لم يعد التسوق الأسبوعي مجرد مهمة منزلية تنتهي بوضع المشتريات في أكياس والعودة إلى المنزل. بالنسبة إلى كثير من الأمهات والآباء تبدأ هذه المهمة قبل مغادرة البيت بوقت طويل عندما يحاول أحدهما تذكر ما نفد من الثلاجة، وما يحتاج إليه الأطفال خلال الأيام المقبلة، وما الوجبات التي يمكن إعدادها بما يتناسب مع الميزانية. ومع ارتفاع الأسعار وتزايد الخيارات داخل المتاجر، لم تعد المشكلة في دفع ثمن المشتريات فقط، وإنما في الكم الكبير من القرارات التي يتعين اتخاذها خلال هذه الرحلة.
هكذا أصبح التسوق الأسبوعي مهمة تجمع بين التخطيط والحساب والمقارنة والتفاوض، قبل أن تصل أخيرا إلى الفاتورة. ولعل هذا هو ما يفسر شعور كثير من الأمهات والآباء بإرهاق فعلي بعد كل زيارة للمتجر، إرهاق لا تفسره فاتورة الدفع وحدها.
قد تبدو قائمة المشتريات مجرد ورقة صغيرة، لكنها بالنسبة إلى الأم تختصر قدرا كبيرا من التفكير الذي يبدأ قبل الذهاب إلى المتجر بوقت طويل. فهي تسترجع ما استهلكته الأسرة، وما تبقى في المطبخ، وتفكر في وجبات الأيام المقبلة، وما يفضله الأطفال، وما تحتاج إليه الأسرة في الدراسة والعمل، مع محاولة إبقاء كل ذلك داخل الميزانية المتاحة.
وحتى التفاصيل التي تبدو عابرة مثل وجود ضيوف أو مناسبة خلال الأسبوع، قد تغير ما تضعه في القائمة. ولهذا فإن التسوق الذكي لا يبدأ عند دخول المتجر، بل يبدأ من محاولة الأم تنظيم أسبوع أسرتها مسبقا. وعندما تصل إلى المتجر، يتحول هذا التخطيط إلى سلسلة جديدة من الاختيارات والمفاضلات بين ما تحتاج إليه فعلا وما يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه.
لم تعد رحلة التسوق مجرد بحث عن المنتج المطلوب، فالأم تجد أمامها عشرات البدائل للمنتج نفسه، من علامات تجارية وأحجام وأسعار وعروض مختلفة، إلى جانب عبوات تحمل وعودا تتعلق بالجودة أو المكونات.
وهنا تبدأ المقارنات والاختيارات: هل العبوة الأكبر أوفر فعلا؟ وهل العرض يستحق الشراء إذا لم تكن الأسرة بحاجة إلى كمية إضافية؟ وما إذا كان المنتج الأرخص يعني بالضرورة جودة أقل؟ ومع تكرار هذه المفاضلات، يتحول التسوق إلى جهد ذهني متواصل.
في دراسة أجراها الباحثان شينا أينغار من جامعة كولومبيا ومارك ليبر من جامعة ستانفورد، ونُشرت عام 2000 في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي التي تصدرها الجمعية الأمريكية لعلم النفس، أوضحت كيف يمكن لوفرة الخيارات أن تعقد عملية الاختيار. ففي تجربة نُفذت داخل أحد أكبر متاجر البقالة في كاليفورنيا، عرض الباحثان 24 نوعا من المربى في إحدى الحالات و6 أنواع فقط في حالة أخرى.
ورغم أن المجموعة الكبرى جذبت اهتماما أكبر، فإن نحو 30% ممن واجهوا الخيارات الستة أتموا عملية الشراء، مقابل نحو 3% فقط ممن واجهوا الخيارات الـ24. وتشير النتائج إلى أن كثرة البدائل قد تجعل القرار أكثر صعوبة، حتى عندما تبدو في ظاهرها ميزة للمستهلك، أما بالنسبة إلى الأسرة محدودة الميزانية، فتصبح كل مفاضلة أكثر حساسية، لأن اختيارا غير مناسب أو عرضا مغريا قد يستهلك جزءا من المال المخصص لاحتياجات أخرى.
ولا تقف صعوبة التسوق عند كثرة الخيارات، فارتفاع الأسعار يدفع الأسرة أيضا إلى إعادة ترتيب أولوياتها داخل المتجر. ووفقا لتقرير رؤى المستهلكين الغذائية "سي إف آي" (CFI) الصادر عن مركز تحليل الطلب على الغذاء والاستدامة بجامعة بوردو الأمريكية في ديسمبر/كانون الأول 2025، غيّر نحو 82% من المستهلكين طريقة تسوقهم خلال العام، سواء بالبحث عن العروض، أو اختيار علامات تجارية أقل سعرا، أو الاستغناء عن بعض المنتجات. ومع تكرار هذه التغييرات، لم يعد المتسوق يشتري ما اعتاد عليه تلقائيا، بل يعيد تقييم كل اختيار وفقا لما يقدمه من قيمة مقابل السعر.
وقد تبدو العبوة الكبرى أكثر توفيرا، لكنها قد لا تناسب المبلغ المتاح في الوقت الحالي، بينما قد يكون البديل الأرخص أقل تفضيلا لدى الأسرة. وهكذا يتحول المشوار الأسبوعي إلى عملية مستمرة لموازنة الاحتياجات والرغبات والقدرة الشرائية، وهي معادلة تصبح أكثر تعقيدا عندما يحاول الوالدان الحفاظ على بعض العادات الغذائية التي يفضلها الأطفال دون تجاوز الميزانية.
وحين يرافق الأطفال والديهم إلى المتجر، يضاف إلى مشوار التسوق عبء آخر؛ فبينما يدخل الأهل بقائمة محددة وميزانية محسوبة، قد يبدأ الطفل في طلب الحلوى أو رقائق البطاطس أو المشروبات أو غيرها من المنتجات التي لم تكن ضمن الخطة. وتشير دراسة أعدها فريق مشترك من باحثين في جامعة ليفربول والجامعة المفتوحة في بريطانيا، استنادا إلى استطلاع أُجري في سبتمبر/أيلول 2025 على 1050 والدا في إنجلترا، إلى أن 58% من الآباء يتعرضون بشكل متكرر لإلحاح أطفالهم لشراء أطعمة غير مخطط لها، فيما ينتهي نحو 72% منهم إلى الاستجابة لهذه الطلبات.
وهنا لا يواجه الأهل قرارا ماليا فحسب، بل يجدون أنفسهم أمام محاولة مستمرة للموازنة بين رغبة الطفل وما يرونه مناسبا وصحيا لهم، والميزانية المحددة مسبقا. ومع تكرار هذه الطلبات خلال التجول بين الأرفف، تصبح زيارة المتجر أكثر إرهاقا، لأن على الأهل إدارة المشتريات والإنفاق، وفي الوقت نفسه التعامل مع طلبات قد تخرج عن القائمة والميزانية.
ولا تقتصر صعوبة التسوق على القرارات نفسها، إذ تفرض بيئة المتجر عبئا إضافيا على الانتباه؛ من الإعلانات والعروض والموسيقى إلى الازدحام والطوابير ووضع منتجات بالقرب من صناديق الدفع. ومع ضيق الوقت وخاصة في عطلة نهاية الأسبوع الأول من الشهر أو في مواسم الإجازات، يجد المتسوق نفسه مطالبا بإنجاز المهمة بسرعة، مع الحفاظ على دقة اختياراته ومراعاة احتياجات الأسرة والميزانية.
ومع تراكم هذه المؤثرات، قد تتحول زيارة قصيرة إلى تجربة تستنزف قدرا كبيرا من الطاقة الذهنية، حتى قبل الوصول إلى صندوق الدفع.
قد لا يكون إرهاق التسوق الأسبوعي سببه عامل واحد، بقدر ما هو نتيجة لتراكم ضغوط صغيرة تبدأ قبل دخول المتجر وتستمر حتى بعد العودة إلى المنزل.
Loading ads...
لذلك قد يكون تخفيف هذا العبء مرتبطا بتقليل عدد القرارات من الأساس، من خلال إعداد قائمة واضحة، وتحديد الميزانية مسبقا، وتكرار بعض الوجبات، والاعتماد على منتجات أساسية معروفة. فالتعب لا يأتي من التسوق نفسه بقدر ما يأتي من عشرات الاختيارات الصغيرة التي تتراكم داخل التسوق، والتي تجعل هذا المشوار الأسبوعي جزءا آخر من أعباء الحياة المنزلية اليومية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





