Syria News

الاثنين 2 نوفمبر / تشرين الثاني 2026

  • الرئيسية
  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة
  • تكنولوجيا
  • منوعات
  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • أعلن معنا
جاري تحميل الأخبار العاجلة...

حمل تطبيق “سيريازون” مجاناً الآن

store button
سيريازون

كن على علم بجميع الأخبار من مختلف المصادر في منطقة سيريازون. جميع الأخبار من مكان واحد، بأسرع وقت وأعلى دقة.

تابعنا على

البريد الإلكتروني

[email protected]

تصفح حسب الفئة

الأقسام الرئيسية

  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة

أقسام أخرى

  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • منوعات
  • تكنولوجيا

روابط مهمة

  • أعلن معنا
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • عن سيريازون
  • اتصل بنا

اشترك في النشرة الإخبارية

ليصلك كل جديد وآخر الأخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لصالح مؤسسة سيريازون الإعلامية © 2026

سياسة الخصوصيةالشروط والأحكام
من مواجهة النازية إلى التحررية.. تاريخ صراع الفرنسيين على ال... | سيريازون
logo of الجزيرة اقتصاد
الجزيرة اقتصاد
ساعة واحدة

من مواجهة النازية إلى التحررية.. تاريخ صراع الفرنسيين على المستقبل

الإثنين، 2 نوفمبر 2026
من مواجهة النازية إلى التحررية.. تاريخ صراع الفرنسيين على المستقبل
"حرائق حاويات القمامة ترعب الحثالة. إنه شعور ممتع إلى حد الجنون أن ترى كل هؤلاء الشباب المحتقنين، الغاضبين، والمصممين في الوقت نفسه على المضي قدما بكل هذا الإصرار. إنها سعادة حقيقية"
بواسطة سيدة فرنسية مسنة مشاركة في المظاهرات الفرنسية الأخيرة
ما زلت أتذكر ذلك المشهد بكل تفاصيله. كانت تلميذة في المرحلة الابتدائية تتحدث مع أبيها أمام إحدى المدارس بعفوية لطيفة، قبل أن تضع قميصا فوق رأسها وتقول له: "سأريك شيئا تعلمته، هذه هي قصة شعر ماري أنطوانيت". فاجأني التشبيه للحظة، وفاجأني أكثر هذا الخيط الذي ما زال يربط طفلة من تلاميذ اليوم بملكة جلست على عرش البلاد في القرن الثامن عشر الميلادي. كيف وصلت هذه السردية إلى الطفلة، وبقيت حاضرة في ذاكرتها بالحيوية نفسها التي طبعت السنوات التي تلت الثورة الفرنسية؟
تستحضر وسائل الإعلام الفرنسية الثورة باستمرار، وتربط كثيرا من مظاهر الفقر واللامساواة، بطريقة أو بأخرى، بذلك الحدث الجلل الذي غير وجه فرنسا وأوروبا. بقيت الثورة حاضرة في الوجدان الفرنسي، لكن هل يفسر ذلك وحده كل هذه الاحتجاجات؟ هل يتعلق الأمر بمجرد الرغبة في التظاهر والخروج إلى الشارع؟ أم أن المسألة أبعد من ذلك قليلا؟
يعد المشي أقدم وسائل التنقل وأسهلها لتلبية الاحتياجات اليومية. فمن المنزل أو القرية الصغيرة إلى الورشة والحقل والبلدة والسوق والكنيسة والحانة، كان الفرنسيون يتنقلون سيرا على الأقدام. ولم تقتصر الرحلات التي استخدموا فيها أقدامهم على المسافات القصيرة، بل شملت أيضا الرحلات الطويلة والهجرات الموسمية، مثل جولة فرنسا التي كان يقوم بها الحرفيون المتدربون، متنقلين بين المدن لاكتساب الخبرة وصقل مهاراتهم.
ومع ظهور وسائل النقل الحديثة، كان من الطبيعي أن يتراجع الاعتماد على المشي في المدن وعلى المسافات الطويلة، إلا أنه ظل يستحوذ على جزء كبير من وقت سكان الأرياف مع بداية القرن العشرين. فلم يكن المشي مجرد وسيلة للتنقل، بل كان يمثل أحيانا شكلا من أشكال التحرر من الوصاية، من خلال ممارسة حرية التنقل، وهي من أبسط الحريات الفردية وأهمها.
ولم يقتصر الأمر على الفلاحين، فقد استخدم عمال البناء المشي أيضا للتنقل بين المدن، كما أتاح لعمال المناجم التواصل والتنقل بين مواقع العمل، مستفيدين من الروابط القوية التي نشأت داخل الأحياء العمالية. وكان المشي وسيلة للاحتجاج أيضا، وغالبا ما ارتبطت هذه الاحتجاجات بمطالب اقتصادية، مثل الاعتراض على ارتفاع أسعار الحبوب والضرائب وانخفاض الأجور.
ستمضي السنون، وتتغير الأجيال، وتسقط الملكية، ويسيل الكثير من الحبر في تدوين المطالب، والكثير من الدم في سبيل تحقيقها. تتعاقب الجمهوريات، من الأولى إلى الثانية وصولا إلى الخامسة، ويتغير كل شيء تقريبا، وتبقى حرارة الشارع في فرنسا على حالها.
منذ الانتهاء من تشييد برج إيفل في 31 مارس/آذار 1889، وقف الملايين لالتقاط الصور التذكارية أمامه، لكن الصورة الأشهر قطعا كانت تلك التي التقطها الزعيم النازي أدولف هتلر أمام البرج ذاته، بعد اجتياح ألمانيا فرنسا ودخول قواتها العاصمة باريس في يونيو/حزيران 1940. وبعد ذلك بأسابيع، أُنشئ نظام فيشي بقيادة المارشال فيليب بيتان، الذي تولى حكم الجزء غير المحتل من فرنسا، في ظل التعاون مع ألمانيا النازية.
عملت سلطات الاحتلال النازي بجد على منع الفرنسيين من الاحتجاج على وجودها. ففي عام 1942، نشرت أجهزة الدعاية التابعة للحلفاء خريطة تظهر الدور الذي أدته فرنسا في مقاومة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وتبين كيف مهدت الاحتجاجات والمظاهرات وأعمال التخريب والإضرابات والهجمات المسلحة لهجوم الحلفاء في سبيل استعادة فرنسا من يدي هتلر وضباطه.
صحيح أن دور المظاهرات في المقاومة الفرنسية للنازية ظل هامشيا بسبب الحضور الأكبر للعمليات العسكرية، إلا أن نظام فيشي، ومن ورائه المحتل الألماني، أدرك منذ البداية خطورة هذه المظاهرات وقدرتها على الحشد ضدهما.
وفي يوليو/تموز 1940، حظر الجيش الألماني أي مظاهرة لإحياء العيد الوطني الفرنسي في 14 من الشهر نفسه، ثم وسع الحظر في 28 أغسطس/آب ليشمل جميع الاجتماعات والمواكب والاستعراضات، مع منع رفع الأعلام الفرنسية في المنطقة المحتلة.
مع الوقت، بدأ النازيون ينظرون إلى أي تجمع في الشارع على أنه تهديد محتمل، ففي يناير/كانون الثاني 1941، أثارت دعوة الجنرال شارل ديغول الفرنسيين إلى إخلاء الأماكن العامة قلق السلطات الألمانية، التي ردت على ذلك باتخاذ إجراءات لمنع تنفيذ الدعوة. وفي مايو/أيار من العام نفسه، بات النازيون يعدون حتى تجمع المواطنين في نزهات يوم الأحد شكلا محتملا من أشكال التظاهر. فكان الحل الضرب بيد من حديد؛ مُنعت التجمعات كلها، وأحيل المشاركون فيها إلى المحاكم العسكرية الألمانية، ثم فُرضت عقوبات جماعية على السكان وعلى المسؤولين الفرنسيين الذين يمتنعون عن تنفيذ هذه التعليمات.
لم يقتصر الأمر على السلطات الألمانية، بل عملت السلطات الفرنسية الموالية للنازية على قمع أي شكل من أشكال الاحتجاج. ففي يوليو/تموز 1942، بدأت حكومة فيشي تشعر بقلق متزايد إزاء المظاهرات التي باتت تنتشر بسبب نقص المواد الغذائية وصعوبات التموين، فقررت فرض رقابة على الأخبار المتعلقة بها، لكن الرقابة لم تطفئ الغضب.
ولم يكن القمع على وتيرة واحدة؛ إذ كانت السلطات تتعامل مع الاحتجاجات المطلبية المرتبطة بنقص الغذاء على نحو مختلف عن المظاهرات الوطنية المناهضة للاحتلال أو الإضرابات العمالية، التي كانت تقابل بتشدد أكبر. وظهر ذلك بوضوح في إضرابات عمال المناجم والمظاهرات الوطنية، إذ لجأت السلطات إلى الاعتقالات والعقوبات الجماعية وفرض حظر التجول والغرامات على مدن بأكملها. وفي بعض البلدات، وصلت الإجراءات إلى مصادرة أجهزة الراديو من السكان، عقب مظاهرات ارتبطت بإحياء ذكرى جان دارك عام 1941.
ومع مرور الوقت بدأ التأييد الشعبي لنظام فيشي يتراجع، واتسعت المظاهرات عام 1942، فأسهمت في إضعاف مكانته، خصوصا أن بعض الاحتجاجات نجحت في انتزاع استجابات لمطالب فورية، مما شجع آخرين على الالتحاق. وفي الوقت نفسه، قوبلت بعض المظاهرات بقمع دموي أجج الغضب ضد سلطات الاحتلال الألماني وحكومة فيشي. ففي مرسيليا يوم 14 يوليو/تموز 1942، أطلق أعضاء في حزب الشعب الفرنسي المتعاون مع الاحتلال النار على المتظاهرين من مقرهم، فقتلوا امرأتين، واعتُقل في ذلك اليوم أكثر من مئة شخص.
ليس غريبا في فرنسا أن تجد مسنا يخبرك، من دون مناسبة، بأنه كان ممن خرجوا في مايو/أيار 1968. يبدو الأمر مدعاة للفخر إذا نظرت في عيني من يقول ذلك، فتتأكد أن الرجل كان يساريا على الأرجح، وأن هذا الحدث، وهو من أبرز محطات التاريخ الفرنسي الحديث، كان أيضا من أهم محطات حياة من شاركوا فيه.
تبدأ قصة أزمة 1968 قبل ذلك بأربع سنوات، ففي عام 1964 افتُتحت في نانتير، غرب باريس، كلية للآداب والعلوم الإنسانية تابعة للسوربون، لتخفيف الاكتظاظ فيها. وشكلت هذه البيئة الجامعية الجديدة مكانا استثنائيا لاختمار النشاط السياسي وتطور حركات اليسار الراديكالي، التي بدأت تنشر أفكارا تدعو إلى التمرد على المؤسسة الجامعية، باعتبارها جزءا من مجتمع رأسمالي. ومن هذه البيئة وُلدت "حركة 22 مارس" في 22 مارس/آذار 1968 بقيادة مجموعة من الطلاب، أبرزهم دانييل كوهن بنديت، ثم تصاعدت الأحداث حتى أُغلق الحرم الجامعي في 2 مايو/أيار 1968.
ومن هناك انتقلت الاضطرابات إلى وسط باريس، وتحولت إلى أزمة وطنية بعد 3 مايو/أيار، حين تدخلت الشرطة بعنف لتفريق نحو 500 طالب تجمعوا في باحة السوربون، واعتقلت 574 شخصا. وبلغت المواجهات ذروتها في ليلة 10 مايو/أيار حين اشتبك الطلاب وقوات الأمن وتحول الشارع إلى ساحة حقيقية للمعركة. اشتعلت المظاهرات في كل مكان. وبعد الطلبة، جاء دور العمال. ففي مساء 14 مايو/أيار احتل عمال شركة سود أفياسيون في ضواحي نانت مصنعهم، واحتجزوا مديره. وفي اليوم التالي امتد الإضراب إلى مصنع رينو في كليون، ثم إلى مصانعها في فلان وبيانكور يوم 16، حتى وصلت البلاد بحلول 22 مايو/أيار إلى شلل شبه تام، وبلغ عدد المضربين نحو 7 ملايين، من دون أن تصدر النقابات دعوة وطنية موحدة إلى الإضراب.
جاء تدخل الجنرال ديغول متأخرا نسبيا، ففي 24 مايو/أيار، أعلن في خطاب متلفز عن تنظيم استفتاء بشأن إصلاحات جامعية واقتصادية واجتماعية، مؤكدا أنه سيتنحى إذا جاءت نتيجة الاستفتاء بالرفض. لكن خطابه لم ينجح في تهدئة الشارع، فيما اختار رئيس الوزراء جورج بومبيدو اللعب بورقة التفاوض الاجتماعي. وبعد مفاوضات قادها بومبيدو بنفسه، وشارك فيها جاك شيراك، كاتب الدولة للشؤون الاجتماعية المكلف بقضايا التشغيل آنذاك، خرجت الحكومة والنقابات وأرباب العمل في 27 مايو/أيار بما عُرف بـ"اتفاقات غرونيل". لم يُوقَّع النص قط، لكنه نص على رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 35%، وزيادة الأجور بنسبة 10% على مرحلتين. ورغم هذه التنازلات استمرت المظاهرات، ورفض كثير من العمال في المصانع ما اتُّفق عليه.
ولاستمرار المظاهرات منطقه، فأسباب اندلاعها لم تكن اقتصادية وحدها، وكان للجانب الثقافي فيها حضور كبير. كان الشباب الفرنسي في تلك الفترة يجد صعوبة في العثور على مكان له داخل مجتمع محكوم بالقيم التقليدية. صحيح أن خطة الاستقرار التي أطلقها وزير المالية آنذاك فاليري جيسكار ديستان عام 1963 أسهمت في تباطؤ النشاط الاقتصادي، وشهدت البلاد تراجعا في الإنتاج الصناعي خلال الفترة بين عامي 1964 و1965، قبل أن تتعافى ثم يتجدد التباطؤ في أواخر عام 1966. وقد أثار ذلك استياء الأجراء الذين اعتادوا ارتفاع قدراتهم الشرائية. كما ارتفعت البطالة، إذ تشير التقديرات إلى بلوغ عدد العاطلين نحو 368 ألفا مطلع عام 1967. إلا أن الشباب كانوا يطالبون بشيء آخر لا يقل أهمية بالنسبة إليهم.
كان مايو/أيار 1968، في أذهان كثيرين، بمثابة الموت الأخير لفرنسا القرن التاسع عشر، فالشباب الذين شاركوا في تلك المظاهرات، وكان معظمهم من طلاب الثانويات والجامعات، نظروا إلى ماضي آبائهم على أنه مرحلة عفا عليها الزمن، أما الفتيات، فكن أكثر رغبة في خوض معارك الحرية والتحرر من القيود الاجتماعية.
وقبل هذا الحراك الطلابي، كانت المساكن الجامعية تخضع لقواعد محددة للفصل بين الجنسين؛ إذ كان يسمح للطالبات بزيارة مباني الطلاب الذكور، في حين كان يمنع على الذكور دخول جناح الطالبات. ورأى بعض الطلاب في هذه القواعد تمييزا ووصاية أخلاقية على بالغين من حقهم أن يقرروا أسلوب حياتهم بأنفسهم.
ولم يقتصر الفصل بين الجنسين على المساكن الجامعية، بل امتد إلى المدارس، التي كان بعضها يعلن بفخر أنه مخصص للبنات أو للبنين. وكان الفصل يبدأ منذ رياض الأطفال ويستمر خلال المراحل التعليمية المختلفة. وفي المدارس الابتدائية كان هناك سياج في الكثير من الأحيان يفصل بين ساحتي الاستراحة، وكانت المدارس تتعامل بحزم شديد مع أي تجاوزات، فيما كان تسلل الفتيات خصوصا يعد دليلا على انحراف مبكر يتم قمعه على الفور.
وفي عام 1968، لم يعد الجيل الجديد يستسيغ أخلاق فرنسا ديغول ولا حتى الأخلاق الستالينية التي كان يعتنقها اليسار. كان جيلا يستمع إلى فرقة البيتلز أكثر مما يقرأ لماركس أو لينين أو تروتسكي، أو حتى ماو تسي تونغ الذي راجت كتبه في ذلك الوقت وصارت من بين الأكثر مبيعًا. أما الكتاب الذي انتشر بين أيدي الشباب فكان "الثورة الجنسية" للمحلل النفسي النمساوي فيلهلم رايش، وكان يُباع بكثرة ويتداوله التلاميذ في ساحات المدارس الثانوية، ويدور الحديث عنه في ممرات الكليات.
وانطلقت إحدى الأفكار التي غذت هذا الحراك من أن الرأسمالية تقوم على أخلاق جنسية قمعية، توجه طاقة الأفراد بعيدا عن اللذة، وتعيد توظيفها في العمل أو العنف. وبناء على ذلك، أصبح التحرر الجنسي أحد مكونات الثورة، في نظر بعض المشاركين فيها، ضمن نظرية مغرية تجمع بين فرويد وماركس، وبين الجنس وقلب النظام القائم. ومن الشعارات التي عبرت عن هذا التصور: "كلما مارست الحب أكثر، ازدادت رغبتي في القيام بالثورة".
هز هذا التحول الفكري كثيرا من القيود الاجتماعية، وخفف الشعور بالذنب المرتبط بالجنس، كما تحدى مفاهيم الخطيئة والعار الموروثة عن التقاليد المسيحية. وأسهم المناخ الجديد، إلى جانب حركات الاحتجاج التي تبلورت لاحقا، في فتح المجال أمام مطالبات أوسع بالتحرر الجنسي، ومنها المطالبة بحقوق المثليين.
وهكذا، شكل مايو/أيار 1968 لحظة إعادة ضبط الساعة الفكرية والثقافية على توقيت التطور الاقتصادي الذي عرفته فرنسا، التي تقدمت تقنيا وصناعيا، فيما بقيت عقليتها الاجتماعية متوقفة عند العقد الثالث من القرن العشرين. فأسهم في ولادة مجتمع مدني حديث أنهى زمن المحافظة، وبشر بثورة جنسية ما زالت فرنسا تعيش تبعاتها حتى اليوم.
في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 1995، شهدت فرنسا احتجاجات واسعة اعتراضا على "خطة جوبيه" التي قدمها رئيس الوزراء آلان جوبيه، في عهد الرئيس جاك شيراك، لإصلاح نظام التقاعد والضمان الاجتماعي. كانت تلك الاحتجاجات محطة مهمة في تاريخ الحراك الاجتماعي الفرنسي، ولن نتوقف عندها هنا. سنقفز عقدا كاملا إلى عام 2005، حين تصاعدت أعمال العنف في الضواحي الفرنسية، وحظيت بتغطية إعلامية واسعة، وكثرت الأسئلة حول ممارسات الشرطة وتدخلاتها التي أسفرت عن إصابات خطيرة، فيما بدا المشهد أشبه بتمرد الهامش على المركز.
تبدأ الحكاية تحديدا في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2005، حين كان ثلاثة مراهقين، هم زياد بنّا وبونا تراوري ومحيي الدين ألتون، عائدين مع أصدقائهم من مباراة لكرة القدم في ليفري غارغان باتجاه كليشي سو بوا، في ضاحية سين سان دوني. وفي الطريق، اقتربوا من ورشة بناء، بعدما أبلغ أحد الشهود الشرطة عن اشتباهه في محاولة سرقة. وبعد دقائق، وصلت عناصر من الشرطة إلى المكان، فأوقفت أحد الشبان، فيما فر الآخرون. ولاحقهم عناصر آخرون وصلوا لتعزيز القوة، فلجأ المراهقون الثلاثة إلى محطة لتحويل الكهرباء، حيث تعرضوا لصعقة كهربائية. توفي زياد وبونا، بينما أصيب محيي الدين ألتون بحروق بالغة ونجا من الحادث.
في مساء اليوم نفسه، اندلعت أولى الاضطرابات في كليشي سو بوا والمدينة المجاورة مونفيرماي. وفي تلك الليلة أُحرقت 23 سيارة، لتدخل الضواحي الفرنسية موجة اضطرابات لم تعرف لها مثيلا. وسارع وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي إلى الدفاع عن عناصر الشرطة، مؤكدا أنهم لم يطاردوا المراهقين اللذين لقيا حتفهما. بيد أن رواية الناجي ألتون أثارت تساؤلات بشأن ما جرى، وعززت لدى سكان الضواحي شعورا بالظلم وانعدام الثقة في رواية السلطات. وقد خلص تحقيق المفتشية العامة للشرطة لاحقا إلى أن المطاردة هي التي دفعت المراهقين إلى محطة الكهرباء.
ثم جاءت واقعة أخرى لتؤجج غضب السكان. ففي مساء 30 أكتوبر/تشرين الأول، أطلقت الشرطة قنبلة غاز مسيل للدموع انفجرت قرب مسجد بلال أثناء الصلاة، فتسرب الدخان إلى داخله وأُخلي المكان وسط حالة من الهلع. وسرعان ما انتشرت شائعة تقول إن قوات الأمن ألقت القنبلة داخل المسجد نفسه، فاشتعل الغضب. ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى ثلاثة أسابيع، كان الشبان يجتمعون كل ليلة في الشوارع، يحطمون السيارات والمباني والمرافق العامة، في ضواحي باريس أولا ثم في سائر أنحاء فرنسا.
أحرق المحتجون آلاف السيارات، وامتلأت شاشات التلفزيون الفرنسي بمشاهد الفوضى، وبلغ التحريض من الطرفين ذروته. رأت فرنسا الرسمية أنها تعاقب "أبناءها العاقين"، ورأى أبناء المهاجرين في تلك الأحداث انفجارا لغضب تراكم على مدى سنوات من التمييز والعنصرية والإقصاء، عانى منه آباؤهم طويلا في صمت وهم يبحثون عن لقمة العيش في بلاد طالما شعروا بأنهم غرباء فيها. أما الجيل الجديد، فكان يرى نفسه جزءا من المجتمع الفرنسي، ويرفض أن يُعامل باعتباره غريبا فيه.
وفي 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، بعد ليلة كانت الأعنف أُحرقت خلالها نحو 1400 سيارة، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ، فيما بدأت حدة الاضطرابات تتراجع تدريجيا خلال الأيام التالية. وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني، تحدث الرئيس جاك شيراك عن "أزمة المعنى وأزمة المرجعيات وأزمة الهوية" لدى الشباب، مشددا على ضرورة مواجهة التمييز وتوفير فرص متكافئة لهم. وجاء خطابه في وقت كانت فيه البلاد تحاول احتواء الاضطرابات، وإعادة فتح النقاش حول الأسباب الاجتماعية التي فجرت الضواحي بهذا الشكل.
وبحسب حصيلة نشرتها مجلة "لوبس" لاحقا، أسفرت أعمال العنف عن سقوط 3 قتلى، وإصابة 224 من عناصر الشرطة والدرك والإطفاء، فيما أوقف 6056 شخصا وأودع 1328 منهم السجن. كما تضرر 233 مبنى عاما، وأُحرقت 10 آلاف و346 سيارة. لكن الأرقام، على قسوتها، لم تكن وحدها ما كشفته تلك الأسابيع؛ فقد أعادت الاضطرابات إلى الواجهة سؤالا ظل يؤرق فرنسا عن جيل وُلد ونشأ فيها، ومع ذلك يشعر بأنه يعيش على هامشها.
ما تعيشه فرنسا حاليا ليس استثنائيا، لكنه مختلف نوعا ما، لأنه يجمع مطالب شتى تنتمي إلى حركات احتجاجية مختلفة. وهو يتقاطع، في بعض جوانبه، مع مطالب حركة السترات الصفراء التي عادت إلى الشارع للاحتجاج على غلاء المعيشة وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
بدأت الموجة الحالية في 17 سبتمبر/أيلول 2026 من مدرسة ثانوية في ضواحي باريس، احتجاجا على تهالك المباني ونقص المعلمين ونظام القبول الجامعي، ثم اتسعت حتى التقت بالسترات الصفراء التي نزلت إلى الشارع مجددا في 17 أكتوبر/تشرين الأول، غاضبة من ارتفاع أسعار الوقود والغذاء. في ذلك اليوم أحصت وزارة الداخلية 550 ألف متظاهر، وقدرتهم الكونفدرالية العامة للشغل بـ800 ألف، وانتهى بأعمال نهب وإحراق مبنى بلدية ليموج. ثم تراجعت الأعداد إلى 410 آلاف في 24 أكتوبر/تشرين الأول، و320 ألفا في 31 من الشهر نفسه، بحسب الأرقام الرسمية. لكن الغضب لم يهدأ. فقد دعت خمس نقابات إلى إضراب في 5 نوفمبر/تشرين الثاني، فيما لا تزال ميزانية حكومة سيباستيان لوكورنو، القائمة على تقشف بقيمة 54 مليار يورو، عالقة في الجمعية الوطنية.
بيد أن ما يميز المشهد الحالي، خلافا لبعض التحليلات المتداولة، أن الصراع بات إيديولوجيا بوضوح، يمينا في مواجهة يسار. ولم يعد الخلاف محصورا في مطالب سياسية واقتصادية، فقد امتد إلى ما هو أعمق، أي هوية فرنسا الغد. ففي الوقت الذي يتقدم فيه اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي، قبل نحو 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية المقررة جولتها الأولى في 18 أبريل/نيسان 2027، يخرج محتجون، بينهم أعداد كبيرة من الشباب، حاملين لافتات تندد بالعنصرية والفاشية. ويمنح آخر استطلاع لمعهد إيفوب مارين لوبان، التي أبقى لها القضاء حق الترشح بعد الاستئناف، ما بين 34% و38% من أصوات الجولة الأولى.
وفي 24 أكتوبر/تشرين الأول، تظاهر في مدينة أورليان، حيث عقد حزب التجمع الوطني مؤتمره، ما بين 13 ألفا و500 شخص بحسب المحافظة و30 ألفا بحسب الكونفدرالية العامة للشغل، تحت شعار "ضد العنصرية والفاشية والإمبريالية". وجاءت المظاهرة غداة هجوم في بلدتي تراب ولا فيريير غرب باريس، قتل فيه مسلح شابا في السادسة والعشرين وأصاب خمسة آخرين، بينهم طفلة في الثانية عشرة. وقال المسلح للمحققين إنه استهدف من رآهم مسلمين أو أفارقة، فيما وصف الرئيس إيمانويل ماكرون الهجوم بأنه "إرهابي عنصري".
Loading ads...
حين أعدم الفرنسيون الملك لويس السادس عشر بالمقصلة، كانوا يدخلون أرضا لم يطؤوها من قبل. فقد عاشوا قرونا في ظل الملكية، حتى بدت لهم الحياة من دون ملك أمرا يصعب تخيله. لكن ما بدا مستحيلا حدث؛ أُلغيت الملكية وأُعلنت الجمهورية في سبتمبر/أيلول 1792، ثم سقط رأس الملك في يناير/كانون الثاني 1793. ومنذ ذلك الحين، ربما أدرك الفرنسيون أن المجهول، مهما بدا مخيفا، ليس بالضرورة أسوأ من واقع يعرفونه.

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


اقرأ أيضاً


طهران تتمسك بالحوار.. وبيزشكيان يكشف صلاحيات التفاوض

طهران تتمسك بالحوار.. وبيزشكيان يكشف صلاحيات التفاوض

سكاي نيوز عربية

منذ ثانية واحدة

0
خلال 28 عاما وبلا وسائل نقل.. بريطاني يقطع 50 ألف كيلومتر سيرا على الأقدام

خلال 28 عاما وبلا وسائل نقل.. بريطاني يقطع 50 ألف كيلومتر سيرا على الأقدام

سكاي نيوز عربية

منذ ثانية واحدة

0
عمرها قرون.. علماء يحلون لغز تماثيل "جزيرة القيامة"

عمرها قرون.. علماء يحلون لغز تماثيل "جزيرة القيامة"

سكاي نيوز عربية

منذ ثانية واحدة

0
معارك بتعز.. القوات الحكومية تعلن استعادة موقعين

معارك بتعز.. القوات الحكومية تعلن استعادة موقعين

سكاي نيوز عربية

منذ دقيقة واحدة

0