ساعة واحدة
لماذا يرهقنا التفكير المستمر؟ آلية عصبية وكيميائية وراء التعب الذهني
الأحد، 1 نوفمبر 2026

توصل باحثون إلى آلية عصبية قد تفسر أسباب الشعور بالإرهاق وتراجع الرغبة في مواصلة المهام الصعبة بسبب التفكير المكثف لفترة طويلة، بعدما أظهرت تجربة بشرية أن النشاط المستمر في منطقة مسؤولة عن التحكم المعرفي بالدماغ يرتبط بتراكم مركبات كيميائية تؤثر في الدافع إلى بذل مزيد من الجهد العقلي.
وأظهرت الدراسة التي نشرتها دورية PNAS أن التعب الذهني لا يقتصر على الشعور النفسي بالإجهاد أو الملل، بل قد ينشأ جزئياً عن تغيرات كيميائية عصبية تحدث أثناء العمل المعرفي المتواصل، وهو ما يساعد في تفسير انخفاض الأداء وزيادة الأخطاء بعد فترات طويلة من التركيز.
والإرهاق العقلي مشكلة شائعة في الأنشطة التي تتطلب انتباهاً مستمراً واتخاذ قرارات معقدة، بدءاً من الدراسة والعمل المكتبي، وصولاً إلى المهن الحساسة التي قد تترتب على الأخطاء فيها عواقب خطيرة، مثل الطب والطيران ومراقبة العمليات الصناعية.
ورغم معرفة العلماء منذ سنوات أن الأداء المعرفي يتراجع مع استمرار المجهود الذهني، إلا أن الأسباب الدقيقة وراء هذه الظاهرة ظلت موضع نقاش، خاصة إذا كان الدماغ يقلل استعداده لبذل الجهد نتيجة حسابات تتعلق بالتكلفة والمكافأة، أو بسبب تغيرات بيولوجية تحدث داخل الخلايا العصبية.
وللتحقق من هذه المسألة، أجرى البحاثون تجربة على 31 متطوعاً من الأصحاء، جمعت بين التحفيز الدماغي والتصوير بالرنين المغناطيسي والتحليل الطيفي، بهدف رصد العلاقة بين النشاط العصبي والتغيرات الكيميائية والدافع إلى مواصلة العمل العقلي.
وركز الباحثون على منطقة تعرف باسم القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية؛ وهي جزء من الفص الجبهي يؤدي دوراً أساسياً في الذاكرة العاملة والتخطيط والتحكم في الانتباه وتوجيه الأفكار والسلوك نحو تحقيق الأهداف.
وتساعد هذه المنطقة الإنسان على الاحتفاظ بالمعلومات لفترات قصيرة ومعالجتها، ومقاومة المشتتات، وتنظيم القرارات التي تتطلب مجهوداً ذهنياً، ولذلك تعد من المناطق الرئيسية المشاركة في أداء المهام المعرفية المعقدة.
وخلال التجربة، طلب الباحثون من المشاركين أداء مهمة صعبة تعتمد على الذاكرة أثناء وجودهم داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي؛ وكان على المتطوعين الاختيار بصورة متكررة بين أداء مهام تتطلب جهداً عقلياً مرتفعاً مقابل مكافآت أكبر، أو اختيار مهام أسهل ذات مكافآت أقل.
وسمح هذا التصميم للباحثين بقياس ما يعرف بالتعب التحفيزي، الذي يظهر عندما يصبح الشخص أقل استعداداً لتحمل التكلفة الذهنية المطلوبة للحصول على مكافأة، حتى عندما تظل المكافأة الأعلى متاحة.
وأثناء تنفيذ المهام، استخدم الباحثون نوعين من التدخل؛ الأول تحفيز استثاري لمنطقة القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية اليسرى، والثاني تحفيز وهمي للمقارنة، بهدف اختبار تأثير زيادة نشاط المنطقة على الأداء والدافعية.
واستخدم الباحثون التصوير الطيفي بالرنين المغناطيسي لقياس مستقلبات الجلوتامات، وهي مركبات ترتبط بأحد أهم النواقل العصبية الاستثارية في الدماغ.
والجلوتامات مادة كيميائية أساسية للتواصل بين الخلايا العصبية، وتشارك في عمليات التعلم والذاكرة ونقل الإشارات، لكن تغير مستوياتها المحلية وعمليات استقلابها قد يعكس تغيرات في البيئة الكيميائية المصاحبة للنشاط العصبي المكثف.
وأظهرت النتائج أن التحفيز الاستثاري للمنطقة الدماغية المستهدفة أدى في البداية إلى تحسين أداء المشاركين في مهمة الذاكرة، ما يشير إلى أن زيادة نشاطها قد تعزز القدرة المعرفية على المدى القصير.
لكن هذا التحسن لم يستمر على مستوى الاستعداد لبذل الجهد؛ فمع تواصل المهمة، أصبح المشاركون الذين تلقوا التحفيز الاستثاري أقل ميلاً إلى اختيار الخيارات ذات الجهد العقلي المرتفع، رغم ارتباطها بمكافآت أكبر، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشراً على زيادة التعب التحفيزي.
وكشف التحليل الطيفي أن النشاط المتزايد في المنطقة الدماغية خلال المجهود الذهني المستمر ارتبط بتراكم محلي لمستقلبات الجلوتامات.
وتدعم هذه النتائج فرضية أن استمرار تشغيل الدوائر العصبية المسؤولة عن التحكم المعرفي قد يفرض تكلفة كيميائية عصبية، تجعل مواصلة التفكير المكثف أقل جاذبية من الناحية التحفيزية.
وبذلك، قد لا يكون تراجع الرغبة في أداء المهام الصعبة مجرد استجابة نفسية للملل أو انخفاض الحافز، وإنما يرتبط أيضاً بالتغيرات البيولوجية الناتجة عن النشاط العصبي المستمر.
وتقدم النتائج تفسيراً محتملاً للتناقض الذي يواجهه كثيرون أثناء العمل الذهني، إذ قد يتمكن الإنسان من مواصلة أداء مهمة معقدة من الناحية المعرفية، لكنه يصبح أقل رغبة في استثمار الجهد المطلوب لإكمالها.
كما تشير إلى أن زيادة النشاط في المناطق المسؤولة عن التركيز قد تحقق مكاسب فورية في الأداء، لكنها قد تترافق لاحقاً مع ارتفاع التكلفة المرتبطة بمواصلة الجهد.
ومع ذلك، لا تثبت النتائج أن تراكم مستقلبات الجلوتامات وحده مسؤول عن جميع أشكال الإرهاق الذهني، ولا تعني أن الجلوتامات مادة ضارة بطبيعتها، نظراً لدورها الحيوي في وظائف الدماغ الطبيعية.
وتظل هناك حاجة إلى تجارب أوسع لتحديد كيفية تطور هذه التغيرات الكيميائية مع مرور الوقت، ومدى إمكانية عكسها بالراحة، وما إذا كانت الآلية نفسها تنطبق على الأنشطة اليومية والمهن التي تتطلب تركيزاً لساعات طويلة.
كما أن اقتصار التجربة على 31 مشاركاً من الأصحاء يجعل تعميم نتائجها على الفئات العمرية والحالات الصحية المختلفة أمراً يحتاج إلى مزيد من البحث.
ويرى الباحثون أن النتائج تدعم النماذج العصبية البيولوجية التي تفسر لماذا يعد التفكير المكثف نشاطاً مكلفاً، وتفتح المجال لفهم أفضل للعلاقة بين كيمياء الدماغ والدافعية والأداء المعرفي.
Loading ads...
وتسلط النتائج الضوء على أن القدرة على التفكير لا تعتمد فقط على كفاءة الدوائر العصبية، بل قد تتأثر أيضاً بالتكلفة البيولوجية لاستمرار تشغيلها، وهو ما يقدم تفسيراً علمياً محتملاً لسبب صعوبة الحفاظ على التركيز والرغبة في بذل المجهود العقلي بالمستوى نفسه طوال الوقت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

غاتوزو: سنصبح فريقاً عادياً لو فقدنا عزيمتنا
منذ ثانية واحدة
0

«لا ليغا»: فالنسيا يهزم إلتشي بصعوبة
منذ ثانية واحدة
0


