ساعة واحدة
أبعد من أعطال المحركات.. لماذا تحول البنزين المغشوش في سوريا إلى أزمة اقتصادية شاملة؟
الجمعة، 30 أكتوبر 2026

كشفت أزمة البنزين المغشوش التي شهدتها سوريا خلال تشرين الأول/أكتوبر 2026 عن أضرار تجاوزت أعطال السيارات، بعدما امتدت من ورشات الصيانة إلى أسواق قطع الغيار وحركة النقل، ففرضت على أصحاب المركبات تكاليف إصلاح باهضة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأعباء المعيشية.
وبعد تعبئة الخزان، لاحظ أصحاب السيارات تغيُّر لون البنزين من الأصفر إلى الأحمر الداكن المائل إلى السواد خلال ساعات.
لم تقتصر المشكلة على اللون فحسب، إذ أكد أصحاب محطات وقود لـ"يورونيوز" وجود انخفاض حاد في نسبة الأوكتان ليقارب 85، مترافقاً مع وجود شوائب كيميائية ونسبة من المياه تتكثف وتتشكل كمادة تشبه الشمع داخل نظام الوقود.
وأدى تدني الأوكتان إلى اضطراب أداء المحركات وظهور ما يسمى بـ"الطقطقة" أو الفرقعة الناتجة عن الاحتراق المبكر لمادة البنزين، ما ولّد ضغطاً ألحق أضراراً بالغة بالمحرك.
في ذات الوقت، تسببت المادة الشمعية بشلل كامل في منظومة حقن الوقود نتيجة انسداد "البخاخات"، لتظهر أعراض شملت ضعف العزم وصعوبة التشغيل والتعطل التام.
ولم تنتهِ المشكلة لدى كثير من المركبات بمجرد تنظيف الخزان وإصلاح الأجزاء المتضررة، بل سرعان ما عادت إلى الورشات بسبب تكرر الانسداد وتلف القطع الجديدة.
التقت يورونيوز صاحب ورشة تصليح سيارات نشير لاسمه بـ"أبو سعيد" نظرا لرفضه الكشف عن هويته. يصف المتحدث العمل في ورشته الصغيرة بمنطقة المزة بدمشق بأنه لا يتوقف، في ظل الأعطال المتكررة التي تطال المركبات، حتى الحديثة منها.
وأضاف أبو سعيد قائلا: "لا نكاد ننتهي من تصليح سيارة حتى تتعطل مجدداً. الأمر مزعج، خصوصاً أن السيارات من أحدث الموديلات، وأصحابها يدفعون مبالغ كبيرة لإصلاحها، من دون ضمان ألا يتكرر العطل. البنزين سيئ جداً، لونه يكون أصفر عند التعبئة، لكنه يتحول بعد ساعات إلى أحمر داكن، ويترك مادة شمعية على بخاخات الوقود، ما يسبب صعوبة في تشغيل السيارة وضعفاً في العزم، ثم تتضرر أجزاء أخرى من المحرك".
"أبو هيثم" هو ميكانيكي آخر يملك ورشة بمنطقة حوش بلاس بريف دمشق، يقول لـ"يورونيوز" إن الأعطال لم تعد تقتصر على السيارات التي تصل إلى الورشات، بل أصبح هو شخصيا يضطر إلى التوجه لإصلاح سيارات تتوقف فجأة وتعجز عن مواصلة السير.
ويوضح: " أصبحنا نذهب إلى السيارات على الطرقات لإصلاحها، لأنها لم تعد قادرة على الوصول إلى الورشات. حاولنا تنظيف خزانات الوقود وبقية الأجزاء المرتبطة بالمحرك، لكن هذا الحل لا يدوم. ما دام البنزين النظيف والخالي من الشوائب غير متوفر، تعود الأعطال من جديد".
نتيجة ذلك، يتحمل أصحاب السيارات تكاليف تلو الأخرى، تشمل تنظيف الخزان، وفحص نظام الحقن، واستبدال القطع المتضررة، وأجرة العامل، فضلاً عن حرمانهم من استخدام مركباتهم خلال فترة الصيانة.
انتقلت تداعيات الأزمة إلى محال قطع غيار السيارات، فارتفع الطلب على القطع المستخدمة في إصلاح المحركات وأنظمة الوقود، بالتزامن مع نقص الكميات المتاحة وصعوبة تأمين بعض الأنواع.
سامر، صاحب محل لبيع قطع السيارات في منطقة الفحامة بدمشق يقول لـ"يورونيوز"، إن الطلب على قطع الغيار وخراطة رأس المحرك "جوان الكيلاس" ازداد مع تكرار الأعطال، موضحاً أن قطع السيارات الكورية الصنع أكثر توفراً وأسهل بيعاً، بينما ترتفع أسعار القطع الألمانية والأوروبية عموماً، مع صعوبة الحصول عليها، ما يضطر أصحاب السيارات إلى شرائها من لبنان رغم تكلفتها المرتفعة.
ويضيف: "إذا كان سعر مصفاة البنزين للسيارات الكورية ألف ليرة سورية جديدة حوالي (8 دولار)، فإن سعرها للسيارات الأوروبية يصل إلى عشرة أضعاف. نطلب حالياً استيراد قطع جديدة، لأن المخازن لم تعد تحتوي على كميات كافية، في ظل تزايد الأعطال، وباتت بعض السيارات تدخل إلى التصليح مرتين في الأسبوع بسبب البنزين".
ولا توجد حتى الآن إحصاءات حكومية شاملة لعدد السيارات والدراجات النارية المتضررة، لكن التقارير تحدثت عن آلاف المركبات على مستوى سوريا، حيث أكدت إحدى ورشات الصيانة لـ"يورونيوز" استقبال أكثر من 40 سيارة معطلة في يوم واحد مع بداية أزمة البنزين المغشوش، اشتكى أصحابها من صعوبات بالغة في التشغيل بحثاً عن إصلاح فوري.
وأدى تعطل المركبات إلى إرباك حركة النقل، وتوقف عدد من وسائل النقل العامة والخاصة عن العمل، ليخسر السائقون مصادر دخلهم ويضطر المواطنون إلى البحث عن بدائل بأجور أعلى.
في محاولة لشرح ملابسات المشكلة وتداعياتها، أوضحت وزارة الطاقة والشركة السورية للمشتقات النفطية "سادكوب" أن شحنة بنزين مخالفة للمواصفات أُفرغت في مستودعات الشركة، وبررت كما جرى بوقوع "خطأ تشغيلي" خلال محاولة إعادة الشحنة إلى مصدرها عبر شبكة الأنابيب.
وأدى الخطأ إلى اختلاط البنزين المخالف بالبنزين النظامي، ووصول الخليط إلى محطات التعبئة وانتشاره في السوق المحلية.
وتراوحت تكاليف إصلاح المركبة الواحدة بين 100 و600 دولار، ووصلت في بعض الإصلاحات الكبيرة إلى 800 دولار.
يرى الخبير الاقتصادي عامر عرابي في حديثه لـ"يورونيوز"، أن أزمة البنزين المغشوش لا يمكن اختزالها في أضرار السيارات، موضحاً: "مشكلة البنزين المغشوش في سوريا مشكلة متعددة الأوجه والنتائج، ومن الغريب أن أغلب المعالجة الإعلامية لها كانن من ناحية تناولها على أنها مشكلة أو مجموعة مشكلات فردية لأصحاب سيارات تضرروا من البنزين. لكن الموضوع أعقد من ذلك بكثير".
ويضيف عرابي: "أول ما تظهره مشكلة البنزين المغشوش، وقبل الدخول بشق المعاناة والشق الاقتصادي الفردي للناس المتضررين، هو ضعف الرقابة، هذا طبعاً إن افترضنا حسن النية على الرغم من الأخبار والتسريبات الكثيرة التي ألمح بعضها وبعضها الآخر أكد أن وزارة الطاقة هي على دراية بما جرى بل وشاركت فيه أيضا. كما أن لضعف الرقابة هنا، وقعا ومعنى مختلفيْن عنهما في أماكن أخرى. فضعف الرقابة على منتجات قد تتسبب بأضرار عامة في بلدٍ متوسطُ دخل الفرد فيه بين 80 و100 دولار كل دولار منه له وظيفته المحددة، لا يمكن تفسيره كإهمال، بل هو لا مبالاة بمصائر الناس".
وحول حجم الأعباء وتأثيرها يتابع المتحدث قائلا: "أما من ناحية الخسائر الاقتصادية المباشرة، فإن أي مبلغ يُرصد لإصلاح الآلية، هو مبلغ كبير مهما صغُر، نتيجة ضعف الوارد وارتفاع معدلات الفقر وتناقص القدرة الشرائية المستمر، لذا فإن مبلغ 100 دولار مثلاً، والذي قد يبدو طبيعياً لإصلاح عطل متوسط الشدة في أي آلية، هو أجر ووارد أكثر من 90% من السوريين لمدة شهر".
ويشرح عرابي اتساع دائرة الضرر لتشمل دورة الحياة الاقتصادية: "أما الأعطال الكبيرة، والتي قرأنا وسمعنا أن إصلاح بعضها قد يصل إلى 700 أو 800 دولار، فهي كارثة إما أنها ستجبر صاحب المركبة على الاستغناء عنها، أو تعويض المبلغ إن كان من أصحاب الأعمال الحرة".
ويضيف، "هذا ينقلنا إلى الشق الأكبر من المشكلة، وهو تحولها إلى مشكلة اقتصادية عامة مسّت دورة الحياة الاقتصادية بشكل كامل. فالمشكلة أدت إلى توقف عدد من وسائل النقل العامة والخاصة، وهنا الضرر أصاب أصحاب المركبات وأوقف أرزاقهم وبدّد مدخراتهم في حال وجودها. كذلك مستخدمو وسائل النقل تضرروا، لأنهم إما اضطروا إلى تغيير نوع المركبة (وبالتالي تغير حجم الأجرة المدفوعة)، أو اضطروا إلى ركوب أكثر من وسيلة نقل، وبالتالي دفع مبالغ أكبر".
ويحذر عرابي من انتقال هذه التكاليف إلى المستهلك قائلاً: "ومن الطبيعي أن أصحاب وسائل النقل الخاصة، سيحاولون تعويض ما دفعوه كثمن لإصلاح المركبة من الزبون الذي هو المواطن".
ويوضح أن هذا التوجه سيشمل مختلف القطاعات، مضيفاً: "وما قلناه بالنسبة لوسائل النقل، يمكن تعميمه أيضاً على أصحاب السيارات الخاصة والأعمال الخاصة، والذين سيعوضون خسائرهم من جيوب السوريين إن كانوا أصحاب محلات أو مهن حرة أو غيرها".
ويشير عرابي إلى العوامل التي تسهل هذا الانعكاس السريع على الأسواق بالقول: "يساعدهم في ذلك، الانفلات الهائل في موضوع تسعير السلع، حيث لا حسيب ولا رقيب، خاصة في المرحلة الحالية التي تنخفض فيها قيمة الليرة بشكل يومي، واقتصار سلاسل الإمداد على الاستيراد تقريباً، لذا فإن رفع سعر سلعة ما لتعويض خسائر إصلاح سيارة يملكها صاحب بقالة مثلاً، لن يبدو أمراً غريباً ولا لافتاً للنظر. وهناك أيضاً أمور اقتصادية أكثر تعقيداً لا نريد الخوض بها".
وأعادت الأزمة فتح النقاش حول احتكار الدولة استيراد المحروقات، حيث يتساءل عرابي: "ما سبب احتكار الدولة استيراد المحروقات؟ ألم يكن هذا التصرف يُعاب على النظام السابق؟ ألا يؤدي تعداد مصادر استيراد المحروقات إلى تنوع الخيارات والنوعيات أمام المواطن؟ ألا يخفف على الدولة مشقة تأمين الدولار التي يشتكون منها من أجل الاستيراد؟ إن عدم وجود إجابات يبرر لنا تفسير الأمر على أنه احتكار بهدف الربح، وأن الحكومة والدولة لا يهمهما سوى الحصول على الأموال التي لا يرى المواطن السوري انعكاساتها على حياته".
وكلفت وزارة الطاقة الشركة السورية للبترول إعداد آلية لتعويض المتضررين وتنفيذها على مراحل، لكن هذه الخطوة تواجه تحديات عملية تتعلق بتحديد المستحقين وقيمة الأضرار في ظل غياب الفواتير المفصلة.
يشكك عرابي في إمكانية التحقق من المطالبات بصورة دقيقة، معتبراً أن الأمر لن يتجاوز كونه تصريحاً إعلامياً فيقول: "الحديث عن التعويضات هو استهلاك إعلامي، فمن المستحيل حساب الأضرار أو التحقق من ادعاءات أي شخص بإصلاح مركبته، لاسيما في ظل غياب ثقافة الفواتير في سوريا".
تعاني سوريا من شح في المحروقات رغم استعادة الكثير من الحقول النفطية شرقي الفرات، ما فرض عليها الاعتماد الكلي على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق، وسط عقبات تتعلق بدمار البنية التحتية للمصافي وشح النقد الأجنبي.
ولطالما اعتمدت البلاد قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد على إيران كشريان رئيسي لتأمين حاجاتها النفطية، قبل أن تتبدل خريطة الإمدادات وتتجه دمشق مضطرة نحو روسيا التي كانت في صدارة الدول التي تزوّد دمشق بهذه المادة الحيوية خلال عام 2025.
Loading ads...
غير أن مساعي الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لرفع اسم سوريا من قوائم العقوبات الأمريكية، فرضت تقليصاً متعمداً للواردات الروسية، ما أحدث فجوة حادة في المعروض ومهد لتسرّب الشحنات الرديئة والمغشوشة إلى الأسواق، في وقت تحاول فيه دمشق اليوم ترميم هذا العجز عبر التوجه نحو الخليج، وتدشين اعتمادات لاستيراد المشتقات النفطية من السعودية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





