2 أيام
إصابات وعقود هشّة وتعويضات معلَّقة… صحافيو "خطوط النار" في العراق - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

حرب ومصطفى جزء من ملف أوسع تشكّل خلال سنوات الحرب على تنظيم "داعش".
فبين عامي 2014 و2017، ومع تصاعد العمليات العسكرية لاستعادة المدن العراقية؛ عمل عشرات الصحافيين والمصورين في مناطق القتال وخطوط المواجهة. وتُظهر الحالات، التي تتبعها التحقيق، أن عدداً منهم عمل في بيئة شديدة الخطورة من دون عقود عمل موثقة، أو ضمانات واضحة للعلاج والتأمين والتعويض عند الإصابة.
ووفق تقرير أعدته "جمعية الدفاع عن حرية الصحافة" لتوثيق الخسائر خلال معارك استعادة المدن من تنظيم "داعش"، قُتل 40 صحافياً وأصيب 76 آخرون، بينهم 30 تعرضوا لإصابات بالغة الخطورة.
تكشف الوقائع عن خلل لا يتوقف عند علاقة العمل، بل يمتد إلى ما بعد وقوع الإصابة؛ إذ عمل صحافيون من دون عقود موثقة، فيما خلت بعض الوثائق التعاقدية من ضمانات واضحة لإصابات العمل والتأمين. كما توقف العلاج قبل اكتماله، واصطدمت حقوق يكفلها القانون بمسارات طويلة من المراجعات، في وقت أوقفت فيه وزارة العمل لجان التفتيش المعنية بمراقبة تطبيق قوانين العمل والضمان الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، حصلت نقابة الصحافيين العراقيين على تخصيص حكومي بمليارات الدنانير للعلاج والتكافل، في حين قال مصابون وعائلات صحافيين، قتلوا أو توفوا متأثرين بإصاباتهم، إنهم لم يعرفوا بوجود هذا التخصيص، ولم تتواصل النقابة معهم للاستفادة منه.
في عام 2015، وخلال ذروة معارك استعادة منطقة "البوعجيل" في محافظة صلاح الدين، عبرت مركبة تقل فريقاً صحافياً تابعاً لقناة "بلادي" الفضائية خطوط التماس بالخطأ، لتجد نفسها في مرمى نيران تنظيم "داعش". كان المصور عمار جعفر داخل المركبة. ويصف ما جرى بأن الفريق وجد نفسه في "أرض العدو، وليس لدينا من سلاح سوى معداتنا الصحافية".
أصيب المراسل أولاً، ثم اخترقت رصاصة يد عمار، محدثة شللاً جزئياً أفقده القدرة على حمل الكاميرا، كما كان يفعل سابقاً. كما تعرض لاحقاً لإصابة أخرى في الرأس أثناء تغطية معارك الموصل.
تكفلت إدارة قناة "بلادي"، التي كانت مملوكة حينها لرئيس الوزراء العراقي السابق إبراهيم الجعفري، بإجراء عملية جراحية واحدة لعمار في إيران. لكنّه يفيد بأن مراحل العلاج الترميمي لم تستكمل، وطُلب منه العودة إلى العمل.
وفي عام 2021، أغلقت القناة أبوابها نهائياً، ليجد عمار نفسه خارج العمل من دون تعويض مالي أو مستحقات نهاية الخدمة، أو حتى تأمين صحي يغطي آثار إصابته. اضطر إلى العمل لاحقاً حارساً أمنياً بعقد مؤقت، وبراتب لا يتجاوز 200 دولار شهرياً، بحسب إفادته.
واكب المراسل الحربي "علي جواد" العمليات العسكرية ضد تنظيم "داعش" منذ عام 2013، وتعرض لإصابتين، كانت أخطرهما عام 2016، إثر استهداف فريقه بصاروخ حراري. قُتل المصور الذي كان يرافقه، وأصيب علي بشظايا وتمزق في "طبلة" الأذن.
ووفق إفادته، تلقى العلاج مرتين داخل مستشفى الكفيل بكربلاء، وليس عبر المؤسسة الإعلامية التي كان يعمل معها. ويستدل علي على طبيعة تعامل بعض المؤسسات مع الصحافيين الميدانيين بواقعة عاشها مع مراسل أصيب بانفجار عبوة ناسفة في تكريت.
كان الصحافي ينزف مُمدداً على سرير الإسعاف، عندما اتصل مسؤول في القناة للسؤال عن مصير الكاميرا، وما إذا كانت قد تضررت، من دون أن يكون السؤال الأول عن حالة الصحافي المصاب.
ويرى علي أن تجربة زملائه تكشف جانباً من واقع تحمّل فيه صحافيون مصابون تكاليف علاجهم بأنفسهم، في حين اقتصرت بعض أشكال التكريم الرسمي والنقابي على دروع أو مبالغ محدودة لا تتناسب، في تقديره، مع الإصابات وآثارها الطويلة.
تبدأ إحدى المشكلات التي يكشفها التحقيق قبل الوصول إلى ساحات القتال. فالمادة 13 من قانون حقوق الصحافيين العراقيين، تُلزم الجهات الإعلامية بإبرام عقود عمل مع الصحافيين، وفق نموذج تعده نقابة الصحافيين، مع إلزام المؤسسات الإعلامية بإيداع نسخة من العقد لدى النقابة.
لكن إبراهيم السراج، رئيس "الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحافيين"، يصف النص بأنه "لا يزال حبراً على ورق"، ويقدر أن نحو 80% من العاملين في الوسط الصحافي يعملون من دون عقود رسمية. وتبقى هذه النسبة تقديراً صادراً عن الجمعية، وليست إحصاء حكومياً شاملاً.
وتتقاطع إفادات الصحافيين المصابين، ممن شملهم التحقيق، مع جانب من هذا الواقع؛ إذ عملت أغلبية الحالات الموثقة من دون عقود تغطي فترة الإصابة. لكن وجود عقد لا يعني بالضرورة توافر الحماية الكافية.
راجع معد التحقيق أربعة نماذج من وثائق وعقود العمل الإعلامي، وعرضها على مختصين قانونيين لفحص الضمانات التي توفرها للصحافي، ولا سيّما المتعلقة بإصابات العمل والتأمين والحقوق المالية وتسوية النزاعات.
ووجد المحامي محمد الربيعي، رئيس "مؤسسة النهرين للشفافية"، في النماذج التي راجعها، ثغرات بدرجات متفاوتة، من بينها عدم إيداعها أو تصديقها لدى نقابة الصحافيين وفق النموذج المعتمد، ووجود بند للسرية في بعض الوثائق، وغياب آليات واضحة في عدد منها لمعالجة النزاعات أو التعويض عن إصابات العمل والتأمين الصحي والاجتماعي.
كما رأى الربيعي أن بعض النماذج لا توفر بصورة واضحة كامل الاستحقاقات التي ينظمها قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، ومنها مكافأة نهاية الخدمة.
قناة "بلادي"... يرى مجيد أن توزيع الحقوق والالتزامات يميل بوضوح لمصلحة المؤسسة، خصوصاً في صلاحيات إنهاء العلاقة وتغيير طبيعة العمل، مقابل ضعف ضمانات الصحفي في الإصابة والتأمين.
شركة "البوابة العالمية للإنتاج الفني"... تتركز الوثيقة على التزامات الصحافي وعدد التقارير ومواعيد التسليم، فيما تقل التفاصيل المتعلقة بما تلتزم المؤسسة بتوفيره له.
قناة "الفلوجة"... يرى مجيد أن الوثيقتين لا تشكلان، بمفردهما، عقد عمل متكاملاً وفق تشريعات العمل العراقية، مع حضور أكبر لحماية المؤسسة ومعلوماتها وحقوقها.
قناة "الحرة عراق" - شبكة MBN... يرى مجيد أنه الأقرب إلى العقد النظامي بين النماذج التي راجعها، لكنه يسجل ملاحظة تتعلق بعدم تحديد الإطار القانوني الناظم للعلاقة بصورة صريحة، رغم أن العمل كان داخل إقليم كردستان.
تنص المادة 11 من قانون حقوق الصحافيين العراقيين على منح الصحافي المصاب، من غير الموظفين في دوائر الدولة، راتباً تقاعدياً قدره 500 ألف دينار (نحو 334 دولاراً)، إذا بلغت نسبة العجز لديه 50%، و250 ألف دينار إذا بلغت نسبة العجز 30% فأكثر. لكنّ الحالات التي تتبعها التحقيق تظهر أن الوصول إلى هذا الحق يمر بمراجعات ولجان طبية، وإجراءات لإثبات نسبة العجز وطبيعة الإصابة. فيما تكشف حالة مصطفى الوحادي هذه الفجوة بوضوح.
فتقاريره الطبية توثق نسبة عجز تبلغ 50%؛ وهي النسبة التي يرتبط عندها، بموجب القانون، استحقاق المصاب المشمول بأحكامه راتباً تقاعدياً. ومع ذلك، لا يزال، وفق إفادته، يراجع الجهات الحكومية للحصول على التعويض، بعد مرور تسع سنوات على إصابته.
أحال التحقيق على وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أسئلة تتعلق باستمرار عمل صحافيين، من دون عقود نظامية أو غطاء تأميني.
وقال رئيس اللجنة الإعلامية في الوزارة، نجم العقابي، إن القانون يكفل شمول الصحافيين بالضمان الاجتماعي، وبإمكان الصحافي المتضرر تقديم شكوى رسمية إلى الوزارة أو اللجوء إلى محكمة العمل المختصة.
لكن رد الوزارة كشف أيضاً عن توقف إحدى أدوات الرقابة التي كان يفترض أن ترصد المخالفات داخل المؤسسات، قبل وصول العامل إلى مرحلة الشكوى.
فبحسب العقابي، كانت لجان تفتيش تنفذ جولات دورية، وأحياناً يومية، إلى المؤسسات لمراقبة تطبيق قانون العمل والضمان الاجتماعي، وأسهمت في شمول نحو 400 ألف عامل من مختلف القطاعات بمظلة الضمان. غير أن دائرة الضمان الاجتماعي أوقفت عمل هذه اللجان بقرار رسمي.
وبذلك أصبح اكتشاف جانب من المخالفات أكثر اعتماداً على تحرك العامل نفسه وتقديم الشكوى. وتزداد صعوبة هذا المسار عندما يعمل الصحافي من دون عقد موثق، أو لا يملك نسخة موقعة تثبت طبيعة علاقته بالمؤسسة.
في الثاني من كانون الثاني/يناير 2024، خصّص مجلس الوزراء العراقي خمسة مليارات دينار (نحو 3.7 مليون دولار)، لنقابة الصحافيين العراقيين. وشمل التخصيص نفقات علاج الصحافيين من كبار السن والمرضى والرواد، ودعم التكافل الاجتماعي، إضافة إلى علاج وتكافل عائلات شهداء الصحافة الذين يتجاوز عددهم 500، وفق الإعلان. ورحبت النقابة بالقرار في حينه.
لكن الصحافيين المصابين وعائلات الصحافيين القتلى والمتوفين، ممن شملهم التحقيق، قالوا إن النقابة لم تتواصل معهم لإبلاغهم بإمكانية الاستفادة من هذه الأموال؛ ومن بينهم عائلة حرب هزاع في صلاح الدين، وعائلة المصور الصحافي عمر محمد، الذي توفي متأثراً بإصابته.
وفي 12 تموز/يوليو 2026، نشرت النقابة قائمة تضم أسماء 50 صحافياً مشمولين بمبالغ من المنحة ودعتهم إلى مراجعتها.
راجعنا القائمة، ولم نجد فيها اسم أي من الصحافيين المصابين، ممن قابلناهم في أثناء العمل على التحقيق، فيما تضمنت أسماء صحافيين يعملون في النقابة، وأعضاء سابقين في مجلس إدارتها.
لا يكفي وجود هذه الأسماء لإثبات وجود مخالفة في توزيع الأموال؛ فليست لدينا معلومات كاملة عن الحالة الصحية لجميع المشمولين أو المعايير التي اعتمدتها النقابة في اختيارهم.
لكن غياب المصابين الذين وثق التحقيق حالاتهم، وعدم علم بعضهم أساساً بوجود التخصيص، يثير أسئلة بشأن آلية حصر المستفيدين، ومعايير الاختيار، وكيفية الوصول إلى الصحافيين المصابين وعائلات القتلى والمتوفين، الذين يفترض أن يشملهم العلاج والتكافل.
بعد أن أبلغ معد التحقيق عدداً من الصحافيين المصابين بوجود المنحة، توجه ثلاثة منهم إلى نقابة الصحافيين وهم يحملون كتباً ووثائق تتعلق بإصاباتهم وآثارها المستمرة. وبحسب إفاداتهم، طلبت منهم النقابة استكمال سلسلة من الوثائق والمراجعات، إلى جانب تقارير طبية حديثة، قبل دراسة الملفات واتخاذ قرار بشأن شمولهم.
أعاد هذا المسار الصحافيين الثلاثة إلى الإجراءات الحكومية، طوال سنوات، خلال محاولاتهم إثبات الإصابات والوصول إلى حقوقهم، فقرروا عدم استكمال المعاملة، وفق روايتهم.
وتطرح تجربتهم سؤالاً يتجاوز وجود الأموال إلى آلية الوصول إليها: هل تقع على المصاب مسؤولية معرفة وجود المنحة والبدء بمسار جديد لإثبات حالته، أم يفترض بالجهة التي تدير أموال العلاج والتكافل أن تكون لديها آلية للوصول إلى الحالات المعروفة وتحديد احتياجاتها؟
أرسلنا أسئلة إلى نقابة الصحافيين بشأن معايير اختيار المستفيدين، وآلية حصر الصحافيين المصابين وعائلات القتلى، وأسباب عدم وصول التخصيص إلى الحالات التي وثقها التحقيق، إضافة إلى أسئلة عن دورها في عقود العمل وحماية الصحافيين المصابين.
كما تواصل معد التحقيق مع ثلاثة أعضاء في مجلس إدارة النقابة، وأرسل الأسئلة إلى بريدها الرسمي وإلى أعضاء في المجلس. ورغم الوعود المتكررة والموثقة بالرد، لم يصل أي جواب من النقابة حتى تاريخ النشر.
تظهر الحالات والوثائق التي تتبعها التحقيق منظومة حماية تتوزع مسؤولياتها بين أكثر من جهة؛ المؤسسة الإعلامية تحدد علاقة العمل وتكلف الصحافي بالمهمة، فيما يلزم "قانون حقوق الصحافيين" الجهات الإعلامية بالعقود، ويمنح المصابين استحقاقات محددة.
وتتولى وزارة العمل مراقبة تطبيق قوانين العمل والضمان الاجتماعي، لكن لجان التفتيش التابعة لها، التي كانت تتولى زيارة المؤسسات ورصد المخالفات، توقّف عملها.
أما نقابة الصحافيين، فيمنحها القانون دوراً في تنظيم العقود، كما حصلت على تخصيص حكومي بمليارات الدنانير للعلاج والتكافل.
لكن الحالات التي وثّقها التحقيق تكشف غياب مسار حماية واضح للصحافي، يبدأ بعقد عمل موثّق قبل نزوله إلى الميدان، وينتهي بعلاج وتعويض عند وقوع الإصابة.
قبل تسع سنوات، كان "حرب هزاع" و"مصطفى الوحادي" ضمن فريق إعلامي واحد يغطي معركة واحدة. انتهت مهمة حرب على أرض المعركة. وما زالت أسرته، وفق زوجته، تعيش من دون التعويض الذي طالبت به بعد مقتله خلال أداء عمله الصحافي.
أما مصطفى فخرج حياً، لكن بشظايا في جسده ونسبة عجز موثقة تبلغ 50%. أوقفت القناة راتبه بعد الإصابة، ثم انتهت علاقته بها، وما زال حتى اليوم يراجع الجهات الحكومية بحثاً عن استحقاق لم يصل إليه.
وبين مصير الصحافي الذي قُتل، وزميله الذي نجا مصاباً، تتجمع حلقات الخلل التي تتبعها التحقيق: علاقة عمل هشة، وحماية علاجية غير مكتملة، واستحقاقات قانونية يصعب الوصول إليها، ورقابة حكومية تراجع حضورها، وأموال للعلاج والتكافل لم يعرف بعض المصابين الذين وثق التحقيق حالاتهم بوجودها.
انتهت المعركة التي كانا يغطيانها منذ سنوات، لكن كلفتها بقيت موزعة بين أسرة فقدت معيلها وصحافي يحمل آثار إصابته. وتكشف الحالات التي وثّقها التحقيق غياب مسار مؤسسي واضح يحمي الصحافي منذ لحظة تكليفه بالمهمة، ويستمر معه في حال الإصابة أو بعد وفاته.
تواصل معد التحقيق مع جميع المؤسسات الإعلامية التي ورد اسمها أعلاه، عبر عناوينها الرسمية أو من خلال جهات تمثل إداراتها، وأرسل إليها أسئلة تفصيلية بشأن الشهادات والوقائع المنسوبة إليها، بما يضمن حقها في الرد.
Loading ads...
ولم نتلقَّ أي رد من هذه المؤسسات حتى تاريخ نشر التحقيق، سوى رد من قناة الحرة يتعلق بالمصور ميثم رديف، وقناة "الغدير"، التي أرسلت رداً يتعلق بحالتي أحمد البديري ومرتضى الموسوي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





