عندما نتحدث عن مُصالحة تهدف إلى تجاوز الماضي الثقيل، والتقدم في مشروع بناء مفهوم المواطنة السورية، فمن ينبغي أن يتصالح مع مَن؟ الاتفاق على إجابةٍ عن هذا السؤال مهمٌ لأنَّه يحدِّد آفاق نجاح المصالحة في تحقيق أهدافها، ولأنّه يضمن أن يكون النقاش في هذا الموضوع مُنتجًا من الناحية العملية.
ويبدو أنَّ لهذا السؤال أكثر من إجابة؛ ومن بينها، مثلًا، ما طرحه عبد الرحمن الحاج في مادة منشورة في صحيفة العربي الجديد بعنوان "في ضرورة تسوية تاريخية لتجاوز الماضي السوري"، بتاريخ 12 حزيران 2026، فقد دعا الكاتب فيها إلى إعلاء قيمة الاعتراف بالماضي، وتوصيف أحداثه توصيفًا صريحًا، ثم الاعتراف بالتشابك الذي كان قائمًا بين النظام البائد والطائفة العلوية في سورية، بوصفه واقعة تاريخية حدثت بالفعل، ولا ينبغي الالتفاف عليها.
واستنادًا إلى ذلك دعا الحاج إلى "اعتراف عموم الطائفة العلوية بمسؤولية سياسية وتاريخية وأخلاقية جماعية عن تلك الحقبة"، مع الإقرار بأن المسؤولية الجنائية والقانونية تظل، في جوهرها، مسؤولية فردية، وسوَّغ الحاج طرحه، بأن هذا الاعتراف، الذي قد يأتي في صورة اعتذار، يفتح طرائقَ التسامح، وإنتاج "بيئة جديدة تتضمَّن تعزيز القدرة على تجاوز الماضي، وتحقيق الاندماج الوطني ومشروع المواطنة، وتفتح المجال لاندمال الجروح، بتعبير الكاتب، الذي دعم طرحه هذا بالإحالة على تجارب مماثلة، من بينها تجربة راوندا.
كلُّ الذي بين أيدينا، مع أنّه مهم، غير كافٍ، في تقديرنا، لتقديم إجابة ناجزة مقنعة لجميع السوريين، عن سؤال من ينبغي أن يتصالح في سورية مع من؟ لا سيما إذا كانت الإجابة المطلوبة من النوع الذي يستهدف المستقبل، ولا يكتفِ بتصفية حسابات الماضي.
يتضمن هذا الطرح، من دون شك، عنصرًا مُهمًا يستحق الثناء، هو الصدق مع الذات في توصيف الماضي، بعجره وبجره؛ لا طلبًا للانتقام أو الإدانة، بل سعيًا إلى فتح أفقٍ نحو مستقبلٍ متحررٍ من حقائق الماضي المزعجة، عبر مواجهتها بوضوح، بدلَ الهروب منها، أو الالتفاف عليها.
ويبدو أن هذا التوجه قد مهَّد لكتابته آخرون مثل محمد صبرا في مادته منشورة في تلفزيون سوريا بعنوان "قانون تجريم الأسدية وظاهرة أمجد يوسف"، بتاريخ 01 حزيران 2026. فقد ذهب محمد صبرا فيها إلى أن الأسديَّة كانت "تافهةً" بالمعنى التي أرادته حنة أرندت في "تفاهة الشر"؛ أي أن القتلة كانوا، على نحوٍ ما، لا يفكِّرون، ومن ثم قادهم هذا اللاتفكير إلى أن يكونوا جزءًا من منظومة إجرامية تعمل، بتعبير محمد صبرا، "ضد جماعة دينية معادية (يقصد السُنَّة) ينبغي كسرها أو إبادتها رمزياً، وهنا يصبح القتل فعلاً موجهاً ضد الوجود الاجتماعي للآخر، لا ضد فرد محدَّد فحسب".
وهذا بمجمله إطار نظري مهم وصحيح بتقديرنا. ثم دعا صبرا في المادة نفسها إلى سن قانون "تجريم الأسدية"، وساق أكثر من مسوِّغ لدعم هذا الرأي، وكان هذا نقاشٌ مهم أيضًا بحق، لأن تجريم الأسدية له معاني أكبر من التصالح مع حقبة ثقيلة فحسب.
على أي حال، كلُّ الذي بين أيدينا، مع أنّه مهم، غير كافٍ، في تقديرنا، لتقديم إجابة ناجزة مقنعة لجميع السوريين، عن سؤال من ينبغي أن يتصالح في سورية مع من؟ لا سيما إذا كانت الإجابة المطلوبة من النوع الذي يستهدف المستقبل، ولا يكتفِ بتصفية حسابات الماضي.
فإذا سلَّمنا مع عبد الرحمن الحاج بأنَّ جزءًا من المصالحة يمرُّ عبر اعتراف العلويين بالمسؤولية السياسية والأخلاقية والتاريخية بوصفهم جماعة، نكون قد اقتربنا خطوة من المنطق، لكننا نكون، في الوقت نفسه، قد ابتعدنا عنه خطوات؛ فالمنطق يقول إنَّ العلوية ارتبطت بالنظام وهذا قولٌ صادق يقربنا من المنطق خطوة؛ غير أن المنطق نفسه يقول أيضًا إن مفهومًا طائفيًا مثل "الجماعة العلوية"، لا يمكن أن يتصالح مع مفهومٍ سياسي مثل "السوريون" أو "الشعب السوري"، إلا إذا غيَّرت الطائفة معتقداتها وصارت جماعة سياسية، أو إذا صار للشعب السوري معتقد واحد فتحوَّل إلى جماعةٍ طائفية أو عقائدية، وكلا الأمرين غيرُ منطقي.
ومع أنَّ الصدق مهمٌ للتاريخ وللمستقبل معًا، إلا أنّه قد يصبح خطيرًا إن لم يتموضع في إطارٍ وطني أكثر وضوحًا واتساعًا. ذلك أن هذا الاعتراف المطلوب من العلويين، أو الاعتذار، قد يؤدي هو نفسه إلى تبعاتٍ طائفية أيضًا؛ وقد يفتح بابًا لأسئلة قد تكون إجاباتها صعبة إذا اعتمدنا هذا المنطق في الإجابة، ومنها، على سبيل المثال:
بل لمن يكون الاعتذار في مثل هذه الحالات، للشعب السوري، أو للشعيطات، أو لأهالي دير الزور أو لأهالي الجزيرة؟ وفي الحالة الثانية للدروز، أو لأهالي السويداء، أو لمن؟
بل، وأكثر من ذلك، وعلى سبيل المثال، من سيعتذر من اللبنانيين عن سلوك نظام الأسد والمجازر والدمار الذي تسبب به هناك؟ أو لضحايا الكبتاغون والمخدرات في المنطقة وفي العالم؟ هل مطلوب منا بوصفنا سوريين أن نعتذر، أم أن العلويين يعتذرون لهم، ولنا، بوصفهم مادة النظام آنذاك، وهل اعتذار العلويين سيكون مقبولًا في مثل هذه الحالة؟
مع أن الصدق أمرٌ ثمين وينبغي أن يقال ويُثبَّت للتاريخ، ومع أنَّ الجرأة على التفكير بصدق وحسن نيات أمرٌ محمودٌ من دون شك، إلا إننا نعتقد أنَّ المصالحة لا تتم بهذا المنطق، بل نطرح بديلًا نقدمه على أربع مستويات:
وهذا يبدأ بأن تعتذر الدولة السورية من السوريين كلهم، ومن أهالي الضحايا بوجه خاص، عن الإجرام الذي تمَّ باسمها وباسم الوطنية السورية، وباستخدام مقدَّراتها، وأدواتها، ومؤسساتها في فترة حكم الأسد؛ فأحد أهم معاني الحرية هو أن الدولة السورية حرةٌ الآن من آل الأسد، ويفترض أنَّها عادت مُلكًا للشعب السوري.
والدولة مدينةٌ بهذا الاعتذار للشعب بوصفها كائنًا معنويًا، وهذا الاعتذار مهمٌ لإعادة الاعتبار للسياسية الوطنية التي كنّا نُقتل باسمها، ولإعادة قيمة الدولة بوصفها التمثيل الأسمى الذي يعبِّر عن الاجتماع السياسي السوري.
وهذا يتضمن الاعتذار عن سنوات رضينا فيها لأنفسنا الهوانَ؛ فالأسديَّة حكمتنا منذ عام 1970، واقترفت بحقنا مجازر كثيرة، منها ما هو فظيع مثل مجزرة حماة، وغيرها كثير، ولم نتحرك، ولم نحرك ساكنًا.. هكذا إلى أن شجعتنا مَوجةُ تغيير عربية بدأتها الجماهير في تونس ثم مصر وليبيا.
هذا النوع من التصالح المهم مع الذات هو ما أدركه السوريون العاديون عندما كانوا يهتفون "يا حماة سامحينا" وكان يغنيها الساروت مُمثلًا للعاديين منَّا. هذا ليس جلد ذات، بل تصالحٌ مع الذات.
عندما يقول محمد صبرا إنّه يريد قانون تجريم الأسدية، ونتفق معه بأنَّ الأسدية كانت تافهةً، وهي كذلك فعلًا؛ فإنّنا لا ينبغي أن ننسى، أو ننكر، حقَّ الإنسان في أن يكون تافهًا؛ ولذلك ما ينبغي أن نفهمه في العمق من قانون تجريم الاسدية هو تجريم وصول التافهين إلى مراكز صنع القرار، وإلى مفاصل الدولة الحساسة التي لها تأثير مباشر في حياة الناس، وأمنهم، ومستقبل أطفالهم.
وهذا هو المعنى العميق لمثل هكذا قانون، أو لن يكون مفيدًا. يعني "تجريم الأسدية"، في العمق، تجريم حضور التفاهة في الدولة، وفي مجال السياسة. ويعني ذلك أنَّ على كلِّ سوري يريد أن يعمل في السياسة أن يتعلَّم التفكير أولًا قبل أن يفكِّر في ممارسة هذا الفن الذي يسمى سياسة، وقبل أن يدعي تمثيل الدولة هنا وهناك. والتفكير غير العلم، وغير الدين أيضًا.
هذه مسؤوليات لا تتحملها الطائفة العلوية كما أراد عبد الرحمن الحاج؛ إلا إن التفكير الأجدى بتقديرنا بأن نميز بين الأنواع الثلاث من المسؤولية كالآتي:
ومن الصدق أن نتذكَر دائمًا أن قابلية التشبيح وكتابة التقارير والفساد والإفساد كانت عابرة للطوائف والملل والمناطق ولكل شيء. وهذا لا ينفي أن النظام حوَّل العلوية إلى شبكة ثقة سوداء بأي حال، واستخدم منها أكثر ممّا استخدم من غيرها.
وكانت الأغلبية الساحقة من العرب في هذا الفترة أيضًا ترحب بالأسد، وتستمع إلى محاضراته في القمم العربية والإسلامية يتكلم عن حق الشعوب في الحياة بعد أن قتل وهجر أكثر من نصف الشعب السوري.
وإذا اتفقنا مع منطق اعتذار العلويين، مثلما طرح الحاج؛ فعلينا أن نطلب اعتذارًا من هؤلاء كلهم، ونضعه هدفًا في صلب السياسة الخارجية لسورية الجديدة، وبطبيعة الحال هذا غير عملي، وغير وارد، كما نعرف جميعًا.
ولكن، أيضًا، ثمة سؤال مهم في هذا السياق لا يمكن استبعاده من هذا النقاش الأخلاقي نفسه: لأجل ماذا مات آلاف السوريين على أيدي آلاف السوريين الآخرين في سورية الحرة، بعد رحيل الأسد؟ الإجابة عن هذه الأسئلة قد تساعد في تحديد المسؤولية الأخلاقية. ومع أنّه نقاش صعب، إلا أنّه مهمٌ وضروري.
Loading ads...
لا يدعي كلُّ الذي سبق امتلاكَ أي نوعٍ من الحقيقة بطبيعة الحال، بل يهدف إلى تناول الموضوعات من أكثر من زاوية لمحاولة بناء تقاليد عمومية سورية جديدة قد تساهم في تحديد ما هو خير لنا في المستقبل، وما هو شر؛ فالشعب السوري يستحق بعد كل هذه العذابات بأن يحظى بمستقبلٍ جميلٍ بحق، وأن يكون شعبًا واحدًا كما أراد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

