ساعة واحدة
من معركة المطاحن إلى آخر دفعة.. كيف هجّر النظام المخلوع أحياء حمص القديمة؟
الجمعة، 8 مايو 2026
بدأ حصار أحياء حمص القديمة في 9 حزيران 2012، واستمر 700 يوم، قبل أن ينتهي في 9 أيار 2014 بأول عملية تهجير من نوعها في سوريا عبر الحافلات الخضراء. وخلال تلك الفترة، أخفق نظام الأسد المخلوع في السيطرة على الأحياء رغم الهجمات العسكرية المتكررة وعروض التفاوض، بعدما دمر نحو 70% من الأبنية السكنية، واستغل الجوع لدفع المحاصرين إلى قبول “تسويات” معه.
خاض الساروت ورفاقه معركة المطاحن في كانون الثاني 2014، وحاولوا حفر نفق باتجاه منطقة المطاحن لكسر الحصار ونقل الطحين إلى الداخل. واستمر حفر النفق شهرين، في مؤشر على شدة الحصار ونفاد الخيارات أمام المحاصرين. تسلل المقاتلون عبر النفق ووصل نحو 100 منهم إلى منطقة المطاحن، قبل أن يكتشف عناصر النظام العملية ويقصفوا فتحة النفق بقذائف الدبابات. ودارت معركة عنيفة بين الطرفين قُتل خلالها نحو 60 مقاتلاً، بينهم اثنان من إخوة عبد الباسط الساروت، إضافة إلى معظم مقاتلي كتيبته.
دخل اتفاق وقف إطلاق النار في حمص حيز التنفيذ في 2 أيار 2014، بعد اتفاق بين مقاتلي المعارضة والنظام المخلوع، أتاح خروج المقاتلين بأسلحتهم الفردية الخفيفة، مقابل إدخال مساعدات إلى بلدتي نبل والزهراء في ريف حلب الشمالي، اللتين كانتا محاصرتين من قبل مقاتلي المعارضة جرت المفاوضات على مراحل. بدأت المرحلة الأولى مع السفير يعقوب الحلو، ممثل الأمم المتحدة في سوريا، الذي زار المنطقة المحاصرة مع فريق أممي، وأوكل مهمة التفاوض إلى مستشاره الأمني محمد ندى، الذي تواصل مع المفوضين من المعارضة والنظام.
استمرت المفاوضات نحو أسبوعين، وانتهت بإجلاء نحو 250 عائلة خرجت تحت رعاية أممية، عبر دفعات بين 7 و12 شباط 2014، باتجاه حي الوعر.
نصت بنود الاتفاق الأممي على دخول سيارات تحمل الاحتياجات الأساسية، ووقف إطلاق النار. لكن النظام واصل القصف بقذائف الهاون. كما نص الاتفاق على خروج من هم دون 15 عاما وفوق 44 عاما إلى المكان الذي يريدونه دون تسوية مع النظام، بينما يخضع من هم بين هذين العمرين لتسوية بإشراف الأمم المتحدة خلال مدة أقصاها 24 ساعة.
أخل النظام المخلوع بهذا البند، واعتقل عشرات الأشخاص في مدرسة الأندلس في شارع الدبلان، وما يزال مصير كثير منهم مجهولا حتى اليوم.
كما أخل النظام بإدخال المساعدات. دخلت 3 سيارات فقط، احتوت إحداها لوازم مطبخ لا يحتاجها المحاصرون. واعترض مئات من الأحياء الموالية طريق السيارات الأممية، وتجمهروا عند مركز انطلاقها، وعرقلوا وصولها نحو 7 ساعات في 8 شباط 2014. ثم استهدف النظام مكان وقوفها في السوق، وارتكب مجزرة بحق المدنيين.
ولاحقا كشف فريق من الأمم المتحدة مؤلف من 4 سيارات الطريق المؤدي من حمص إلى بلدة الدار الكبيرة في ريف حمص الشمالي، وهي الوجهة التي نقلت إليها الحافلات الخضراء مقاتلي المعارضة والمدنيين الخارجين من الأحياء.
جرت المرحلة الثانية عبر تفاوض مباشر مع النظام المخلوع في قصر محافظ حمص طلال البرازي، برعاية وزير المصالحات حينها علي حيدر، وبحضور وسطاء بينهم الدكتور أمين الحلواني وتمام التركاوي.
تكونت لجنة من 4 أشخاص من المحاصرين، ترأسها غزوان السقا، ووصلت إلى حي الوعر في 24 آذار 2014. واستمرت المفاوضات نحو شهر، لكنها لم تنجح إلا بإدخال مساعدات إلى الحي.
قال مصدر من اللجنة لموقع تلفزيون سوريا، إنه عاد إلى الأحياء المحاصرة بعد إبلاغهم بانتهاء المفاوضات، بينما فضل بقية الأعضاء البقاء في حي الوعر. وأضاف أن الاتفاق كان يقضي بذهاب لجنة التفاوض إلى دمشق للقاء بشار الأسد، لكن محافظ حمص حذرهم عند وصولهم إلى الوعر من احتمال استهدافهم إذا ذهبوا.
قبل دخول الأمم المتحدة في المفاوضات، جرت محاولتا تفاوض. جاءت الأولى بتفويض من “المجلس العسكري للثوار”، عبر التواصل مع العميد حسام لوقا "المطلوب للعدالة الانتقالية"، مدير فرع الأمن السياسي في حمص، الذي طرح 3 مقترحات رفضها المجلس لأنها اعتبرت حلا مهينا، ولانعدام الثقة بالنظام ووعوده.
تواصل لوقا مع بعض قياديي المعارضة مستغلا الجوع، وعرض عليهم العفو إذا خرجوا، ما أحدث بلبلة كبيرة في المنطقة. ومن نتائج تلك المفاوضات إدخال سيارة مساعدات مقابل إخلاء جثث 16 عنصرا من ميليشيا حزب الله اللبناني.
تلت ذلك مفاوضات عبر الهاتف مع العميد علي سالم، أحد ضباط القصر الجمهوري، الذي طرح تسوية شاملة لحمص تتضمن تشكيل “لجان شعبية” تحمل أسلحة مرخصة من النظام، وتقيم حواجز مشتركة مع الجيش التابع للنظام، على غرار ما حدث في بعض مناطق ريف دمشق حينها. لكن هذا الطرح رُفض لأنه يعني تبعية مباشرة لقوات النظام.
بعد إقرار اتفاق خروج الأهالي من حمص عبر مفاوضات الوعر من جهة، ومفاوضات عسكرية رعتها “الجبهة الإسلامية” من جهة أخرى، أُوكلت المهمة الأخيرة إلى 3 أشخاص يمثلون المحاصرين، هم: الإعلامي أبو رامي الحمصي، والقيادي زهير عرابي النجار، والشيخ عبد العليم هلال.
جرت المفاوضات على مدار يومين في فندق السفير، في 3 و4 أيار 2014.
وقالت مصادر لموقع تلفزيون سوريا إن المفاوضات العسكرية كان لها الدور الأكبر في تنفيذ الاتفاق، وجرت بين قائد “كتائب الأنصار” في حمص، أبي عزام الأنصاري، عبر “حركة أحرار الشام”، مع جهة من النظام قيل إنها إيرانية.
وأضافت المصادر: “نحن كثوار اطلعنا فقط على البنود التي تخص خروجنا، مقابل إدخال مساعدات إنسانية إلى بلدتي نبل والزهراء المحاصرتين من فصائل المعارضة شمالي حلب، إضافة إلى الإفراج عن أسرى بينهم إيرانيون”.
وعند اطلاع السفير الأممي على بند إدخال المساعدات خلال لقاء فندق السفير، قرر إدخالها أيضا إلى قرى محيطة بنبل والزهراء تخضع لسيطرة المعارضة.
كان من المقرر أن يتم إخلاء الأهالي في يوم واحد، لكن العملية استمرت 3 أيام بسبب تأخر إدخال المساعدات إلى نبل والزهراء.
غاب ممثلو الأمم المتحدة عن الاجتماع الأول، وحضره رئيس شعبة المخابرات العامة اللواء ديب زيتون، ورئيس فرع المنطقة الوسطى للجيش، ورئيس فرع أمن الدولة، ورئيس سرية المداهمة 215 التابعة لشعبة المخابرات العسكرية العميد حسن دعبول، والعميد حسام لوقا، ومحافظ حمص طلال البرازي، إضافة إلى المندوب الإيراني المعروف باسم “الحج فادي” وآخرين. وكان أول عرض قدمه ديب زيتون هو تسليم المقاتلين أنفسهم بالكامل.
حضر السفير الأممي يعقوب الحلو اللقاء الثاني، وشدد ممثلو التفاوض خلاله على تنفيذ شروط المقاتلين مقابل الخروج، وأبرزها: تأمين حافلات نقل، وإشراف الأمم المتحدة، وإخراج السلاح الفردي، ومرافقة سيارات الإسعاف التابعة للهلال الأحمر، ووجود شخص مدني يرافق كل حافلة. واختار النظام شخصيات دينية مسيحية ومسلمة وأعضاء من مجلس الشعب لهذا الدور.
بعد عودة المفاوضين بسيارة الهلال الأحمر، تجهز الأهالي للخروج. خرجت الدفعة الأولى في 7 أيار 2014، وحرص القادة البارزون على تغطية وجوههم خوفا من الاستهداف. لكن خروج الدفعة الثالثة تأخر 24 ساعة، بعدما أوقف النظام المخلوع الحافلات بحجة عدم إدخال المساعدات إلى نبل والزهراء.
بدأت اتصالات بين ممثلي المحاصرين الثلاثة وقيادات “أحرار الشام”. وبعدما تأكد النظام من دخول المساعدات إلى البلدتين، سمح بمغادرة آخر 7 حافلات. حمل كل شخص سلاحه وجعبته وحقيبته، إضافة إلى سلاح “آر بي جي” واحد في كل حافلة.
Loading ads...
بعد تهجير حمص القديمة، بدأت سلسلة تهجيرات قسرية طالت مدنا وبلدات سورية عدة، برعاية روسية أو إيرانية. ووفق المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، أصبحت حمص عام 2014 أول مركز حضري مهم يخضع لاستراتيجية الحصار والتدمير التي اتبعها النظام، واعتبر المركز أن استراتيجية التهجير في المدينة شكل من أشكال الهندسة الديمغرافية التي هدفت إلى التلاعب بالتعداد السكاني على أسس طائفية، بما يعزز قاعدة السلطة لحكومية النظام المخلوع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



