17 ساعات
لماذا يستمر ارتفاع الأسعار رغم استقرار سعر صرف الليرة السورية؟
الجمعة، 6 فبراير 2026

عند التجوال في الأسواق السورية، لا يحتاج المواطن إلى كثير من التدقيق ليلاحظ أن الأسعار تواصل صعودها بوتيرة يومية تقريبًا، رغم ما يوصف باستقرار سعر صرف الليرة السورية منذ نحو شهر عند حدود 11.500 ليرة للدولار الواحد.
هذا التناقض الظاهر بين ثبات سعر الصرف الرسمي واستمرار الغلاء المتسارع ينعكس مباشرة على مستوى معيشة السكان، إذ تتآكل القدرة الشرائية بوتيرة أسرع من أي تحسن اسمي في سعر العملة، وتتسع الفجوة بين الدخول المحدودة وكلفة المعيشة التي باتت خارج متناول شرائح واسعة من السوريين.
استقرار شكلي وغلاء متصاعد
هذا المشهد لا يمكن اختزاله بسعر الصرف وحده، فبحسب الباحث في الشأن الاقتصادي إيهاب اسمندر، فإن ارتفاع الأسعار في ظل شبه استقرار للدولار الرسمي هو نتيجة شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والنقدية والنفسية المتداخلة، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الحرية“.
ويوضح اسمندر أن العامل الأبرز يتمثل في فقدان الثقة المزمن بالليرة السورية، إذ إن استقرار السعر الرسمي لا يعني بالضرورة استعادة الثقة بالعملة المحلية، التي تآكلت بفعل سنوات طويلة من التضخم المرتفع، ما يدفع التجار والمستهلكين على حد سواء إلى تسعير السلع ضمنيًا بالدولار أو تخزين القيمة في السلع نفسها تحسبًا لأي اهتزاز مفاجئ.
ويشير إلى أن الاقتصاد السوري يعمل فعليًا وفق سعر الصرف في السوق الموازية أكثر مما يعمل وفق السعر الرسمي، وهو سعر أكثر تقلبًا ويميل إلى الارتفاع، مشيرًا إلى أن تكاليف الاستيراد، والنقل، والعمليات التجارية، وحتى بعض الخدمات، تُحتسب في معظم الأحيان على أساس هذا السعر غير الرسمي، ما يجعل أي استقرار اسمي للدولار الرسمي تأثيره محدودًا على أرض الواقع، ولا يترجم إلى انخفاض في الأسعار النهائية التي يدفعها المستهلك.
انهيار الإنتاج المحلي
إلى جانب ذلك، يلفت اسمندر إلى الانهيار الواسع في الإنتاج المحلي، نتيجة الدمار الذي لحق بالبنى التحتية وقطاعات الصناعة والزراعة خلال سنوات الحرب، موضحًا أن هذا التراجع الحاد في العرض المحلي أدى إلى ندرة السلع المنتجة داخليًا، وجعل السوق أكثر اعتمادًا على الاستيراد، وبالتالي أكثر حساسية لتقلبات سعر الصرف وتكاليف النقل والطاقة.
مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، سواء من حيث أسعار الوقود وتشغيل المولدات أو أجور النقل والمواد الخام المستوردة التي تُدفع بالدولار وفق سعر السوق الموازية، تنتقل هذه الأعباء تلقائيًا إلى المستهلك النهائي.
الباحث في الشأن الاقتصادي إيهاب اسمندر
وأكد أنه لا يمكن إغفال اختلالات السوق وهيمنة شبكات احتكارية على سلاسل توريد عدد من السلع الأساسية، ما يتيح التحكم بالأسعار بعيدًا عن منطق العرض والطلب، ويحد من أي أثر إيجابي محتمل لاستقرار سعر الصرف.
العقوبات تزيد الضبابية
أضاف اسمندر استمرار الضبابية المرتبطة بالعقوبات الدولية، التي تجعل العديد من الشركات الخارجية مترددة في التعامل مع السوق السورية، ما يضعف حركة التجارة والتحويلات المالية، ويرفع كلفة الاستيراد والمخاطر المرتبطة به.
كما يحذر من أن الحديث عن طباعة نقدية جديدة، في ظل غياب برامج واضحة ومعلنة للإصلاح الاقتصادي، وسياسات مالية ونقدية موثوقة، يسهم في تقويض ما تبقى من ثقة بالليرة السورية، لافتًا إلى أن التوسع النقدي غير المنضبط يغذي توقعات تضخمية إضافية، ويدفع التجار إلى رفع الأسعار استباقيًا، خشية تراجع جديد في قيمة العملة.
أما عن سبل تضييق الفجوة المتفاقمة بين الأسعار والرواتب، فيؤكد اسمندر أن هذه المعضلة لا يمكن حلها بإجراء منفرد أو قرار إداري معزول، بل تتطلب حزمة سياسات متكاملة.
حلول ومعالجة جذرية
أوضح اسمندر أنه على المدى القصير، يفضل اعتماد برامج دعم استهدافية للفئات الأكثر هشاشة، من خلال تحويلات نقدية مشروطة، إلى جانب تشديد الرقابة الفعلية على الأسواق لمحاربة الاحتكار والاستغلال، ولا سيما في السلع الأساسية، مع تفعيل آليات رقابية صارمة وشفافة، مشددًا على أن أي رفع للرواتب والأجور يجب أن يترافق مع برنامج إصلاح اقتصادي متكامل، حتى لا يتحول إلى عامل تضخمي إضافي.
على المدى المتوسط والطويل، يرى أن المعالجة الجذرية تمر عبر إعادة الإعمار والاستثمار في الإنتاج، مع إعطاء أولوية قصوى لإحياء قطاعي الزراعة والصناعة، وتوفير الطاقة بأسعار مناسبة للفعاليات الإنتاجية، وتسهيل حصول المنتجين الصغار والمتوسطين على التمويل.
كما يؤكد ضرورة إصلاح النظامين النقدي والمالي، عبر تقليص فجوة سعر الصرف تدريجيًا، ووقف التمويل النقدي للعجز، وجذب التحويلات من الخارج عبر قنوات رسمية.
Loading ads...
ويخلص إلى أن تحسين بيئة الأعمال، ومحاربة الفساد الإداري، وتحقيق استقرار شامل ومستدام، إلى جانب الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر البشرية، تمثل شروطًا أساسية لأي انتعاش اقتصادي حقيقي، قادر على كبح التضخم ووقف النزيف المستمر في معيشة السوريين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





