2 أيام
حسابات بن سلمان... متى تنتقل السعودية من الدفاع إلى الهجوم؟ - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

تنفق السعودية ميزانيةً دفاعيةً هائلةً تتجاوز 70 مليار دولار سنوياً، وتمتلك ترسانةً جويةً ودفاعيةً تُعدّ من بين الأحدث إقليمياً، تضمّ مقاتلات "إف-15 إس إيه" و"تايفون"، وشبكات حماية طباقية من منظومات "باتريوت باك-3" و"ثاد"، بجانب مشروع واعد عبر الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) لتوطين 50% من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030.
برغم هذا التفوّق، تواجه الرياض ضغطاً متزايداً من قبل جماعة الحوثي عبر الضربات التي تستهدف منشآتها النفطية وشرايين تصدير الطاقة وممراتها البحرية عبر البحر الأحمر. لكن المملكة التي نجحت حتى الآن، ولو جزئياً، في عزل منشآتها المدنية عن الحرائق الإقليمية، باتت تواجه اتهامات بالضعف والتردد في الردع. فهل تقترب من إخراج ترسانتها العسكرية؟
المعادلة الحقيقية هنا ترتبط بالكلفة ببساطة. لن تصبح المبادرة الهجومية خياراً حتمياً إلا في حال تجاوزت الخسائر المتراكمة للدفاع كلفة خوض الحرب المباشرة. فأين هي المملكة في هذه المعادلة؟
المساحة الشاسعة للمملكة... نقطة قوة وضعف معاً
لفهم وزن المملكة العسكري، تكفي مقارنة سريعة مع القوى الإقليمية. بحسب أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام لعام 2025، بلغ الإنفاق العسكري السعودي 83.2 مليار دولار، أي نحو 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 48.3 مليارات دولار لإسرائيل، تعادل 7.8% من ناتجها المحلي، و30 مليار دولار لتركيا، أو 1.9% من ناتجها.
أما إيران، الخصم الإقليمي الأبرز للرياض، فلم يتجاوز إنفاقها العسكري 7.4 مليارات دولار، أو 2.1% من ناتجها المحلي.
بهذا الحساب، تنفق السعودية عسكرياً أكثر من إسرائيل وإيران مجتمعتَين، ونحو 11 ضعف ما تنفقه إيران. وإذا كانت الرياض تمتلك هذا الوزن العسكري، فما الذي يجعل كلفة ضبط النفس حتى الآن أقلّ من كلفة استخدام القوة؟
لعلّ نقطة الضعف هي نقطة القوة لدى الحديث عن السعودية، وهي الاتساع الشاسع للأراضي الفارغة، ما يترك العمق الإستراتيجي مكشوفاً. وفي هكذا حالة، القوة العسكرية وحدها لا تلغي واقع الانكشاف الهيكلي الحاد.
تتركز منشآت معالجة النفط وتحلية المياه في المملكة في مجمعات جغرافية محددة ومكشوفة، مثل مرفق "بقيق" ومعمل "رأس تنورة" ومحطات الشاطئ. وفي مواجهة حرب غير متماثلة تعتمد فيها الفصائل المسلحة على مسيّرات وزوارق زهيدة التكلفة تتراوح قيمتها بين 20 و50 ألف دولار، تجد أجهزة الدفاع الجوي نفسها مضطرةً إلى إطلاق صواريخ اعتراضية تبلغ كلفة الواحد منها نحو 3 ملايين دولار.
هذا التباين الرقمي الباهظ، المقترن برعب تعرّض محطات التحلية لدمار قد يجعل المدن الخليجية غير صالحة للسكن خلال أسابيع معدودة، هو ما يفسر لماذا فضّلت الرياض حتى الآن إستراتيجية "الردع الهجين" التي تجمع بين خفض التصعيد الدبلوماسي وشنّ ضربات انتقامية مركّزة ضد الفصائل في العراق واليمن عند عبور الخطوط الحمراء، بدلاً من الانزلاق إلى هجوم عسكري مفتوح.
وسط هذه الحسابات المعقّدة، يتحرك وليّ العهد السعودي بعد سيطرة الحوثيين على باب المندب وقصف خط "شرق غرب"، وهو يحمل ملفاً من التحصينات الدفاعية التي تمتلكها المملكة، واتفاقيتَي دفاع: "ناتو الشرق الأوسط"، و"حلف مكة"، ليجتمع مع قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر أمس 14 أيلول/ سبتمبر، واليوم يلتقي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في قمة سعودية مصرية.
محطتان تتجاوزان الأطر البروتوكولية المعتادة لتعكسا محاولةً جادةً لإعادة ترتيب أوراق الردع الإقليمي. بحسب تقرير لـ"Military Times"، جاء التنسيق مع "سنتكوم" عقب تصاعد هجمات الحوثيين الموجهة ضد السفن والمركبات البحرية، حيث طلبت الرياض دعماً أمريكياً نوعياً يركّز على تبادل المعلومات الاستخبارية وتحديد الأهداف والتغطية الدفاعية للممرات المائية، ما يبدو تهيئةً لإرساء طبقات ردع جديدة تنطلق من مركزية البحر الأحمر.
هنا، تتقاطع الخسائر السعودية والمصرية عند مضيق باب المندب، وتُظهر الأرقام أنّ الضرر الواقع على القناة والشريان البحري بات يحمل طابعاً وجودياً لاقتصاد البلدين.
بالنسبة لمصر، أدّى تحوّل مسار السفن التجارية نحو طريق رأس الرجاء الصالح إلى تراجع حاد في حركة الملاحة في قناة السويس، وخسائر بمليارات الدولارات من الإيرادات السيادية، إذ تسبّب التغيير الملاحي في إضافة 10 إلى 14 يوماً لزمن الرحلة وكلفة إضافية تتجاوز المليون الدولار لكل سفينة في الوقود والتأمين.
أما في الجانب السعودي، وبرغم نجاح ضخّ 7 ملايين برميل يومياً عبر خط أنابيب "شرق-غرب" إلى ميناء ينبع للالتفاف على إغلاق مضيق هرمز، فتقول دراسة لمركز الدراسات العربية في واشنطن إنّ 70% إلى 75% من صادرات ينبع تبقى مهددةً مباشرةً بحظر حوثي عند باب المندب، ما يضع تجارةً يوميةً تقارب الـ10 مليارات دولار تحت الخطر الداهم.
هذا الضغط المالي والأمني المتزامن، قد يدفع نحو اختبار فرضية تشكيل نواة تنسيق أمني وعسكري "ثنائية"، تضمّ الرياض والقاهرة، بشكل يتجاوز التحالف الحالي بين الدولتين الصديقتين، وتحديداً مع تردّد مصر في الانضمام إلى "حلف مكة" برغم محاولات استمالتها من جميع الأطراف.
مع هذا، قد تفرض الواقعية السياسية على صنّاع القرار في السعودية ومصر، ومعهما تركيا وباكستان، التعامل مع معضلة تحالفية معقّدة؛ فهذه الدول تمتلك مصالح أمنيةً متقاطعةً في حماية الملاحة ومواجهة المسيّرات، غير أنها ترفض تماماً الظهور في جبهة تقودها إسرائيل أو تبدو امتداداً لمحورها الإقليمي ضد إيران.
فهل يمكن صياغة شبكة ردع مستقلة عن الاضطرار الإسرائيلي الذي يتشكل مع ثنائية إماراتية تقوى كل يوم، والمباركة الأمريكية؟
دراسات عدة توقفت عند هذا السؤال، وكثير منها تنبأ بالفعل قبيل حلف مكة بأنّ إمكانية تشكّل محور ردع إسلامي-إقليمي مستقل تتزايد. والسعودية بالفعل طرف فيها، ولسبب وجيه؛ فالمملكة لا تميل إلى التحرك العسكري المنفرد، وتفضل دائماً التحالفات تاريخياً.
هذه الإستراتيجية ليست بسبب نقص في قدراتها العسكرية، بل لأنّ عقيدتها الأمنية قامت على تحويل القوة الاقتصادية والسياسية إلى شبكة من الشراكات العسكرية بدلاً من تحمّل كلفة الحرب ومخاطرها وحدها. ظهر ذلك بوضوح في حرب تحرير الكويت عام 1991، ثمّ في التحالف العربي في اليمن عام 2015، وفي ترتيبات حماية الملاحة والأمن البحري لاحقاً.
لهذا التفضيل حسابات عملية أيضاً. موقع المملكة يجعل منشآتها النفطية وموانئها ومدنها عرضةً لردود انتقامية من أكثر من اتجاه، فيما أثبتت الحروب مع الجماعات غير النظامية أنّ التفوّق الجوي لا يضمن حسماً سريعاً. التحالف هنا لا يعوّض ضعفاً سعودياً بقدر ما يوزّع المخاطر والكلفة والمسؤولية السياسية والعسكرية على أكثر من دولة.
لهذا، عندما ترتفع احتمالات المواجهة، يكون السؤال السعودي عادةً أقلّ ارتباطاً بـ"هل نستطيع الهجوم؟"، وأكثر ارتباطاً بـ"من سيقف معنا في اليوم التالي؟". ومن هذه الزاوية تحديداً، تصبح تحركات الرياض لبناء أو تنشيط الشراكات الإقليمية مؤشراً مهماً عند البحث عن اللحظة التي قد تنتقل فيها من الدفاع إلى الهجوم.
أما اليوم، فقد أثبتت التحولات الاقتصادية أنّ ضبط النفس لم يكن رفاهيةً بل ضرورة لحماية أهداف "رؤية 2030". وبرغم تسجِيل الميزانية السعودية عجزاً بلغ 125.7 مليارات ريال (نحو 33.5 مليارات دولار) في الربع الأول من عام 2026، نتيجة اضطرابات أسواق الطاقة، وتأجيل بعض عقود المشاريع العملاقة في "نيوم" و"ذا لاين" لتوفير السيولة، إلا أنّ الدولة حرصت على حماية الإنفاق الاجتماعي ورواتب القطاع العام التي تستهلك 41.8% من الميزانية.
ووفق تحليلات "Atlantic Council"، فإنّ الحفاظ على البيئة الجاذبة للاستثمار الإستراتيجي يتطلب تجنّب الحروب الاستنزافية الطويلة، وهو الدرس الأبرز الصارم الذي استخلصته الرياض من تجربتها السابقة في اليمن بين عامَي 2015 و2022.
لنعُد إلى السؤال في بداية التقرير: هل أصبح الدفاع المستمر أخطر من المبادرة على السعودية؟
الانتظار الإسرائيلي لتقييم موقف المملكة حاضر دائماً، لرصد أي بوادر ضعف أو تغيّر. يقول مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إنّ السعودية لا تزال في مرحلة "الردع المحسوب والدفاع النشط"، فهي "تنوّع شراكاتها بذكاء عبر استقدام أسراب وقوات باكستانية إلى الظهران، وتنسيق تقني مع أوكرانيا لمواجهة المسيّرات، وتفعيل بطاريات دفاعية يونانية في ينبع، مع استمرار توجيه ضربات انتقامية مركزة ضد الفصائل العراقية والحوثية كلما حاولت فرض واقع جديد".
غير أنّ هذا السلوك الدفاعي ليس موقفاً أبدياً؛ وهناك ثلاثة مؤشرات إذا اجتمعت تعني أنّ لحظة التحول نحو الهجوم الواسع أصبحت وشيكةً: أوّلاً، استهداف هيكلي يعطّل محطات تحلية المياه الرئيسية ويهدّد الأمن المائي للمدن. ثانياً، إغلاق كامل ومباشر لحركة تصدير النفط عبر ينبع والبحر الأحمر. وثالثاً، هجمات تسفر عن خسائر بشرية وسيادية واسعة تتجاوز قدرة المنظومات الدفاعية على الاستيعاب.
لذا، فغالباً ليست اجتماعات 14 و15 أيلول/ سبتمبر الحالي التي يقودها وليّ العهد بنفسه مع القيادة الأمريكية والرئاسة المصرية مجرد أداة لإدارة الأزمة الراهنة، بل هي خطوات إعداد جوهرية لمرحلة إقليمية جديدة تنقل الرياض من الاتكال المطلق على المظلة الخارجية إلى بناء منصة ردع متعددة الأطراف.
Loading ads...
ولن تتغير الحسابات السعودية ويُتخذ قرار الهجوم الأوسع إلا عندما يثبت باليقين الرقمي والميداني أنّ كلفة الاستمرار في ضبط النفس باتت تهدد المكتسبات الوطنية والأمن القومي بصورة أكبر من كلفة خوض الحرب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





