2 أشهر
التعليم العالي كمسألة سيادية.. مخاطر حقيقية على مستقبل الدولة السورية
الأربعاء، 11 فبراير 2026
لم تُخلِّف سنوات الحرب الطويلة التي أعقبت الثورة السورية الضحايا والتهجيرَ والدمارَ الماديَّ واسعَ النطاق فقط، بل أفرزت رُكاماً من التشوهات البنيوية التي ستبقى آثارها ثقيلة على حاضر ومستقبل سوريا. أخطر هذه التشوهات، وأكثرها تغييباً في النقاش العام، هي الفوضى التي ضربت التعليم العالي، والتي أخذت تمتد، وربما تتحكم بمسار المرحلة الانتقالية، وتهدد بتحويلها إلى مرحلة لإعادة إنتاج ناعمة للفشل القديم.
فالتعليم العالي ليس قطاعاً خدمياً مهماً فحسب، بل هو ركيزة أساسية في بناء الدولة وإعادة الإعمار. غير أن التعامل مع الشهادات الجامعية، والاعتراف بالجامعات، وتعيين الكوادر التدريسية والإدارية، يجري اليوم بطريقة تكشف بوضوح استمرار منطق تسوية الأوضاع، والفئوية، و«الضرورة الثورية»، والمصالح، وربما على حساب المعايير والكفاءة، مع تطبيق مؤجل لمبادئ العدالة وتكافؤ الفرص.
فخلال سنوات الثورة، ومع انهيار الدولة المركزية وتفكك الجغرافيا، نشأت عشرات الجامعات والمعاهد في ظروف استثنائية. بعض هذه التجارب كان استجابة لحاجة حقيقية، لكن كثيراً منها نشأ بلا بنية أكاديمية متماسكة، وبعضها بلا كادر مؤهل، وأخرى ببرامج تعليمية مختزلة. وكان من الممكن التعامل مع هذه المرحلة باعتبارها وضعاً مؤقتاً، يستوجب لاحقاً مراجعة شاملة وتقييماً صارماً، لكن ما جرى لاحقاً كان العكس تماماً؛ إذ جرى تثبيت الاستثناء وتحويله إلى قاعدة.
إن الخطر لم يتوقف عند حدود الاعتراف بالجامعات أو الشهادات دون معايير أو ضوابط أو عملية تقييم أكاديمية أصولية، بل امتد إلى ملف لا يقل أهمية، وهو تعيين الكوادر التدريسية والإدارية في الجامعات السورية.
بعد سقوط النظام، وفي حكومة تصريف الأعمال التي تمثلت بنقل حكومة الإنقاذ من إدلب إلى دمشق، اتُّخذ قرار مستعجل، ولم يكن ضرورياً أو مُلحّاً حينذاك، بالاعتراف بجزء من تلك الجامعات دون غيرها. وهو قرارٌ فسَّره البعض بناءً على مدى القرب أو البعد من تلك الحكومة في مرحلة إدلب، وبالتأكيد دون إعلان معايير واضحة، أو نشر تقارير تقييم مستقلة، أو توجيه مؤسساتي بهذا الشأن.
ومع احتجاجات الآخرين، ما لبث هذا المسار أن انقلب إلى اعتراف شبه شامل بكافة الجامعات، بما فيها تلك التي لم يمضِ على تأسيسها عام أو عامان، ودون أي شروط حقيقية تتعلق بالكادر التدريسي، أو البحث العلمي، أو الحوكمة الأكاديمية. وبهذا القرار اللاحق، الذي لم يميّز بين أحقية الطلاب في تسوية أوضاعهم وضرورة ذلك كأولوية وطنية، وبين مسألة الاعتراف واعتماد المؤسسات بحد ذاته، لم تُحلّ المشكلة، بل جرى تعميمها. وفي الواقع، أدى ذلك القرار، بصورة أو بأخرى، إلى تحويل الفوضى التعليمية إلى سياسة شبه رسمية.
ومع قدوم الحكومة الانتقالية أواخر آذار/مارس 2025، تعمّق هذا الخلل مع سياسات وزارة التعليم العالي التوفيقية، بل توسَّع، ولا سيما في ما يتعلق بالاعتراف باعتمادية جامعات خارجية، وفق اعتبارات سياسية، وربما بناءً على علاقات نفوذ، وليس وفق منظومة عمل أكاديمية شفافة تُصدر نتائج تقييم علمي لمستوى التعليم والبحث. واستمرار هذا المسار لم يُسِئ فقط إلى التعليم العالي، بل يهدد بضربة في الصميم لقيمة الشهادة الجامعية السورية وسمعتها، وقد يحوّلها إلى وثيقة قابلة للتسييل السياسي، داخلياً وخارجياً. وهذا التسييل قد يتمدد مع ضرورة اندماج تجارب الجزيرة السورية المماثلة إلى حدٍّ ما.
وفي الواقع، فإن الخطر لم يتوقف عند حدود الاعتراف بالجامعات أو الشهادات دون معايير أو ضوابط أو عملية تقييم أكاديمية أصولية، بل امتد إلى ملف لا يقل أهمية، وهو تعيين الكوادر التدريسية والإدارية في الجامعات السورية. ففي غياب معايير واضحة وشفافة لتوزيع المسؤوليات الأكاديمية العليا والتوظيف الأكاديمي، طغت العلاقات السياسية والشخصية على حساب الكفاءة والمعايير المتعارف عليها قانونياً.
كوادر مؤهلة، تحمل خبرات حقيقية، وتملك سجلاً علمياً ومهنياً معتبراً، تُهمَّش ولا تُمنح فرصاً، في حين تُشغَل مواقع التدريس والإدارة بكوادر أخرى بسبب القرب من مراكز القرار، وفق «التاريخ الثوري» أو شبكات المصالح التي تمكّن البعض من نسجها.
الأكثر فداحة هو انتشار ظاهرة تكديس المواقع والعقود؛ إذ نجد أساتذة يشغلون وظائف تدريسية في جامعتين، وأحياناً ثلاث جامعات، في الوقت نفسه، دون قدرة فعلية على أداء مهامهم الأكاديمية كما ينبغي. وفي حالات أكثر إشكالية، نجد دكاترة يشغلون مناصب إدارية عليا في جامعات حكومية أو مناصب وزارية، وفي الوقت ذاته يحتفظون بعقود تدريس مع جامعات خاصة أو خارجية. هذا التضارب الصارخ في المصالح لا يُساءل، بل يُتعامل معه كأمر طبيعي، في حين يُقصى أساتذة آخرون بحجة عدم وجود شواغر، بمن فيهم أولئك الذين تركوا عملهم كأعضاء في الهيئات التدريسية خلال سنوات الحرب احتجاجاً على سياسات النظام البائد، حيث جرى الاكتفاء بإرضائهم بعقود مؤقتة.
إن مخاطر هذا المسار لا تقف عند حدود التعليم، بل تمتد مباشرة إلى عملية إعادة البناء والإعمار ذاتها. فلا يمكن إعادة إعمار بلد مدمّر بكوادر لم تُختبر كفاءتها، ولا يمكن بناء إدارة عامة حديثة بعقليات تشكّلت في بيئة أكاديمية غير طبيعية، دون إخضاعها لاستحقاقات وقواعد معادلة علمية رصينة، تراعي أوضاعها السابقة وتؤهلها لمتطلبات المرحلة القادمة.
إن من شأن هذه الممارسات أن تُفرِّغ العملية التعليمية من مضمونها، وتؤدي إلى تكريس ثقافة الامتياز والاحتكار، وتُحطِّم بصورة فجّة مبدأ تكافؤ الفرص داخل الحقل الأكاديمي. فالجامعة، التي يُفترض أن تكون فضاءً للمعرفة والنقد المستقل، قد تتحول من جديد إلى مستنقع لشبكات المصالح، يُعاد فيه إنتاج منطق الدولة الأمنية، ولكن بلباس أكاديمي «ثوري». والنتيجة المباشرة المتوقعة هي، حتماً، تعليم عالٍ ضعيف، وبحث علمي شبه غائب، وأجيال يحمل أغلبها شهادات لا تعكس مستوى تأهيلها الحقيقي.
الأخطر أن هذه الشهادات، وبعض تلك الكوادر، تُستخدم اليوم كأساس يكاد يكون وحيداً للتعيين في مفاصل السلطة الانتقالية، والحكومة، والهيئات المستقلة، ومؤسسات التخطيط وإعادة الإعمار. فنجد أشخاصاً يحملون ألقاباً أكاديمية، لكنها نتاج منظومة لم يتم تقييمها بعد، يُكلَّفون بإدارة وزارات وهيئات، وصياغة سياسات عامة، والإشراف على مشاريع سيادية. وهنا لا تعود المشكلة مشكلة تعليم فقط، بل تتحول إلى مشكلة دولة تُدار بعقول لم تُختبر معرفياً ولا مهنياً.
ويزداد المشهد قتامة مع استمرار غياب قانون جديد للتعليم العالي، أو حتى إطار تشريعي انتقالي يعترف بخصوصية المرحلة السابقة، ويفرض إعادة تقييم شاملة لما جرى خلالها. وحتى الآن، لا توجد إرادة سياسية جادة للتعامل مع التعليم بوصفه ملفاً سيادياً مرتبطاً بالأمن الوطني وبمستقبل الدولة. وبالتالي، وفي ظل هذا الفراغ، تتحول القرارات الفردية إلى سياسات عامة، ويصبح النفوذ بديلاً عن المعيار، والعلاقة بديلاً عن الاستحقاق.
إن مخاطر هذا المسار لا تقف عند حدود التعليم، بل تمتد مباشرة إلى عملية إعادة البناء والإعمار ذاتها. فلا يمكن إعادة إعمار بلد مدمّر بكوادر لم تُختبر كفاءتها، ولا يمكن بناء إدارة عامة حديثة بعقليات تشكّلت في بيئة أكاديمية غير طبيعية، دون إخضاعها لاستحقاقات وقواعد معادلة علمية رصينة، تراعي أوضاعها السابقة وتؤهلها لمتطلبات المرحلة القادمة. فعملية إعادة الإعمار ليست مشروع وظائف ومناصب فقط، بل مشروع معرفة وإدارة ومسؤولية، وعندما تُدار هذه العملية بعناصر مختلّة، دون تصحيح، سيكون الإعمار نفسه هشاً وقابلاً للانهيار.
وهكذا، وكخلاصة أشبه بقرع ناقوس الخطر، يمكن القول إن فوضى الشهادات الجامعية، والاعتراف العشوائي بالجامعات، وتغليب العلاقات والمصالح في تعيين الكوادر، ليست أخطاء تقنية يمكن تجاوزها، بل خيارات سياسية ذات كلفة وجودية. فهي تقوّض قيمة الشهادة السورية، وتنسف مبدأ الاستحقاق، وتهدد بإنتاج دولة بلا معايير.
Loading ads...
إن الانتقال الحقيقي إلى أسس بناء الدولة يبدأ من بناء مؤسسة تعليمية عليا «فوق سياسية»، تعمل على استعادة المعيار وتحرير التعليم من شبكات النفوذ، انطلاقاً من أن إصلاح التعليم العالي ليس ملفاً مؤجلاً، بل شرط لازم لبناء الدولة المنشودة، بل هو – دون مبالغة – أحد الشروط الضرورية لبقاء هذه الدولة برمتها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





