ساعة واحدة
تركتُ كرة القدم من أجل الشعر… فتركت لي الحياة فواتيرها! - رصيف22
الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

لم أكن أعرف، وأنا طفل، أن الجلوس طويلاً أمام نافذة يمكن أن يكون بداية خسارة كبيرة.
كنت أراقب الأشياء أكثر مما أعيشها. أراقب وجوه الناس، حركاتهم، صمتهم، وأحاول أن أفهم لماذا يقول أحدهم شيئاً بينما تقف عيناه في مكان آخر.
ثم أخذت الكتابة صباي. كان يمكنني، مثل الآخرين، أن أركض خلف مقاصدي، أن أحب بلا أسئلة، وأن أنام دون أن أنقب في رأسي عن جملة ناقصة.
لكنني كنت أكتب. كلما حدث شيء، شعرت أن عليّ أن أحتفظ به وأثبته على الورق، وكأن الحياة لا تصبح حقيقية إلا إذا كتبت عنها.
الشعر لا يأخذ منك العمر وحده. يأخذ منك قدرتك على أن تكون عادياً. يجعلك ترى ما لا يراه الآخرون، وتشعر بما لا يحتاج الآخرون إلى الشعور به، وتعتبر الجملة الجميلة انتصاراً، حتى لو لم يعرف أحد أنها نتاج معركة.
أنفقت شبابي وأنا أطارد سطراً هنا، وصورة هناك، وكان، بالطبع، ثمّة انتصارات بسيطة.
قصيدة أعجبت شخصاً عادياً.
أغنية خرجت من أوراقي إلى أفواه آخرين.
جملة توقفت عندها سيدة وقالت: إنها تشبهني.
أشياء متناهية الصغر إذا وضعتها أمام العمر كله، لكنها كانت تكفيني حينها. لم أكن أفكر في الأرباح.
على عتبة الشيخوخة، اكتشفت أن للحياة قائمة حسابات وفواتير أكثر دقة مما كنت أتوقع.
هل عليَّ أن أعتذر لكرة القدم التي مارستها ثم أهملتها؟
لم أكن أكرهها. كنت فقط مشغولاً عنها بما اعتقدته، حينها، أكثر أهمية.
الآن أتابع سوق انتقالات نجوم الكرة.
أعرف من انتقل إلى فريق جديد، ومن جدّد عقده، ومن ارتفعت قيمته ومن جلس على دكة البدلاء.
أراقب الأرقام التي تتطاير أمامي، وأضحك.
ليس لأن هناك ما يدعو إلى الضحك، لكن لأن الإنسان حين يمضي به العمر يتعلم أن يسخر من الأشياء التي كانت ستؤلمه لو أخذها بجدية.
أحلم الآن بالنذر اليسير جداً.
ولا رصيداً يجعلني مطمئناً،
أحلم فقط بما يكفي لكي أحفظ كرامتي.
أن أسدد أجرة السكن من دون أن أقترض.
أن أدفع مصاريف دراسة الأولاد من دون أن أمد يدي، أو أختار بين كتاب لهم ودواء لي.
صرت أراوغ أمراضي كما يراوغ لاعب عجوز مدافعاً شاباً.
هذه المرة لا أراوغ من أجل إحراز هدف، أراوغ كي أوفر أجرة الطبيب.
أؤجل الفحوصات والتحاليل اللازمة.
أقول: غداً، والغد، لمن هم في مثل سني، كلمة شديدة الخطورة، لأننا نعرف أكثر من أي وقت مضى أن الغد ليس حقاً متاحاً أو مكتسباً، ومع ذلك، نستمر.
لدينا خانات دائمة ينبغي أن تسدد، وفواتير لا تعرف الشعر ولا التأمل، ولا عدد القصائد التي كتبناها.
لدينا أشياء أكثر من أن تحصى، والأغرب أننا لسنا وحدنا، نحن كثيرون، كثيرون جداً، لكننا لا نساوي عمولة متعهد أنجز واحدة من صفقاته أمام أعيننا.
نحن الذين نصفق، نساهم في رفع عدد المشاهدات، نعلق.
نختلف حول من يستحق ومن وجدها تسقط على حجره.
نضيف، دون أن نشعر، إلى أرصدة النجوم الذين ينامون مطمئنين إلى أرصدتهم، ثم نعود إلى منازلنا.
أفكر أحياناً في طفولتي
ماذا لو أنني لم أتأمل كل هذا؟
ماذا لو أنني اقتصدت في الكتابة؟
ماذا لو كنت أهلكت مراهقتي في شيء أكثر نفعاً؟
ماذا لو تعلمت مبكراً أن الموهبة لا تكفي، وأن الحب لا يدفع أجرة البيت، وأن الجملة الجميلة لا تمنح صاحبها دائماً حياة جميلة؟
ثم أتوقف، لا أريد أن ألوم الطفل الذي كنته.
كان يفعل ما يمكنه، وكان يعتقد، بحسن نية، أن الأشياء التي يحبها، ستقدر خياراته وتكافئه يوماً، ولم تكافئه.
لكنها أيضاً لم تخذله تماماً، لقد أعطته شيئاً أهم.
منحته القدرة على أن يرى، والذين يرون يدفعون ثمناً باهظاً،
لكنهم، في المقابل، يعرفون أن الحياة ليست فقط ما يدخل الرصيد البنكي.
هناك ضحكة لا يمكن تقديرها بالمال، وأغنية مرت من خلالك إلى قلب شخص لا تعرفه، وخاطرة دونتها بمحبة ثم اكتشفت، بعد سنوات، أنها كانت الشيء الوحيد الذي أنقذك.
لذلك لا أستطيع أن أؤكد أنني نادم، أنا فقط متعب، وهناك فرق بالضرورة بين الندم والتعب.
الندم يريد أن يعود بك إلى الوراء، أما التعب فيريد فقط أن يرتاح قليلاً.
وأنا أريد أن أرتاح وأن أجلس.
أن أضع الكرة التي أهملتها إلى جواري، أفتح دفتري.
وأنظر إلى كل ما أنفقته من عمري، دون أن أطالب الحياة بمكافأة نهاية الخدمة، ثم أقول لها، بيقين:
أخذت ما استطعت من الدهشة
Loading ads...
وربما كان ذلك، في النهاية، هو الربح الوحيد الذي لا تستطيع الحياة أن تطالبني برده.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





