2 أشهر
المدينة المنورة: أيقونة ثقافية تربط بين الماضي والمستقبل
الثلاثاء، 31 مارس 2026

في عالم يتسارع فيه التحول الحضري، وتتصاعد فيه التحديات المرتبطة بهوية المدن واستدامة مواردها، تقدم المدينة المنورة نموذجاً لافتاً لتجربة تنموية تستند إلى الثقافة بوصفها رافعة أساسية للتنمية. وهذه المقاربة ليست عفوية، بل هي نتاج عمل منظم يرتكز على رؤية السعودية 2030، ويترجمها القطاعان الحكومي والخاص، عبر صياغة رؤية تجعل من المدينة المنورة وجهة ثقافية وسياحية جاذبة ذات عمق عالمي دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية والإنسانية.
المدينة المنورة، التي تستقبل سنوياً الملايين من مختلف أنحاء العالم، لم تكتف بدورها مقصداً يجذب الزوار فحسب، بل أعادت تعريف نفسها باعتبارها حاضنة للعلم والمعرفة، وملتقى للفنون، وأيقونة للتنمية الثقافية المستدامة. وهنا يتجلى أحد أبعاد رؤية وطننا التي وضعت الثقافة ضمن ركائز التحول الوطني، واعتبرت السياحة امتداداً لها من خلال استثمار الأصول المادية وغير المادية بما يعزز مكانة المملكة عالمياً، ويرسخ دور المدينة المنورة جسراً حضارياً يربط الماضي الأصيل بالحاضر المتجدد والمستقبل الواعد.
الثقافة عنصر محوري في التنمية
إن تاريخ المدينة المنورة الممتد عبر القرون منحها مخزوناً فريداً من المواقع التراثية والدينية، التي يتجاوز عددها ثلاثة آلاف موقع موثق في السجل الوطني للتراث العمراني. غير أن التحدي لم يكن في وفرة هذا الإرث، بل في القدرة على توظيفه وتنشيطه ضمن سياق حضري معاصر. ولهذا تبنت المدينة المنورة استراتيجية متكاملة ترتكز على ترميم المواقع التاريخية وتفعيلها، وربطها في سردية واحدة تعكس هوية المكان وتثري تجربة الزائر.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك: مشروع الملك سلمان لتوسعة مسجد قباء وتطوير المنطقة المحيطة به، وإعادة تأهيل الآبار والمزارع والمساجد التاريخية المرتبطة بسيرة النبي ﷺ، مثل بئر غرس وبئر الفقير، إضافة إلى تطوير المواقع التاريخية في بدر وأحد والخندق، ومشروع "درب الهجرة – على خطاه". فهذه المشاريع لم تقدم التراث بوصفه ماضياً جامداً، بل باعتباره مورداً معرفياً وإنسانياً حياً يتفاعل مع احتياجات الحاضر ويعزز قيمة الهوية المحلية.
المدينة الذكية في خدمة الثقافة
وامتداداً للتوجه الوطني نحو بناء مدن ذكية تسهم في تحسين جودة الحياة، حققت المدينة المنورة تقدماً في مؤشر IMD للمدن الذكية لعام 2025، لتكون في المرتبة 67 عالمياً. ويعكس هذا الإنجاز مدى التقدم الذي تشهده المدينة في تبني الحلول الذكية وتطوير بيئة حضرية مستدامة ومتكاملة. ولعل توظيف التقنيات، عبر منصة "روح المدينة" وخدمة المرشد الافتراضي "بدر" بست لغات، أصبح اليوم رفيقاً رقمياً موثوقاً لزوار طيبة الطيبة كافة، كما يتيح "دليل تجارب المدينة المنورة" فهم التجارب والعادات اليومية للسكان والزوار، بما يجعل مقدمي الخدمات قادرين على تحسين تجاربهم وخدماتهم.
بناء سردية مكانية متكاملة
بدلاً من عرض المواقع التاريخية على أنها مواقع منفصلة، عملنا على بناء شبكة متصلة لتكون متحفاً حضرياً مفتوحاً، من خلال مشاريع "المسارات التاريخية". أتاح هذا النهج للزائر أن يعيش تجربة متدرجة تربط بين المعالم، وتظهِر الترابط بين أحداث السيرة النبوية وتاريخ المدينة المنورة. ويبرز هنا مشروعا وادي العقيق ووادي قناة، اللذان جرى تأهيلهما ليصبحا متنزهين طبيعيين يجمعان بين البعد الإنساني والتجربة الثقافية والبيئية والاجتماعية.
هذه المشاريع لا تخدم الزائر فقط، بل تعزز جودة الحياة للسكان، حيث تتحول المواقع التاريخية والإثرائية إلى شبكة من الفضاءات والفراغات العامة، تمارس فيها مختلف الأنشطة الاجتماعية والثقافية، فضلاً عن تطوير الطرقات الرئيسية والممرات، وتحسين واجهات المباني ضمن برنامج الأنسنة، وتوسيع نطاق التشجير والمسطحات الخضراء، في خطوة تدعم هوية المدينة المنورة.
الأنوية الثقافية الجديدة
إلى جانب إحياء التراث المادي، عملت المدينة المنورة على إنشاء أنوية ثقافية معاصرة تعزز حيويتها، ومن ذلك مركز القبلتين الحضاري، ومتحف وبستان الصافية اللذان يقدمان نموذجاً يجمع بين العرض المتحفي والأنشطة التفاعلية، كما يجري تطوير مشروع "محكى الخندق" الذي يحاكي الأحداثَ التاريخية، ويتيح للزوار تجربة تعليمية قائمة على التفاعل لا على السرد التقليدي، وذلك في شراكة نوعية بين القطاعين العام والخاص والقطاع الثالث.
كما أطلق صندوق الاستثمارات العامة شركة "قصص" التي تعمل على تطوير تجارب تفاعلية تعتمد تكنولوجيا متقدمة لسرد حكايات مستوحاة من الثقافة والتاريخ الوطني، بالإضافة إلى شركة "تراث المدينة" التي تهتم بنخيل المدينة المنورة وتمورها باعتبارها موروثاً ثقافياً واقتصادياً.
في حين يجمع مجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية بالمدينة المنورة بين شرف المكان والتسمية، حيث يعد صرحاً ثقافياً ومن أهم المكتبات التي تضم هذا النوع من الإرث الثقافي والتاريخي على مستوى العالم، إذ يضم أكثر من 40 مكتبة وقفية تشتمل على ما يزيد على 100 ألف كتاب، وما يزيد على 25 ألف مخطوط أصلي، وأكثر من 1850 مصحفاً نادراً، والعديد من المخطوطات والكتب التي كانت تهدى وتوقف عبر مئات السنين إلى المسجد النبوي الشريف، كما يعمل مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط على أن يكون منصة عالمية لصون جماليات الحرف العربي وفنونه.
الأدب والفنون باعتبارهما من الوسائط المعاصرة
لم تقف الجهود عند البنية المكانية، بل امتدت إلى المحتوى الثقافي نفسه؛ فالمعارض الأدبية، مثل معرض المدينة المنورة للكتاب، وفرت مساحة للتفاعل بين الكتاب والقراء، في حين أسهمت برامج مركز المدينة للفنون المعاصرة، إضافة إلى دعم المقاهي الأدبية، والبودكاست، والوثائقيات في نقل الهوية الثقافية إلى منصات جديدة أكثر قرباً من الأجيال الشابة.
بهذا المعنى، لم تعد المدينة المنورة مجرد وعاء للتاريخ، بل منتجة للمعرفة الحديثة، قادرة على مخاطبة جمهورها بلغات متعددة، من الشعر والأدب والثقافة وصولاً إلى الوسائط الرقمية.
الهوية الثقافية للطعام بصفتها جزءاً من السردية
في تجربة المدينة المنورة، يشكل فن الطهو بعداً من الهوية الثقافية. فمن تبادل الطهاة مع ماليزيا وتأسيس جمعية للطهاة المحليين، إلى مبادرات مثل مقهى "إرث" المدعوم من هيئة فنون الطهو، أصبح المطبخ المدني وسيلة لسرد الحكاية ونقل الثقافة عبر الأطباق. هذا التوجه ينسجم مع رؤية أوسع تعتبر الثقافة منظومة متكاملة تشمل التراث المادي واللامادي، وتعيد صياغة العلاقة بين المجتمع والمدينة؛ ممهداً الطريق للمطبخ المدني ليعبر من المحلية إلى العالمية.
السياحة امتداد للثقافة
على الرغم من أن التركيز الأساسي كان على البعد الثقافي، فإن السياحة حاضرة باعتبارها امتداداً طبيعياً لهذه الهوية. فقد تجاوز عدد زوار منطقة المدينة المنورة 18.8 مليون زائر في عام 2024، وهو ما استلزم تعزيز البنية التحتية لتواكب هذا النمو. وتصدرت المدينة المنورة في هذا الجانب مدن المملكة العربية السعودية المدرجة ضمن أفضل 100 وجهة سياحية عالمية لعام 2024، وفق تقرير منظمة "يورومونيتور إنترناشونال". كما ارتفع متوسط فترة إقامة الزائر في المدينة المنورة خلال عام 2023 إلى 10 أيام، مقارنة بيومين فقط في عام 2018.
وقد بدأ العمل على توسعة قطاع الضيافة ليستوعب أكثر من 123 ألف غرفة بحلول 2030، كما أطلقنا مشاريع للنقل العام مثل "حافلات المدينة"، والنقل الترددي، وحافلات الجولات السياحية "جولة"، وخدمات النقل الخفيف عبر الدراجات الهوائية والدراجات الكهربائية "كريم بايك"، لتيسير حركة الزوار بين المسجد النبوي والمواقع التاريخية والحيوية.
هذه الجهود لم تنفذ بمعزل عن السكان، بل جاءت في إطار فلسفة "المدينة المتوازنة" التي تسعى إلى خدمة الزائر مع الحفاظ على جودة حياة السكان. وكانت النتيجة ارتفاع مؤشر الرضا من 59% في عام 2023 إلى 82% بنهاية عام 2024؛ وهو ما يعد دليلاً على أن التنمية السياحية لم تأت على حساب الهوية أو الاستدامة، بل جاءت معززة لهما ومتكاملة معهما.
المدينة المنورة نموذج حضاري للمستقبل
من خلال هذا المسار، وفي سياق تكامل الجهود بين الوزارات والهيئات، فإن المدينة المنورة، بدعم وتمكين من حكومة المملكة، وبمتابعة وإشراف من سمو أمير المنطقة الأمير سلمان بن سلطان بن عبد العزيز، ترسم ملامح نموذج يحتذى عالمياً، ويؤكد أن مدينة ذات طابع ديني يمكنها أن تعيد تعريف نفسها عبر الثقافة، وتحول تراثها إلى محرك فاعل للتنمية المستدامة.
إن تجربة المدينة المنورة تظهر أن الثقافة ليست قطاعاً تكميلياً، بل هي الإطار الذي يربط بين السياحة والبنية التحتية والمجتمع المحلي. وهي بذلك تقدم إجابة عملية عن سؤال يواجه العديد من المدن: كيف نحافظ على هوية المكان في ظل التحولات العالمية المتسارعة؟
Loading ads...
اليوم، لم تعد المدينة المنورة مجرد محطة للزيارة والعبور، بل تحولت إلى أيقونة ثقافية تجمع بين الماضي والمستقبل، وتوفر تجربة إنسانية ملهمة للساكن والزائر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





