"الخوف ملازمني، الصعود والهبوط. أنا كتير خبطت في الأرض أوي أوي وانتوا اللي وقفتوني"، منى زكي، خلال كلمتها في تكريمها في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي.
في ندوة منى زكي الأخيرة بمهرجان الجونة، صدر صوت نتيجة خطأ تقني، فسارعت مبادرةً بالاعتذار. دفعني هذا إلى مشاهدة لقاءات تلفزيونية عديدة لها، ولفت نظري تكرار الأسف لدى منى على كل شيء، حتى إن نسيت كلمة أو أخطأت فيها.
أعرف هذا الشعور جيداً. الشخص الذي يتعرّض للنقد الدائم منذ طفولته، ويلازمه هذا النقد طوال حياته، ينمو في داخله إحساس مزمن بأن ثمة عيباً فيه، وأن عليه الاعتذار، حتى عن أخطاء لم يرتكبها.
هذا الاعتذار المتكرر يكشف جانباً من شخصية منى زكي الرقيقة والحساسة، كما يكشف شيئاً من عدم الثقة الكاملة في النفس. تخشى أن تتحدث فتخطئ، وإذا أخطأت لن يرحمها الجمهور والصحافة. ارتبط الخطأ عندها بنقد الآخرين، والخوف من النقد يهدم في داخلنا شيئاً من الثقة.
قالت في لحظة تكريمها في مهرجان الجونة السينمائي إن الخوف يُلازمها، إن "الخوف بيعطل أوي"، لكنها وحتى لو تعثرت، لم تستلم له أبداً.
"الخوف والشك تجاه نفسي. في فترة كان هيطغى الخوف عليا أكتر من الحاجة اللي بحبها في حياتي وهي التمثيل".
سُئلت منى عن سبب الخوف في داخلها، أجابت أن أسبابه كثيرة، ومن أهمها أنه يأتي من مهنة التمثيل التي تقوم على العمل من أجل كسب الرضا والاستحسان من الجمهور. صراع منى زكي بين ما تريده وما يريده المجتمع، وليس كل ما يريدونه منها تريده هي بالضرورة.
فمن حقها أن تتمرد على القالب الأنثوي المثالي الذي وضعت فيه. تكسره، لتختبر قوالب أخرى، لتكتشف نفسها بعيداً مما نعرفه وتعرفه هي عن نفسها.
ولا يختلف صراع منى عن صراعات نساء كثيرات في مجتمعاتنا، حيث تصطدم المرأة في كثير من الأحيان بالصورة النمطية التي تربّت عليها، وبمفهوم أحادي للأنوثة لا يتسع للاختلاف. وكلما خرجت عن حدوده ورفضت القالب المفروض عليها، وُصمت بالتمرد، ونُبذت، وأصبحت موضع تشكيك في أخلاقها.
وذلك الصراع نفسه رافق منى على امتداد مسيرتها الفنية، واحتاج منها إلى كثير من الشجاعة والقوة لتتحرر من الصورة التي رسمها الآخرون لها، لتعيد اكتشاف نفسها وهويتها وما تريد أن تكونه.
منذ طفولتي، أتذكر وجه منى زكي البريء والهادئ، وصوتها الرقيق، شيء في مظهرها مريح جداً. كانت شابة في بداية العشرينيات، ولم يمنحها الصُناع والجمهور إلا نموذج المرأة المثالية، وليس هناك دور أنسب من الفتاة الطيبة، المسالمة، التي يحبها البطل، ويحظى بها في نهاية الرحلة كأنها هدية درامية جميلة تُمنح له مكافأةً على مشواره.
وللأسباب نفسها، حصرها الجمهور والصحافة والأقلام النقدية في هذا الثوب الملائكي، لتصبح، بشكل أو بآخر، "خليفة فاتن حمامة"، سيدة الشاشة العربية، بأناقتها ورقيّها وصورتها الراسخة بوصفها الفتاة المهذبة التي لا تخطئ.
كانت هذه هي الصورة الخارجية الظاهرة، وعلى أرض الواقع، ثمة حقيقة أخرى تماماً، وهي أن منى زكي لم تحب يوماً أن يحصرها الفن في تلك الأدوار الملائكية.
ففي حوار لها مع الإعلامي محمود سعد، لامها هي وبنات جيلها على عدم سيطرتهن على السوق السينمائي بتصدر البطولات المطلقة مثلهن مثل الأبطال الشباب أحمد السقا ومحمد هنيدي وكريم عبدالعزيز. مازلت أتذكر ردها الذي فاجأني. قالت إنها منزعجة جداً من الأمر لسببين:
الأول أن كُتّاب السيناريو يكتبون الأفلام للبطل الذكر بحجة أنهم لا يجدون عند النساء قصصاً تستحق أن تُروى، والثاني أنها تجد سوق الصناعة غير عادل في المساحات التي يمنحها للممثلات النساء بجوار البطل، ناهيكم بعدم تساويهن في الأجر مع البطل.
لم تستمر منى زكي طويلاً في تلك الدائرة غير العادلة. حاولت أن تتمرد، نجحت أحياناً وفشلت في أخرى، أو كما وصفت في تكريمها بمهرجان الجونة "صعود وهبوط صعود وهبوط"، لكن كل محاولاتها للتمرد لم يستقبلها الجمهور بالترحاب، هاجموها بقسوة، حاولوا دائماً "قصّ ريشها" كي لا تتحقق ولا تطير إلا وفقاً لهواهم.
انفجر الهجوم الأول على منى زكي كالبركان في بدايات الألفية، حين لامها جمهورها على زواجها من أحمد حلمي، بحجّة أنه ممثل صاعد لا يتمتع بمقاييس الرجولة التي تليق بفنانة جميلة مثلها.
ربما لا تعرف الأجيال الجديدة حجم التعليقات القاسية التي طالت الثنائي آنذاك، رغم أنهما أصبحا الآن من أكثر الثنائيات الفنية الرومانسية التي يتغنى الجميع بمثاليتها.
وبعد نحو سبع سنوات، تجدد الهجوم على منى بسبب دورها في فيلم "احكي يا شهرزاد" الذي تصدرت بطولته منفردة للمرة الأولى. هاجم الجمهور "جرأة" الفيلم، في الأفكار وبعض المشاهد الحسية، بخاصة المشهد الذي تحتضن فيه منى شخصية حسن الرداد الذي يؤدي دور زوجها في الفيلم.
تعامل بعض الجمهور مع منى بدرجة عنيفة من الوصاية الأخلاقية واتهمها بتجاوز الحدود وتقديم أدوار لا تلتزم بالصورة التي تريدها واعتادتها منها، ولا تناسب الأسرة، وكأن على عاتقها أن تحافظ على "السينما النظيفة" كي تظل صورتها المثالية بمنأى عن أي خدش.
في الحالتين، لم يكن الهجوم على اختيارات منى بقدر ما كان وصاية أخلاقية عليها، لا تختلف عن الوصاية التي يفرضها المجتمع على نسائه، كما أنه لم يتوقف عندها فقط، بل شمل زوجها أيضاً، ولا أنسى تعليقات الناس وقتها "إزاي أحمد حلمي سمح لها تعمل كده!!" في اتهام ضمني له بانعدام "الرجولة"، وكأن جسدها هذا ملكاً له ولنا أيضاً.
حاولت منى الإفلات من القيود التي تفرضها عليها صناعة السينما، فخاضت تجربة الإنتاج، وهي الخطوة التي يلجأ إليها الفنان الحر ليقدم قصصه وأفكاره بعيداً من المعتاد من قصص في السوق، فأنتجت مسلسل "آسيا" مع أحمد حلمي. لم ينجح، وواصلت السعي إلى أدوار تمنحها مساحة تمثيلية أوسع، فانطلقت إلى درجة عالية من النضج الفني في "أفراح القبة".
ثم جاء الهجوم الأوسع الذي اتهمها بالتعدي على "قيم الأسرة المصرية" بعد عرض فيلم "أصحاب ولا أعز" على منصة "نتفليكس". أثار جدلاً ربما تجاوز في قسوته وعنفه ما تعرضت له منى بسبب "إحكي يا شهرزاد".
تمحورت الانتقادات حول مشهد واحد تخلع فيه قطعة من ملابسها الداخلية، من دون أن يُقدَّم المشهد بصورة مبتذلة أو أن تتعرى فيه منى أصلاً.
ومع ذلك، أثار المشهد ردود فعل واسعة، شرسة وعنيفة. ربما ساهمت طبيعة الفيلم، لكونه إنتاجاً عربياً مشتركاً يضم ممثلين من مصر ولبنان والأردن، في تعقيد الجدل حوله، إذ لم يخضع لمسار الرقابة المصرية المعتاد على المصنفات الفنية.
لكن يصعب اختزال أسباب الهجوم في عامل واحد. فقد تداخلت مواقف أخلاقية واجتماعية وفنية مختلفة، وظل السؤال قائماً حول حدود حرية الممثل في اختيار أدواره، ومدى قدرة الجمهور على تقبّل أي صورة تخالف توقعاته عن "فنانته المفضلة" التي تتصدر المشهد الفني النسائي الحالي.
"التمثيل خلاني أبقى مش مكسوفة من مشاعري، حتى على المستوى الإنساني، لأنه بيعلمك إزاي تشيل طبقات أنت في حياتك العادية بتحطها… وأنا صغيرة كنت حد قافل ومش بعرف أعبر عن مشاعري، اللي نمى ده عندي هو التمثيل. إنك تكون هش أو ضعيف ده مش عيب، ده اللي بيخليك بني آدم".
هذا في حد ذاته جوهر الخوف الكامن في داخلها، الذي يلازمها، عليها أن تتماهى وترضي الجمهور لتكون في مأمن من النقد اللاذع الأقرب إلى تهديد مجتمعي علني، تهديد ربما يسحب كل فرص الاستمرار الفني.
بعد بركان الهجوم العنيف، التزمت منى الصمت، واختارت أن تواصل عملها بدلاً من الدخول في سجالات تستوجب إما الاعتذار أو المواجهة.
وفي العام التالي، عادت إلى الدراما بعد انقطاع من خلال مسلسل "تحت الوصاية" وقدمت شخصية أم مطلقة من محافظة دمياط، تخوض رحلة شاقة في الحياة بمفردها مع طفليها. قصة واقعية تحدث بعيداً من المدينة، وفي مجتمع ساحلي مغلق، وتتناول نساء من الطبقات الاجتماعية الأقل من المتوسطة، وكأن منى تنتقل من أقصى ما أثار الجدل في صورتها إلى نقيضه تماماً.
ثم عادت منى إلى السينما بفيلم "رحلة 404"، الذي يطرح، من خلال قصته ومعالجته السينمائية، سؤالاً عن التناقضات الأخلاقية داخل امرأة لها ماضٍ لا تفخر به، لكنها تقرر أداء فريضة الحج لتكفّر عن ذنوب الماضي. يخوض الفيلم في الصراع الداخلي للبطلة وازدواجية معاييرها، في انعكاس لتناقضات مجتمعاتنا التي تتمسك بالمظاهر الدينية، بينما تتورط في ممارسات تناقض القيم التي تعلنها.
ومن ثم فيلم "الستّ"، الذي جسّدت فيه دور أم كلثوم، وتعرّضت بسببه لنقد حاد من نواحٍ عدّة، بدايةً من الشكل، الذي رأى كثيرون أنه لا يشبه أم كلثوم، مروراً بالأداء التمثيلي، وصولاً إلى سؤال: كيف لامرأة "أساءت إلى صورة المرأة المصرية" في فيلم "أصحاب ولا أعز" أن تجسّد دور أم كلثوم؟ وذلك إلى جانب انتقادات أخرى لم تستهدف منى زكي بشكل خاص، مثل "ضعف السيناريو" والبعد عن السرد الكلاسيكي، والقول إن الفيلم تعمّد تشويه صورة أم كلثوم، لأن الجمهور لا يتوقع إلا دراما تعكس الصورة الملائكية المثالية لشخصيات مثل أم كلثوم.
أشاهد الآن مسلسل "طالع نازل: الحب اللي كان"، وأتابع في الوقت نفسه ظهورها الإعلامي المكثف، بالتزامن مع عرض المسلسل وتكريمها في مهرجان الجونة السينمائي.
تعجبني نسختها الحالية. المرأة الذكية، العنيدة، الصريحة، الباحثة عن السلام النفسي والتحقق، لكنها في الوقت نفسه مرتبكة، كثيرة الاعتذار عن كل خطأ عابر يحدث. ويعجبني أيضاً اختيارها لدور مختلف عليها تماماً، امرأة تخطط للانتقام من زوجها الذي أخفى عليها زواجه عليها.
في مقارنة بين دورها في فيلم "سهر الليالي" ودورها في مسلسل "طالع نازل" كزوجة تكتشف خيانة زوجها لها، نجد تناقضاً تاماً في رسم الشخصية وأداء منى زكي التمثيلي، والاختلاف يكمن من رسم الشخصيتين المتناقضتين تماماً. الأولى هشة وضعيفة والثانية قوية ومتجبرة، قررت الانتقام.
"متخلوش الخوف يتحكم فيكم، حاولوا تطنشوه وتدوسوا عليه، لأن الخوف بيكتف وبيقيد وأعتقد إني لو مكنتش في الصراع ده عمري ما كنت هعرف أقدم حاجة، هي حرب لازم نخوضها جوه نفسنا طول الوقت علشان نكمل".
تعجبني النسخة الجديدة من منى، التي تناضل كي تخرج من جلدها، وتقدم ما لا يتوقعه الجمهور. تزداد نضجاً وتمرداً، وتسعى إلى تجسيد شخصيات نسائية لا تخضع ولا تنكسر. فهي لم تعد تريد تلك النسخة الهشة التي عاشت في ظل "البطل الرجل"، والتي اعتادت تقديمها في بدايات مشوارها الفني.
ولا يقتصر هذا التحول على الأدوار التي تختارها منى لنفسها، بل يمتد إلى محاولاتها إتاحة مساحة أوسع لحكايات النساء على الشاشة. فمن خلال شركة إنتاجها الجديدة HerStory، تسعى إلى دعم صانعات الأفلام والكاتبات، ومساعدتهن على إنتاج أفلام تحكي قصصاً نسائية.
"الخوف ده بيولد أمراض نفسية، لو سيبته يتوغل جواك هيولد أمراض تانية، لازم طول الوقت تفضل مسيطر عليه".
أليس مرهقاً أن نحاول إرضاء الناس من حولنا، بينما تنهال علينا النصائح عبر "الريلز" والمنشورات في مواقع التواصل الاجتماعي بألا نهتم بآرائهم فينا، لأنها تضعف ثقتنا بأنفسنا وتزيد خوفنا من أحكام الآخرين؟ لكن كيف نتحرر من نظرة الآخرين إلينا، ونحن لا نعرف أنفسنا إلا من خلال أعينهم؟
لا تزال منى زكي، بشكل أو بآخر، تلهمني كامرأة تحاول فهم نفسها والتصالح معها، وتملك الشجاعة لتغيير الصورة التي ترى بها ذاتها والنساء من حولها.
ربما لهذا أفهمها، وأرى في رحلتها شيئاً أعرفه جيداً، تلك المحاولات المتكررة للخروج من جلدنا، والتحرر من أحكام الآخرين، واكتشاف من نريد أن نكونه حقاً في عالم لا يكف عن محاصرة النساء بالأحكام والانتقادات.
أحب أنها لا تبدو وكأنها وصلت إلى إجابة نهائية عن نفسها، بل لا تزال تبحث وتجرب وتتعلم وتتطور في التمثيل بدرجات لافتة، وتمضي في طريق ترسمه لنفسها، لا الطريق الذي ينتظره منها الآخرون.
Loading ads...
وتلك في حد ذاتها وصفة سحرية للتحرر من الخوف.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





