بل فقدان حصتهم من الدعم طوال أربع سنوات، في وقت تصف فيه دخل الأسرة بأنه غير مستقر؛ إذ يعمل زوجها "باليومية". ورغم ضآلة المبلغ الذي لا يتجاوز الدولار الواحد للفرد، لكنّه يمثل طوق نجاة لسلوى وأسرتها.
في منتصف عام 2021، بدأت وزارة التموين والتجارة الداخلية بتطبيق التحول الرقمي؛ فصار لزاماً على المستفيدين والمتقدمين الجدد استخدام منصة "مصر الرقمية"؛ وهي منصة حكومية تنظمها وتشغلها شركة فيكسد المصرية، وتقدم عدة خدمات حكومية.
بحسب دراسة "تحليل الفجوة الرقمية في مصر": هناك فجوة بين الجنسين في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على مستوى المحافظات والنوع. ويتضح ذلك من خلال مؤشر نسبة مستخدمي الإنترنت، الذي يُظهر وجود فجوة في نسبة استخدام الإنترنت وطرق استخدامه، وصلت نسبة النساء اللاتي يستخدمن الإنترنت بحسب الدراسة إلى 53%، في حين كانت نسبة المستخدمين من الذكور 61.5%، ويتضاعف هذا التحدي في المجتمعات الريفية التي تعاني ضعف تغطية الشبكات مقارنة بالمدن؛ ما يقلل من فرص المرأة الريفية في الاستفادة من التحول الرقمي.
لا تعلم سلوى إلى اليوم ما إن كان تحديث البيانات أو خلل في تسجيلها أو غير ذلك أدى لإسقاط أبنائها من البطاقة؛ إذ لم تكن سلوى هي من تولت إجراءات تجديد بطاقتها التموينية في قريتها. فكما تقول إن الأهالي اعتادوا ترك بطاقاتهم لدى بدال التموين، الذي يجمعها مع المستندات المطلوبة، ويتولى إنهاء الإجراءات نيابة عن أصحابها. لم ترَ سلوى في ذلك ما يدعو للقلق، فالعادة مستقرة منذ سنوات، والبطاقة كانت تُستخدم لصرف التموين بصورة طبيعية.
لم تكن رواية سلوى الوحيدة التي تشير إلى احتفاظ بدالي التموين ببطاقات المواطنين، وإنهاء الإجراءات نيابة عنهم. فخلال المقابلات التي أجرتها معدة التحقيق، تكرر ذكر هذه الممارسة، خصوصاً في المناطق الريفية، وكأنها أمر اعتيادي وطبيعي، حيث يعتمد كثير من المواطنين على البدال في تحديث البيانات وتجديد البطاقات، بسبب محدودية المعرفة بالإجراءات أو صعوبة الوصول إلى الخدمات.
غير أن هذه الرواية يرفضها ماجد نادي، نقيب بدالي التموين، الذي يؤكد أن احتفاظ البدالين ببطاقات المواطنين لا يجوز، ولا توجد حاجة عملية إليه من الأساس، فعلى حد تعبيره: "بطاقة التموين ما تنفعش تكون عند تاجر التموين... هي بتتضرب مرة واحدة في الشهر، فهيسيبها عنده ليه؟".
رحاب سالم واجهت عائقاً مختلفاً، فلم تكن مشكلتها في مكان البطاقة، وإنما في الطريق إلى استعادة حقها في الدعم التمويني الذي تستحقه بقرار الجهة الإدارية نفسها. فلم تُحرم أسرتها من الدعم لأن بياناتها غير مكتملة، ولا لأنها لم تستوفِ شروط الاستحقاق، بل لأن زوجها لم يستجب لرسالة نصية وصلت إلى هاتفه.
تروي رحاب أنها قبل نحو عشر سنوات، أنهت إجراءات استخراج بطاقة تموين جديدة، وانتظرت استلامها، وعندما توجه الزوج إلى مكتب التموين لاستلام البطاقة، كانت المفاجأة: "فيه رسالة جاتلك وما رديتش عليها... إنت كده من المحرومين".
كانت تلك أول مرة تسمع الأسرة كلمة "المحرومين"، لم يكن أحد قد أخبرهم من قبل أن رسالة نصية قد تحدد مصير البطاقة، أو أن عدم التفاعل معها قد يحرم الأسرة من الدعم.
ومنذ ذلك اليوم، لم تتوقف الأسرة عن بحث مختلف السبل التي تمكنهم من الحصول على الدعم المفقود، وبحسب روايتها كلما ذهب زوجها إلى مكتب التموين للسؤال، يأتيه رد واحد لا يتغير ولا يجوز التعامل معه: "أنتم من المحرومين... مالكوش تموين للأبد".
خلال تلك السنوات، لم تكن رحاب نفسها مدرجة على أي بطاقة تموين؛ فبعد زواجها لم تعد مسجلة مع أسرتها، ولم تتمكن من الانضمام إلى بطاقة زوجها المتوقفة. وحين فكرت في استخراج بطاقة مستقلة، قوبل طلبها بالرفض، فتقول: "أنا دلوقتي لا باخد مع الزوج ولا باخد مع الأب... وأنا معايا 3 أولاد".
تكشف حالة "رحاب" تحدياً آخر في التحول الرقمي؛ فنجاح الخدمة لم يعد مرتبطاً فقط بإتاحتها إلكترونياً، وإنما بقدرة المواطنين على فهم الرسائل والإجراءات المطلوبة، فرغم أن تغطية شبكات الجيل الرابع في مصر تصل إلى نحو 98% من السكان، فإن اتساع التغطية لا يعني بالضرورة قدرة جميع المواطنين على استخدام الخدمات الرقمية أو التفاعل معها على النحو المطلوب.
تستعد وزارة التموين والتجارة الداخلية لتحويل دعم التموين العيني إلى نقدي مع بداية العام الجديد (2027). وبحسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لمجلس الوزراء، فإن وزارة التموين والتجارة الداخلية تستعد لتنفيذ هذه التغييرات اعتماداً على قواعد بيانات محدثة ومدققة، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بدقة وعدالة.
Loading ads...
بيد أن هذه التحولات المؤسسية، التي يُفترض أن توسّع الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً، تصطدم بواقع الفجوة الرقمية؛ فتظل بعض الفئات عالقة بين ثبوت "الاستحقاق" في السجلات الرسمية، وإمكانية الوصول الفعلية إلى هذا الحق على أرض الواقع.

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


اقرأ أيضاً


مسؤولون: الولايات المتحدة تنفذ هجمات سرية على إيران منذ أسابيع

مسؤولون: الولايات المتحدة تنفذ هجمات سرية على إيران منذ أسابيع

سكاي نيوز عربية

منذ 7 دقائق

0
مسؤولون: نتنياهو حث ترامب على قصف إيران مجددا

مسؤولون: نتنياهو حث ترامب على قصف إيران مجددا

سكاي نيوز عربية

منذ 7 دقائق

0
المهرجان الدولي للفيلم بمراكش يكشف عن برمجته الرسمية لدورته الـ23 بمشاركة 76 فيلما من 39 بلدا – اليوم 24

المهرجان الدولي للفيلم بمراكش يكشف عن برمجته الرسمية لدورته الـ23 بمشاركة 76 فيلما من 39 بلدا – اليوم 24

اليوم – أخبار اليوم على مدار الساعة

منذ 7 دقائق

0
بوتين يشق الغرب.. ثلاث مقاربات في كيفية التعامل مع روسيا

بوتين يشق الغرب.. ثلاث مقاربات في كيفية التعامل مع روسيا

الجزيرة نت

منذ 21 دقائق

0