في مدينة تلبيسة الواقعة في قلب ريف حمص والتي خسرت ربع مدارسها تقريباً خلال سنوات النزاع، يرفض الناس العاديون فكرة انتظار عملية إعادة الإعمار، ولهذا صاروا عوضاً عن ذلك يعيدون بناء مدارسهم بأنفسهم، ليرسموا من خلال تلك العملية شكل حالة الانتعاش والتعافي التي ستشهدها البلد.
الدمار واضح وضوح الشمس، ولذلك يجلس سليم وهو طالب في الصف الخامس في إحدى مدارس المدينة على هيكل كرسي معدني جرد من مقعده الخشبي، ويحاول أن يكتب وهو يتألم في كل مرة يميل فيها نحو جهة ما. أما الحمامات فقد استحالت هياكل جوفاء بسبب القصف، في حين تفتقر المدرسة إلى نوافذ وأبواب ومقاعد بل حتى ألواح، وماتزال بعض الأبنية تعاني من دمار في هيكلها.
خلال فترة من الفترات، وصل عدد المدارس في تلبيسة إلى 24 مدرسة بحسب ما ذكرته السلطات المحلية، ولكن لم يبق من تلك المدارس داخل نطاق الخدمة سوى 18 مدرسة فقط. أما في سوريا كلها، فيقدر عدد المدارس التي باتت بحاجة إلى ترميم بنحو 6383 مدرسة، في حين خضعت 797 مدرسة فقط لإعادة تأهيل حتى الآن.
عندما أدرك الحداد مصطفى الضاهر، 48 عاماً، وهو أب لخمسة أولاد، بأن ولديه المراهقين لن يحصلا على تعليم جيد في ظل هذه الظروف، سأل مجتمعه وأهله سؤالاً بسيطاً وهو: ماذا إن أصلحنا ذلك بأنفسنا؟
أطلق نضال العقيدي وهو أحد أهالي تلبيسة وناشط فيها، حملة لتوثيق وضع مدارس تلبيسة بالصور، ومن ثم مشاركتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أجل جمع التبرعات. فأتت الاستجابة بشكل فوري، إذ ظهرت مجموعة من المتطوعين تضم نجارين وحدادين وعمالاً، وكل واحد منهم قدم ما يملكه من مهارات من دون مقابل.
يعلق على ذلك العقيدي فيقول: "جردت المدارس في مدينتي من معظم مواردها الأساسية، كالنوافذ والأبواب والمقاعد والألواح، كما أن معظم الأبنية تحمل آثار القصف الذي تعرضت له المدينة، ولهذا جلس الأطفال على الأرض خلال الأيام الأولى للدراسة، إذن علينا أن نفعل شيئاً".
المسؤولية تجاه الأطفال
يقوم النجار أحمد عيسى الجمعة، 34 عاماً، بتصنيع الأثاث والأبواب والنوافذ، وقد رحل عن تلبيسة خلال الحرب، لكنه عاد إليها بعد انحسار القتال في المنطقة، وعندما علم بأمر الحملة، كرس وقته لها، وعن ذلك يقول: "شعرت بمسؤولية تجاه أطفال مدينتي، فهؤلاء هم أطفال أقاربي وأولاد جيراني، وبعضهم يداوم في المدرسة لساعة أو ساعتين، هذا إن داوموا أصلاً. أما في الشتاء، فمعظمهم لا يداوم بسبب عدم وجود تدفئة في المدارس".
فتيات من تلبيسة في حصة الأشغال اليدوية في المدرسة الفنية والمهنية النسوية بالمدينة
أسهم أحمد اليوم في ترميم تسع مدارس، وذلك عبر تركيزه على إصلاح الأبواب والنوافذ والكراسي، وهو يعمل طوال أيام الأسبوع، بل حتى في أيام العطل، ويقدم الاستجابة في أي مدرسة تحتاج لخدماته، وهو يفعل ذلك على الرغم من أن ابنه لم يصل لسن المدرسة بعد، لكنه يقول: "أحس بالمسؤولية تجاه جميع أطفال مدينتي".
انضم مصطفى الضاهر لتلك المساعي عبر تقديم خبرته في مجال الحدادة، إذ بعد عودته من إدلب إلى تلبيسة، بدأ بتصنيع المسلتزمات الثابتة للحمامات، وتركيب قضبان الحماية على النوافذ، وإصلاح الأبواب المكسرة في المدارس أو المنهوبة منها. ومنذ عودته إلى المدينة بعد سقوط نظام بشار الأسد في 2024، قام بترميم ثماني مدارس حتى الآن، فهو يجلب معه في معظم الأحيان المولد الكهربائي الخاص به إلى جانب عماله، حتى وإن أضر ذلك بعمله لحسابه الخاص، وعن ذلك يقول: "عندما يطلبون مني إصلاح مدرسة أذهب على الفور، أي أنني لم أخذلهم أبداً".
"أريد أن أخدم بلدي"
بالنسبة لعبد المنعم المعيني، 53 عاماً، وهو صاحب ورشة، فإن الحافز أعمق بكثير، إذ قبل سنوات الثورة، تطوع للمساهمة في بناء مستوصف صحي، إلا أن طلبه قوبل بالرفض لصالح أشخاص لديهم واسطات أهم، ولهذا بقيت الخيبة تلازمه، وعنها يقول: "دوماً أحس بأني مقصر، لأني أريد أن أخدم بلدي وأن أقدم لها أي شيء مهما كان صغيراً".
صف دراسي بعد تجديده في مدرسة ذات الصواري بمدينة تلبيسة
عندما أبلغه أصدقائه بأمر الحملة المعنية بالمدارس، تواصل مع العقيدي على الفور، ورتب برنامجه ليحافظ على عمله أثناء تطوعه لتقديم مايلزم من إصلاحات للمدارس، بل إن عماله أيضاً تطوعوا بأيام من جهدهم وعملهم على الرغم من الضغوط المالية التي يعانون منها.
تدرس حفيداته اليوم في مدارس تلبيسة، وقبل العودة، كن يعشن في تركيا حيث تشتمل المدارس على حدائق وفيها ألعاب وموارد تكفيها، ولهذا صدمهن الفرق الشاسع، لكنه قوى عزيمتهن أيضاً.
يقول جدهن: "إنني على استعداد للمساعدة اليوم وفي أي وقت، فقد لا يكون بوسعي تقديم المال، ولكن يمكنني تقديم جهدي".
انطلقت الحملة مع بداية العام الدراسي، فقدمت الدعم لثلاث عشرة مدرسة، وجمعت أكثر من 75 ألف جنيهاً إسترلينياً. وتعقيباً على الزخم الذي حظيت به هذه المبادرة، أرسلت وزارة التربية السورية 380 مقعداً. واستطاعت الحملة أن توفر ألواحاً للصفوف، وأن تعيد الحمامات للعمل، إلى جانب تركيب النوافذ، كما صار الأطفال يجلسون على كراسي مناسبة بدلاً من جلوسهم على هياكل معدنية عارية.
مايزال العمل مستمراً، وماتزال الفجوة كبيرة، وذلك لأن آلاف المدارس في سوريا بحاجة إلى ترميم، ولكن أهالي تلبيسة أثبتوا بأن التغيير لا يحتاج دوماً لانتظار حلول يقدمها رأس الهرم لقاعدته، بل إن الأمر يتطلب مشاركة وإيماناً بأنه يكفينا وجود مدرسة واحدة وصف واحد وطفل واحد حتى نهتم ونسارع إلى تقديم وقتنا ومهاراتنا وجهدنا، ففي مدينة رسم الدمار معالمها، أصبح الالتزام بتلك المساعي بحد ذاته شكلاً من أشكال إعادة الإعمار.
Loading ads...
المصدر: The Positive News
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


