2 أيام
استحواذ حازم الشرع على "البوابة الذهبية".. ملامح إعادة هندسة الثروة والنفوذ في دمشق
الخميس، 5 فبراير 2026

منذ أن أحكمت السلطات في دمشق قبضتها على مفاصل الدولة، انخرطت في استراتيجية بالغة التعقيد تهدف إلى “إعادة هندسة” البنية التحتية للاقتصاد السوري برمتها، وهي عملية لم تكن تستهدف تحفيز النمو بقدر ما كانت تسعى لإنتاج طبقة اقتصادية وليدة، تدين بالولاء المطلق وتعمل كدرع مالي يؤمن حدًا أدنى من الاستقرار الداخلي المستدام.
وبحسب تقرير معمق نشره موقع “اقتصادي”، فإن هذا المسار لم يكن معزولًا عن التحولات السياسية، بل تزامن مع عملية “ضبط إيقاع” دقيقة لموازين القوى داخل الطبقة العسكرية التي ظلت لسنوات الحرب الطويلة فاعلًا مستترًا وقويًا في الاقتصاد السياسي للسلطة.
تحييد النخبة العسكرية القديمة
وفقًا للتقرير فإن الحكومة عملت في الآونة الأخيرة على تحييد تدريجي لعدد من الشخصيات العسكرية النافذة التي شكلت جزءًا أصيلًا من منظومة الحكم، إما عبر الإقصاء الهادئ من المشهد أو النقل إلى مواقع شرفية تفتقر للتأثير الفعلي، لافتًا إلى أن ذلك في ظل شح المعلومات حول مصير هؤلاء وما إذا كانوا يخضعون لتدابير تقييدية كالإقامة الجبرية، مع الحفاظ على أدوار استشارية رمزية لبعضهم لتجنب حدوث تصدعات في جسم السلطة أو انفجار صدامات مباشرة قد تهدد استقرار المرحلة الانتقالية.
ويشير التقرير الاقتصادي إلى أن هذا النهج يندرج ضمن مخطط أوسع لتفكيك “إمبراطوريات الظل” وشبكات النفوذ التي تراكمت خلال عقد ونصف من الصراع، حيث بسطت تلك الشبكات سيطرتها على قطاعات حيوية كالطاقة، والنقل، والتجارة البينية غير النظامية.
وأوضح أنها شبكات تداخلت مصالحها العضوية مع رجال أعمال بارزين يواجهون اليوم “مقصلة” التسويات المالية، وقد تم تصنيف هؤلاء التجار ضمن فئات متباينة، لكل منها بروتوكول خاص للتعامل وشروط قاسية للبقاء تحت مظلة الشرعية الاقتصادية الجديدة.
فجوات الخبرة الحكومية وتحولات الاقتصاد
بيد أن هذا المسار كشف في طياته عن فجوات في الخبرة الحكومية فيما يتعلق بإدارة التحول من “اقتصاد الحرب” القائم على التحالفات العسكرية-التجارية إلى نموذج مركزي صارم، خاصة في تقدير الفروقات الجوهرية بين الموارد المتاحة وتلك المتوقعة، مما جعل عملية الانتقال محفوفة بتكاليف سياسية باهظة ومخاطر اقتصادية قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يتم ضبط إيقاع الاستحواذات بشكل احترافي.
في سياق متصل، اعتمدت دمشق سياسة “التسويات الانتقائية” مع رموز المال، حيث تفاوتت الشروط بناءً على الثقل النوعي لكل رجل أعمال وحجم تشابكاته الدولية والإقليمية، فبينما استعاد البعض حصانته الرسمية كحال محمد حمشو، خضع آخرون لمفاوضات مريرة انتهت باقتطاع حصص سيادية من ثرواتهم تراوحت ما بين نصفها إلى ثمانين بالمئة، كما جرى مع وسيم قطان وطريف الأخرس وسامر الفوز، بحسب التقرير.
وأفاد التقرير بأن العقبة التي واجهت صانع القرار الاقتصادي تمثلت في إصرار الدولة على الوصول إلى الأصول الخارجية والسيولة المودعة في المصارف العالمية، وعدم الاكتفاء بالاستحواذ على النشاط المحلي.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
توزيع النفوذ المالي في يد الشرع
أشار التقرير إلى حالة حسام القاطرجي التي ظهرت كواحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، فرغم شبكة علاقاته العابرة للحدود مع طهران ودبي، بات القاطرجي يُصنف كطرف “مغضوب عليه” في إطار السعي لتفكيك النواة الاقتصادية التي نمت من رحم التداخل العسكري-التجاري، مما دفع السلطات لمحاولة الاستحواذ القسري على أصوله تحت تهديد الملاحقة القضائية بتهم الفساد والكسب غير المشروع.
وطبقًا لما نقله موقع “اقتصادي”، فإن فصول المواجهة بلغت ذروتها عندما دخل القاطرجي في مفاوضات مباشرة مع حازم الشرع، الرجل القوي في المشهد المالي الجديد، بحسب وصفه، والتي انهارت سريعًا بعدما طُلب من القاطرجي التنازل عن سبعين بالمئة من ممتلكاته في الخارج مقابل السماح له بالنشاط الداخلي بصيغة “شراكة إجبارية” تمنح الشرع حصة الأسد في الإدارة والملكية.
وقال التقرير إنه أمام هذا الانسداد التفاوضي، آثر القاطرجي المغادرة إلى بيروت، لتبدأ فورًا سلسلة من القرارات الجبرية التي استهدفت قلب إمبراطوريته، وكان أبرزها مصادرة شركة “البوابة الذهبية” المرموقة، وبدأت أصول القاطرجي وشبكته اللوجستية تنتقل تدريجيًا إلى دائرة ضيقة من رجال الأعمال الجدد الذين يمثلون “النواة الصلبة” المرتبطة بالمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية.
وأوضح أن من بينهم ناصر الرعد وعبد الرحمن سلامة وإبراهيم سكرية، الملقب بـ “أبو مريم الأسترالي”، الذين رأوا في ثروات القاطرجي الضخمة وملفاته المرتبطة بتجارة النفط والآثار فرصة سانحة لإعادة تدوير النفوذ المالي وتركيزه في يد حازم الشرع الذي تولى رسمياً إدارة مسار الاستحواذ الشامل.
إعادة هيكلة البوابة الذهبية
كشفت المعلومات المتقاطعة التي أوردها التقرير أن منتصف شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي شهد تحركات ميدانية وإدارية مكثفة قادها “أبو مريم الأسترالي” لإحكام القبضة على شركة “البوابة الذهبية” للخدمات النفطية، حيث أوكلت مهمة الإدارة التنفيذية إلى طارق عصفور، المقرب من حازم الشرع، في خطوة تمهيدية لإعادة هيكلة مالية شاملة، رغم السجل الوظيفي المثير للجدل لعصفور الذي أُقيل سابقًا من الشركة السورية للبترول على خلفية قضايا فساد.
كانت أولى قرارات الإدارة الجديدة هي “تطهير” الكادر الوظيفي بالكامل واستبداله بطاقم يدين بالولاء المطلق للمنظومة الجديدة، بالتوازي مع قيام إبراهيم سكرية بالإشراف الشخصي على تحويل الأرصدة المصرفية المجمدة للشركة في البنوك المحلية إلى حسابات سرية مرتبطة مباشرة بحازم الشرع، وذلك عبر ممارسة ضغوط أمنية ومالية على كبار المسؤولين في القطاع المصرفي لتسهيل عمليات السحب والتحويل، متجاوزين قرارات تجميد سابقة كانت قد صدرت عن لجنة مكافحة الكسب غير المشروع برئاسة باسل سويدان.
وبيّن التقرير أن طموح حازم الشرع لم يتوقف عند الحدود المحلية، بل امتد ليشمل الأرصدة الدولية للقاطرجي، حيث أكد قيامه بعدة زيارات غير معلنة إلى موسكو في محاولة لفتح قنوات اتصال مع الكرملين والمسؤولين الماليين الروس بهدف الوصول إلى أموال “مجموعة القاطرجي القابضة” المودعة في مصارف روسية كبرى مثل “VTB” و”Sberbank”، والتي تُقدر قيمتها بنحو 140 مليون دولار.
تمدد النفوذ دوليًا
كما أوضح التقرير أن الشرع عرض على الجانب الروسي منحهم امتيازات استثمارية استثنائية داخل الأراضي السورية مقابل تسهيل السيطرة على تلك الأرصدة، إلا أن هذه المساعي واجهت برودًا روسيًا وتحفظًا قانونيًا، حيث يخشى الجانب الروسي من التورط في نزاعات ملكية دولية قد تؤثر على سمعة قطاعه المصرفي في ظل العقوبات القائمة، خاصة وأن القاطرجي ما يزال يمتلك صفة قانونية لم تُسلب منه دوليًا بعد، مما جعل رحلات الشرع إلى موسكو لا تحقق النتائج المرجوة حتى اللحظة.
بحسب التحليل الذي نشره موقع الاقتصادي، فإن الاستيلاء على “البوابة الذهبية” يمثل “رسالة إنذار” شديدة اللهجة وجهها حازم الشرع إلى حسام القاطرجي، مفادها أن الرفض لن يقابل بالصمت بل بالانتزاع، مشيرًا إلى أن الشركة التي تأسست عام 2013 وتجاوزت استثماراتها 100 مليون دولار، باتت اليوم حجر الزاوية في محفظة الشرع المالية.
وقال إن هذا التطور يأتي بعد استيلاءات سابقة طالت حفارات نفط ومعدات لوجستية ثقيلة نفذتها شبكات ناصر الرعد، في وقت يحاول فيه القاطرجي التمسك بشرعية “التسوية السابقة” التي أبرمها مع أسماء الأسد في منتصف عام 2024، والتي نصت حينها على منح أربعين بالمئة من موارده للمكتب السري مقابل استئناف نشاطه تحت مسمى “مجموعة الخير القابضة”.
إلا أن صعود حازم الشرع والمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية يبدو أنه قد جبّ ما قبله، وألغى مفاعيل الاتفاقيات السابقة لصالح نموذج أكثر استحواذاً ومركزية.
القضاء المحلي يرسّخ السيطرة
في المقابل، هددت مجموعة القاطرجي باللجوء إلى التحكيم الدولي والمحاكم الخارجية، احتجاجًا على منعها من التصرف بأموالها ومصادرة أصولها تحت ذريعة تحقيقات الكسب غير المشروع.
غير أن التقرير الاقتصادي يرى أن هذا التهديد يظل “صيحة في واد” من الناحية القانونية الصرفة؛ نظرًا لغياب مشارطات التحكيم الدولي في العقود التأسيسية للمجموعة داخل سوريا، ولأن النزاع يفتقر لـ “العنصر الأجنبي” الذي يمنحه الصفة الدولية، إذ إن الأطراف والوقائع والأصول كلها تقع تحت الولاية القضائية السورية، مما يجعل القضاء المحلي هو صاحب الاختصاص الوحيد، وهو قضاء بات يعمل بتناغم كامل مع توجهات حازم الشرع والمجلس الاقتصادي، وهو ما يجعل فرصة القاطرجي في استعادة أصوله عبر القانون الدولي شبه منعدمة، بل قد يعرض أرصدته المتبقية في الخارج لملاحقات قانونية إذا ما نجحت السلطات في تثبيت تهم غسيل الأموال ضده.
Loading ads...
وختامًا يظل السيطرة على “البوابة الذهبية” وضمها إلى محفظة حازم الشرع المؤشر الأقوى على أن قطار “إعادة الهندسة الاقتصادية” قد انطلق ولن يتوقف قبل أن يبتلع كافة مراكز القوى القديمة لصالح “نخبة مالية” جديدة، أكثر انضباطًا واندماجًا في النواة الصلبة للسلطة القائمة، بانتظار ما ستسفر عنه توازنات القوى في الشهور القادمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





