عندما كنت طفلةً، لم أكن أعرف أنّ الآلهة يتغيّرون. كنت أستمدّ فكرة الثبات والكمال من هذه الفكرة المقدّسة، وإن شُوّهت بتفسيرات متحجرة. لكن الحياة حين تفاجئنا تحطّم كل المعتقدات التي كنا نعدّها لا تهتزّ، مثل القوانين الكونية وغيرها مما يعبّرعن مفهوم الإله.
أخبروني مبكراً بأنّ الإله يعذّب بالنار. كانت فكرة الألم والخوف أوّل ما عرفت عنه وأنا دون الثامنة من العمر. وبدلاً من أن أحلم بالطيران وبألعابي ودُماي الصغيرة من دون قلق، وأتمدّد في الكون الواسع، كنت أحلم بالنار كل يوم بصورة مختلفة.
كانوا يقولون لي أيضاً إنّ درجة حرارتها أقوى بكثير من النار التي نعرفها؛ نذوب ونحن على مسافة بعيدة منها، ثمّ تبدَّل جلودنا لنحترق من جديد إن اقترف أحدنا ذنباً. في حين لم أفهم كثيراً ماذا يعني الذنب، سوى أنّ عاقبته الألم.
كنت أشاهد الأئمة في التلفاز يبكون حين يمرّون على آيات العذاب من فرط الخوف، والناس ترتجف من الداخل عند الرعد الشديد خوفاً من نوازل الإله الغاضب. في المدرسة، كان المعلم يصف الله بأنّه شديد العقاب، وحين أسمع خطبة الجمعة أجد الإمام متوتراً، غاضباً، برغم ذكره لطفه وضرورة محبته. لم يكن اسم الله يريحه أو يهدّئه.
هذه الصور كلها نشأت في مخيّلتي، وكبرت معي، وامتدّت جذورها حتى أصبحت شجرةً معمرةً استقرت صلبةً في ذهني. وحين أدركت أنني كبرت، أدركت أنّ صورة الله في ذهني كانت تشبه صورة رجل شرقي ونرجسي بجدارة.
أخذ مني الاعتراف بهذا الأمر سنوات طويلةً، وشجاعةً أكبر، وحروباً ومواجهةً قاسيةً لأرى شبح الشجرة النرجسية التي تلبس هيئة ذلك الرجل. يتلاعب بمشاعري، يلزمني بحبه ثم يسحبه تدريجياً، ليجعلني ألهث وراءه بالدعاء وسط خليط من القلق والخوف ونوبات الهلع، مع اعتماده كمصدر أساسي للأمان، ومصدر لطاقتي ومستنزف لها في آن واحد.
كبرت مع تلك الشجرة في داخلي، كطفل مشوّه تشتّت بين معاني الحياة الأساسية المطابقة للفطرة وصورته المشوّهة.
وحين اشتدّ الألم، أصبح البحث عما يرفعه نجاةً وضرورةً لا مفرّ منها. أفتش هنا وهناك وأسمع عن الإلحاد وإن كنت أرتجف من الداخل من الكفر بهذه الصورة النرجسية للإله.
الكفر بها لم يكن سهلاً، بل كان مخيفاً. خطوة ضد التيار نحو مجهول ثمنه ألم مصحوب بأمل في ولادة جديدة. ألم بكثافة صنم طيني ضخم، بدلاً من أن أرويه بالماء، كنت أغذّيه بصورة تشبه شخصية "سي السيد". أخذ مني جهداً كبيراً حتى حاولت ابتكار معول في ذهني استوحيته من فكرة النبي إبراهيم؛ أحطّم ذلك الصنم بالدلائل والبراهين، متسائلةً: كم من أحكام المجتمع كانت خاطئةً مقارنةً بمجتمعات أخرى عاشت بسلام دون تعقيد ديني مشوّه؟
ذات مرة، سألت صديقةً من مجتمع لم يشهد حروباً ولا قيوداً دينية خانقة: ماذا تعني لكِ فكرة الإله وكيف تصفينه؟
في كل مرة كنت أبحث فيها عن آراء بديلة، كان ذلك الصنم يحيا ليحاربني، فأحاول تحطيمه انتقاماً لأيامي التي قضيتها في عبادته.
ذات يوم، أظنّ أنني استطعت أن أحطمه كلياً أو جزئياً، وحينها استنفدت كلّ طاقتي. لم أدرك أنني دخلت مرحلةً جديدةً ماتت فيها صورة الإله القديم بقلقه الذي استمددتُ منه طاقتي طويلاً، وإن كان نرجسياً، ولم أنتبه إلى أنني أصبحت أرضاً بلا مصدر.
تحولت إلى أرض قاحلة تفقد روحها ومعناها، ينهشني وحش هادئ. فقد كان ذلك الإله هو مرجعي وزادي الوحيد. وبعد أن دققت النظر، تفاجأت بنشوء ذوات متمردة، وكأنني بلاد بلا حاكم ظالم ولا حاكم جديد؛ ضاعت هويتي مع سقوط الإله النرجسي حتى نسيت كلمة الله.
غرقت في الحياة بهمومها ولم أكن أراها سوى من خلال صورة رجل مريض عاجز بعد سلطان وجبروت، وحينها لم أكن أقوى على شيء إلا بما تدفعني إليه إرادة القدر وسط عدَمي.
Loading ads...
وفي لحظة إدراك، شعرت بأنّ كلمة الله بداخلي زارتني، وأتت بحلّة أرض خضراء وامرأة جميلة. ومنذ ذلك اليوم، ما زالت هذه الصورة ترافقني لتذكّرني بأنّ الله لم يكن بخشونة ما ذُكر، وإلى الآن ما زلت أنفتح على معانٍ جديدة أتعرف بها على الله بطرق مختلفة، وشعور مختلف، وإدراك متجدد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






