منذ أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2025، تعيش إيران على وقع موجة احتجاجات واسعة، اندلعت شرارتها من تردي الأوضاع المعيشية، وارتفاع معدلات التضخم، لتتحول سريعاً من مطالب اقتصادية إلى حراك اجتماعي وسياسي كبير، امتد من العاصمة طهران إلى مختلف المحافظات.
وقد كان لافتاً حجم القمع الذي مارسته السلطات الإيرانية لاحتواء الاحتجاجات، من انقطاع شبه تام للإنترنت لفترات طويلة، إلى حملات اعتقال واسعة، ومصادرة ممتلكات لأشخاص، اتهموا بدعم الاحتجاجات.
وبينما تشير منظمات حقوقية، إلى أن أعداد الضحايا تجاوز الآلاف، تصر طهران على اتهام “عناصر خارجية” بالوقوف وراء الاضطرابات، لتضع بذلك علاقاتها الدولية تحت مجهر الانتقاد، وتعيد طرح التساؤلات حول قدرة النظام على الاستمرار في تمويل أذرعه الإقليمية، وسط هذا الاستنزاف الداخلي.
وهكذا غدت الاحتجاجات الإيرانية، في صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، وسط تباين في المواقف بين دول غربية، دعت إلى احترام حق التظاهر، وإيران التي اتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل بالتدخل في الشؤون الداخلية.
انحسار “الفائض الاستراتيجي” لدعم الحلفاء
في هذا السياق، يرى المحلل العسكري الدكتور علي الذهب، أن هذه الاحتجاجات تشكل تحدياً حقيقياً لقدرة طهران على إسناد حلفائها عسكرياً ومادياً.
ويؤكد الذهب في تصريح خاص لـ”الحل نت”، أن “الدعم المادي والعسكري يتعرض لضغوط حقيقية بسبب انشغال النظام بأزماته الداخلية، وهو ما يدفعه لإعادة ترتيب أولوياته الدفاعية في مواجهة التهديدات الخارجية، بينما يظل الدعم السياسي قائماً عبر الأدوات الدبلوماسية، أو الوسطاء الدوليين مثل الصين وروسيا”.
ويشير الذهب، إلى أن سيناريو اهتزاز النظام في طهران، سيفقد جماعة “الحوثي” حليفها الدولي الوحيد، وهو ما لن يؤثر على الموارد فحسب، بل سيهز الشرعية السياسية والاستراتيجية، التي تمنحها لهم إيران.
ومع ذلك، ينوه الذهب، إلى أن سلطة الجماعة “الحوثية” في اليمن تستفيد من عوامل داخلية، أبرزها ضعف الحكومة الشرعية وانقساماتها، في ظل تراجع الحماس الإقليمي، لخوض مواجهة طويلة في اليمن، وقدرة الجماعة على فرض حضورها العسكري والسياسي بمواردها الذاتية.
رؤية “الحوثيين”: “مسألة داخلية لا علاقة لها باليمن”
على الطرف المقابل، يرى القيادي في جماعة “الحوثي” وعضو مجلس الشورى، نائف حيدان، أن ما يحدث في إيران “مسألة داخلية”، لا علاقة لها بـ”الحوثيين” أو اليمن.
ويصف حيدان في تصريح لـ”الحل نت”، الاحتجاجات بأنها ظاهرة حقوقية تستوجب الإصلاحات، متهماً القوى “الصهيوأميركية” بمحاولة استغلالها للإخلال بالأمن الإيراني.
ويشدد حيدان، على أن علاقة جماعة “الحوثي” بطهران، مرتبطة بمواقف سياسية تجاه “القضية الفلسطينية” و”رفض السياسات الأميركية”، نافياً تلقي جماعته “أوامر” من طهران.
ويؤكد القيادي “الحوثي” أن الجماعة المدعومة من إيران في اليمن، تعتمد على قدراتها الذاتية منذ عام 2014، ولا تخشى تغير المواقف الخارجية، لأنها لا تعتمد عليها بشكل كامل.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
اهتزاز “المركز” ومأزق المشروع الإقليمي
يرى مراقبون أن الواقع أكثر تعقيداً، فالتراجع الاقتصادي الإيراني والانقطاع التقني والعقوبات الدولية، كلها تضيق الخناق على شبكات التمويل واللوجستيات المرتبطة بدعم الحلفاء.
وهنا يبرز رأي الخبير السياسي عبد الستار الشميري، الذي يؤكد لـ”الحل نت”، أن هذه الاحتجاجات تشير إلى اهتزاز في “مركز القوة” الذي تستند إليه جماعة “الحوثي”، وهو ما يحوّل علاقتها مع طهران من “مشروع توسع”، إلى “أداة تكتيكية” تٌستثمر عند الحاجة فقط.
ويضيف الشميري، أن “المشروع الإيراني الذي قام على استثمار الفوضى، يواجه اليوم اختباراً في عقر داره، وأي نظام مأزوم داخلياً لن يستطيع حماية مشاريعه الخارجية إلى الأبد”.
وهذا التحول يضع جماعة “الحوثي” أمام مأزق استراتيجي، فرغم امتلاكها لأدوات قهر محلية، إلا أنها تفقد تدريجياً الغطاء الإقليمي الذي كان يوفر لها المناورة السياسية.
هل تتراجع قدرة إيران على إسناد “الحوثيين”؟
لا تعني الاحتجاجات بالضرورة انهيار الدعم الإيراني الكامل للحلفاء، لكنها تخلق معادلات ضغط استراتيجية جديدة، أهمها، انشغال إيران بأزماتها الداخلية.
وتحد الاحتجاجات بطبيعة الحال، من فائضها الاستراتيجي لدعم الملفات الإقليمية، كما أن العقوبات الدولية والضغوط الأميركية الحالية، تستهدف شبكات التمويل واللوجستيات المرتبطة بدعم الجماعات الحليفة.
ويؤثر تراجع موارد طهران الاقتصادية، بفعل الاحتجاجات الشعبية والأزمة الاقتصادية المتفاقمة، بشكل مباشر على أعمالها التجارية والتقنية.
ومن جهة أخرى، لدى جماعة “الحوثي” عوامل تعويض ذاتية مثل “الاقتصاد الحربي” الخاص بها، بالإضافة إلى شبكة مالية وجبايات محلية، في ظل غياب منافس حكومي قوي يضغط عليها.
وبناء على ذلك، فإن تراجع الدعم الإيراني لا يعني انهيار نفوذ جماعة “الحوثي” في اليمن، لكنه قد يدفع الجماعة إلى تنويع خياراتها الاستراتيجية، أو إعادة ترتيب سلوكها السياسي للتكيف، مع مشهد إقليمي متغير.
سيناريوهات المستقبل وتوازنات النفوذ
هذه المعطيات، تبرز سيناريوهات عدة لمستقبل هذا التحالف، فإما استمرار الدعم بوتيرة منخفضة وتراجع تدريجي، أو دفع جماعة “الحوثي” نحو تعزيز قدراتها الذاتية، وتنويع تحالفاتها المحلية للتكيف مع غياب “الظهير القوي”.
وفي حال تطور الصدام الداخلي في إيران، قد ينفتح الباب أمام تفاهمات سياسية جديدة في اليمن، تفرضها موازين القوى المتغيرة.
وجاءت الاحتجاجات في إيران، في وقت كانت فيه طهران تشهد تراجعاً تدريجياً لنفوذها الإقليمي قبل اندلاع الحراك الشعبي، بسبب انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، و”حزب الله” في لبنان.
كما أن الضغط الدولي على ملفها النووي، وسياسات العقوبات، مع استمرار معارك النفوذ في الخليج والبحر الأحمر، جعل الساحة اليمنية أكثر حساسية لإعادة ترتيب التحالفات، لصالح أطراف إقليمية ودولية، تسعى إلى تفاهمات أمنية وسياسية في المنطقة.
وإذا تطورت الاحتجاجات إلى صدام خارجي بين إيران وخصومها الإقليميين، فقد يشهد الملف اليمني تحولات في أدوار القوى المحيطة، لٌيفتح بذلك باب لتفاهمات سياسية أو استراتيجيات مواجهة جديدة.
وفي كل الأحوال، فقد أعادت الاحتجاجات الإيرانية ترتيب موازين النفوذ والتساؤلات حول جدوى الإسناد الكامل لحلفاء طهران، وفي مقدمتها جماعة “الحوثي” في اليمن.
Loading ads...
ومع أن جماعة “الحوثي” تمتلك “اقتصاد حرب”، وشبكة جباية محلية تمنحها نوعاً من الاستقلالية، إلا أن اهتزاز المركز في طهران، يعيد رسم خطوط النفوذ في المنطقة، ويفتح مساحات لمراجعة التحالفات، بما يتوافق مع مشهد إقليمي متغير، وسط ترقب ما ستسفر عنه الأيام القادمة في شوارع طهران، التي قد تحدد ملامح المرحلة القادمة في صنعاء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





