شهر واحد
تحول نوعي في الحروب السيبرانية.. الناتو يدرس دمج تقنيات OpenAI بشبكاته
الخميس، 5 مارس 2026

يبدو أن مسألة عقد OpenAI مع الناتو لم تعد مجرد تكهنات عابرة في أروقة التكنولوجيا والدفاع، بل تحولت إلى محور نقاش إستراتيجي يتقاطع عنده الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والتحالفات العسكرية الدولية.
فبعد أيام قليلة من إبرام الشركة المالكة لتطبيق «تشات جي بي تي» اتفاقًا مع وزارة الدفاع الأمريكية. تتجه الأنظار إلى خطوة جديدة قد تعيد رسم ملامح استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل البنى التحتية العسكرية الغربية. وتكمن أهمية هذا التطور في كونه يعكس تحوّلًا نوعيًا في علاقة شركات التكنولوجيا العملاقة بالمؤسسات الدفاعية. وسط جدل واسع حول الضوابط الأخلاقية وحدود الاستخدام.
وبحسب ما أوردته وكالة “رويترز” نقلًا عن مصدر مطّلع، فإن شركة «أوبن إيه آي» تدرس إبرام عقد مع الناتو. لنشر تقنياتها على الشبكات «غير المصنّفة» التابعة لحلف شمال الأطلسي. ويأتي ذلك بعد أن كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» أول من كشف عن وجود مناقشات داخلية بشأن الاتفاق المحتمل. الأمر الذي فتح باب التساؤلات حول نطاق هذا التعاون وحدوده الفنية والقانونية.
كما تشير المعطيات إلى أن سام ألتمان؛ الرئيس التنفيذي للشركة، كان قد صرّح خلال اجتماع داخلي بأن الشركة تتطلع إلى نشر تقنياتها على جميع الشبكات المصنّفة التابعة للناتو. غير أن متحدثة باسم الشركة أوضحت لاحقًا أن التصريح لم يكن دقيقًا، وأن الحديث يدور حصريًا حول الشبكات «غير المصنّفة». وهنا تحديدًا تتضح حساسية عقد OpenAI مع الناتو؛ إذ إن الفارق بين الشبكات المصنفة وغير المصنّفة يحمل أبعادًا أمنية وسياسية بالغة التعقيد.
أبعاد إستراتيجية لتحالف تقني عسكري
يشكل حلف شمال الأطلسي تحالفًا عسكريًا يضم 32 دولة عضوًا، ما يعني أن أي عقد مع الناتو لن يكون مجرد اتفاق تقني محدود. بل تعاونًا متعدد الأطراف قد يؤثر في البنية الرقمية الدفاعية لدول بأكملها. وعلى الرغم من أن الحلف لم يصدر تعليقًا رسميًا خارج ساعات العمل. فإن مجرد طرح الفكرة يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الذكاء الاصطناعي في دعم العمليات اللوجستية والتحليلية وصنع القرار.
علاوة على ذلك، يأتي هذا التحرك في سياق أوسع من تسابق القوى الكبرى على دمج حلول الذكاء الاصطناعي في أنظمتها الدفاعية. فالتحول الرقمي في المجال العسكري لم يعد ترفًا تقنيًا. بل ضرورة إستراتيجية، خاصة مع تصاعد التهديدات السيبرانية والهجمات الهجينة. ومن ثم، فإن عقد OpenAI مع الناتو قد يشكل خطوة إضافية نحو ترسيخ مكانة الشركة كمزود رئيسي للتقنيات المتقدمة في البيئات الحساسة.
في المقابل، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخدمات التي يمكن نشرها على الشبكات «غير المصنّفة». وما إذا كانت ستقتصر على أدوات تحليل البيانات ودعم اتخاذ القرار، أم تمتد إلى تطبيقات أكثر تعقيدًا. ورغم أن الاتفاق -إذا تم- لن يشمل الشبكات المصنّفة، فإن مجرد التعاون مع تحالف عسكري بحجم الناتو يعكس مستوى عالٍ من الثقة المؤسسية في قدرات الشركة وأنظمتها.
صفقة البنتاغون وتداعياتها
تزامن الحديث عن عقد OpenAI مع الناتو مع إعلان الشركة، المدعومة من «مايكروسوفت» و«أمازون» وغيرهما، عن اتفاق لنشر تقنياتها داخل الشبكة المصنّفة لوزارة الدفاع الأمريكية. وجاء هذا التطور بعد أن وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحكومة بوقف التعامل مع الشركة المنافسة «أنثروبيك». ما أضفى بعدًا سياسيًا واضحًا على المشهد.
وجاء استبعاد «أنثروبيك» عقب خلاف في مفاوضات التعاقد مع البنتاجون بشأن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد شدد الرئيس التنفيذي للشركة، داريو أمودي، على رفض استخدام نماذجها في عمليات مراقبة جماعية داخلية واسعة النطاق أو في تشغيل أسلحة مستقلة بالكامل دون تدخل بشري. ومن هنا، تزايد الجدل حول الخطوط الفاصلة بين الابتكار والمسؤولية الأخلاقية.
ومع ذلك، أكد البنتاجون سابقًا أنه لا يعتزم استخدام الذكاء الاصطناعي لإجراء مراقبة جماعية للأمريكيين أو لتطوير أسلحة تعمل دون إشراف بشري، بل يسعى إلى إتاحة أي استخدام قانوني للتقنية. وفي بيان محدّث عقب توقيع الاتفاق، أوضحت «أوبن إيه آي» أن أنظمتها «لن تستخدم عمدًا في مراقبة داخلية لأشخاص أو مواطنين أمريكيين». مضيفة أن خدماتها لن تتاح لوكالات استخباراتية مثل وكالة الأمن القومي.
بين الاعتبارات الأخلاقية والسمعة المؤسسية
لا يمكن فصل عقد OpenAI مع الناتو عن التحديات المرتبطة بسمعة الشركة وصورتها العامة. فقد نقلت «وول ستريت جورنال» عن سام ألتمان قوله إن الاتفاق مع البنتاجون كان «قرارًا معقدًا لكنه صحيح». رغم ما يحمله من تبعات سلبية على صعيد العلاقات العامة في المدى القصير. وهذا التصريح يعكس إدراكًا داخليًا لحجم الجدل الذي قد يرافق أي تعاون عسكري.
من ناحية أخرى، يرى مراقبون أن الانخراط في شراكات دفاعية قد يعزز مكانة الشركة كمزود موثوق للحلول المتقدمة. لا سيما في ظل المنافسة الشرسة في سوق الذكاء الاصطناعي. إلا أن هذا المسار يفرض في الوقت ذاته التزامات صارمة بالشفافية والامتثال القانوني. فضلًا عن ضرورة وضع ضوابط واضحة تمنع إساءة الاستخدام.
بشكلٍ عام، تبدو مسألة عقد OpenAI مع الناتو اختبارًا حقيقيًا لقدرة شركات التكنولوجيا على الموازنة بين الابتكار والمساءلة. فبينما تتسارع وتيرة دمج الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحساسة، يظل السؤال الجوهري قائمًا: كيف يمكن توظيف هذه التقنيات لتعزيز الأمن دون المساس بالقيم والحقوق الأساسية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل هذا العقد المحتمل. بل أيضًا شكل العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة في السنوات المقبلة.
Loading ads...
الرابط المختصر :
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





