7 أشهر
عام من التحرير.. هل تحول الانفتاح التجاري مع تركيا إلى عبء على الاقتصاد السوري؟
الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

تواجه سوريا، بعد عام من التحولات الاقتصادية الجذرية، اختبارًا قاسيًا لسياسات “الانفتاح التجاري” التي انتهجتها الحكومة مؤخرًا، فبينما كان الهدف المعلن هو كسر العزلة وتوفير السلع، تشير بيانات الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 إلى نتائج عكسية تنذر بتعميق الأزمة الهيكلية للاقتصاد.
وفي قراءة نقدية لهذه التحولات، حذرت الباحثة الاقتصادية الدكتورة رشا سيروب من مخاطر ما وصفته بـ “التحرير غير المكتمل”، حيث أدى فتح الحدود أمام تدفق البضائع، دون شبكة حماية للإنتاج المحلي، إلى عجز تجاري قياسي مع دول الجوار، وتحديدًا تركيا، مما يهدد القطاع الصناعي السوري بظاهرة “نقص التصنيع المبكر”
اختلال الميزان التجاري
أوضحت سيروب خلال منشور لها عبر “فيسبوك”، أن المؤشرات التجارية بين سوريا وتركيا خلال الأشهر العشرة الأولى من العام تكشف خللُا بنيويًا آخذًا في التوسع، ينعكس سلبًا على الصناعة الوطنية وفرص العمل، ويؤشر إلى اتساع الهوة بين ما يفترض أن يكون عليه الانفتاح الاقتصادي وما آلت إليه نتائجه الفعلية.
وأشارت إلى أن العجز التجاري السوري مع تركيا سجل قفزة غير مسبوقة بلغت 77 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وهو ارتفاع اعتبرته دليلًا واضحًا على اختلال ميزان الانفتاح، مشيرة إلى أن المستوردات السورية من تركيا ارتفعت بنحو 935 مليون دولار لتصل إلى 2.7 مليار دولار، بزيادة 53 بالمئة، مقابل تراجع حاد في الصادرات السورية باتجاه تركيا بلغ 160 مليون دولار وبنسبة انخفاض وصلت إلى 46 بالمئة.
وترى أن هذه الأرقام تطرح تساؤلًا جوهريًا حول الاتجاه الذي تسلكه السياسات الاقتصادية الجديدة، وهل المقصود بتحرير الاقتصاد هو توسيع الاستيراد على حساب الإنتاج المحلي وتقييد قدرة الصناعيين على المنافسة، أم أن الهدف هو بناء اقتصاد متوازن لا يقوم على استيراد فائض لدول الجوار وبيع الإنتاج الوطني بثمن الكلفة؟.
تداعيات على سوق العمل
تؤكد سيروب أن خطورة هذا المسار لا تكمن في الأرقام فحسب، بل في تأثيره العميق على سوق العمل السورية التي تعاني أساسًا من معدلات بطالة مرتفعة، لافتة إلى أن زيادة الاستيراد وتراجع الإنتاج المحلي، إلى جانب إغلاق عدد من المصانع نتيجة تراجع الطلب، يُنذر بمزيد من فقدان الوظائف.
بحسب وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار فإن معدل البطالة في سوريا وصل إلى 60 في المئة، أما المنظمات الدولية فتقول دراساتها إن البطالة بين السوريين القادرين على العمل تراوح ما بين 65 و85 في المئة بما فيها البطالة المقنعة، وهذه الزيادة تعود بصورة أساسية إلى تأثير الصراع الدائر في البلاد منذ عام 2011.
ويقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر وإن واحدا من كل أربعة عاطل عن العمل.
سعر الصرف وضغط الحوالات
تلفت سيروب، إلى أن عددًا من القرارات الحكومية الأخيرة، رغم أنها اتخذت تحت عنوان إعادة هيكلة الدعم أو تحسين الخدمات، كان لها أثر مباشر في إضعاف القدرة الشرائية للمواطن، مع رفع أسعار الخبز والنقل والخدمات بمعدلات تفوق كثيرًا الزيادات التي طرأت على الرواتب والأجور، ما يعني أن معظم الأسر باتت تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الضروريات الأساسية.
وتضيف أن تحسن سعر الصرف، الذي يُنظر إليه عادة كعامل إيجابي، لم يكن كذلك بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين الذين يعتمدون على الحوالات الخارجية كمصدر دخل، موضحة أن ارتفاع قيمة الليرة نسبيًا قلص القيمة الفعلية لهذه الحوالات، وهو ما زاد من الضغوط المعيشية على الفئات الأكثر هشاشة.
وترى أن تحرير الاقتصاد، حين يأتي بمعزل عن سياسات داعمة ومتوازنة، قد يتحول من فرصة للنمو إلى مصدر للخلل، خاصة عندما يسمح بانفتاح واسع في الاستيراد دون حماية للإنتاج الوطني أو حوافز قادرة على تعويض صدمات السوق.
التحرير قبل التمكين
شددت سيروب على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التحرير بحد ذاته، بل في أن يأتي قبل التمكين، موضحة أن الاقتصاد السوري –بحسب تعبيرها– ليس جاهزًا بعد لتحمل منافسة مفتوحة، والصناعة المحلية لا تزال تعاني صعوبات مرتبطة بارتفاع التكاليف وضعف البيئة التشغيلية وتراجع الطلب الداخلي.
وترى أن المسؤولية في ذلك لا تقع على الحكومة وحدها، بل تمتد إلى الصناعيين والتجار الذين اعتاد كثير منهم العمل ضمن بيئة المحسوبيات والفساد والاحتكار، ولم يطوروا نماذج عمل تتناسب مع اقتصاد تنافسي حقيقي يقوم على الجودة والكفاءة والابتكار.
وتعتبر سيروب أن تطوير العقلية الإنتاجية في سوريا مرهون بوجود سياسات اقتصادية واضحة ومستقرة، وبفعلية القوانين، وبكفاءة الإنفاق العام وتوجيهه نحو القطاعات الإنتاجية بدل تمويل حلقات الهدر، مشددة على أن أي عملية لإعادة بناء الاقتصاد السوري لا يمكن أن تنجح بسياسات مجتزأة أو متفرقة، لأن السوق –على حد قولها– لا تستجيب لإجراءات منفصلة وإنما لحزمة مترابطة من القرارات تمتد من السياسة المالية إلى النقدية ومن الصناعة إلى التجارة ومن الدعم الاجتماعي إلى تنظيم العمالة.
Loading ads...
وتختم بالإشارة إلى أن قرار فتح باب الاستيراد، الذي يُسوق له باعتباره خطوة إصلاحية، يجب أن يُربط تلقائيًا بالسياسات الصناعية والمالية والنقدية والاجتماعية، لأن أي قرار لا يستند إلى تقييم شامل لآثاره سيعزز بوعي أو من دون وعي ثقافة الاقتصاد القديم التي كانت تقوم على رد الفعل والبحث عن حلول آنية واليومية، بدل بناء رؤية طويلة الأمد تنقل السوق من الارتجال إلى الاستدامة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

