ساعة واحدة
"الإعدام للخونة".. فيلم عن غزة يفجر حملة ضد مخرجيه في إسرائيل
السبت، 19 سبتمبر 2026
من مهرجان فينيسيا السينمائي إلى شوارع إسرائيل، انقلبت حكاية فيلم "نازا" في أيام قليلة. فبعد فوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وجد مخرجاه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور نفسيهما في قلب حملة تخوين وتهديد، تجاوزت أي حديث عن الفيلم بحد ذاته إلى الدعوة لملاحقتهما وقتلهما.
كما تشير الصحافة الإسرائيلية إلى أن ناشطين من اليمين المتطرف تجمعوا أمام منزل عائلة زور مرددين هتافات تطالب بـ"إعدام الخونة" وظهر في مدينة أسدود رسم ضخم لوجهي المخرجين تعلوه كلمة "خونة" وتحاصرهما علامات تصويب.
ووصلت الملاحقة إلى المكتب الذي تعمل منه مجلة "+972" وموقع "سيحا ميكوميت" حيث يعمل أبراهام، واضطر الموظفون لإخلائه خشية على سلامتهم.
ولم تبقَ الحملة حبيسة الشارع. فقد طالب وزير الثقافة ميكي زوهار بنزع جنسية المخرجين، بينما أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الدفع نحو تشريع يتيح سحب الجنسية ممن يتهمهم بـ"تشويه سمعة" جنود الجيش، في حين أفادت تقارير بأن المؤسسة العسكرية تدرس اتخاذ إجراءات قانونية بحق المشاركين في الفيلم.
يحمل الفيلم اسم الاختصار العسكري العبري "نازا" لعبارة "نيزك أغافي" أي "الضرر الجانبي" وهو مصطلح يستخدم في سياق تقدير عدد المدنيين المتوقع سقوطهم في ضربة عسكرية.
ويستند الفيلم إلى شهادات مجهولة الهوية لـ24 جنديًا وعنصرًا في الاستخبارات الإسرائيلية، بينهم عدد من أفراد الوحدة 8200، يقولون إن أنظمة الاستهداف كانت تعرض معلومات عن المباني وسكانها، بما فيها تفاصيل عن العائلات والأطفال ومواقعهم داخل الشقق، إلى جانب تقديرات مسبقة للخسائر المدنية المحتملة.
ويقول أحد المشاركين إنه أجاز هجمات تجاوز فيها العدد المتوقع للضحايا المدنيين 200 شخص. وهنا، ترى كادمون في "يديعوت أحرونوت" أن السؤال الأثقل الذي يطرحه الفيلم لا يتعلق بآلية احتساب هذه الأرقام فحسب، بل باللحظة التي أخذت فيها حدود "الأضرار الجانبية" تتسع، وبالجهة التي كانت تقرر أن هذا العدد من القتلى المدنيين يظل مقبولًا في سبيل إصابة الهدف العسكري. وقد رفض الجيش الإسرائيلي اتهامات أساسية وردت في الفيلم.
غير أن كادمون ترى أن المفارقة سبقت أصلًا أي نقاش جاد لمضمونه. فبعد يوم واحد من فوزه في البندقية، بدا -على حد تعبيرها الساخر- أن الجميع في إسرائيل يعرف "كل ما في الفيلم وكل ما أغفله" ولماذا ينبغي نزع جنسية صانعيه، حتى غدا عدم عرضه داخل إسرائيل مجرد "تفصيل تقني".
تنقل "يديعوت أحرونوت" النقاش من "نازا" إلى الحكومة التي تحاربه. فبحسب كادمون، لا يكمن الضرر الأعمق في وجود فيلم يوجه اتهامات قاسية إلى الجيش، بل في دولة تواجه الانتقاد بالملاحقة والتخوين بدل المطالبة بتحقيق مستقل وشفاف في الوقائع التي يثيرها.
وترى الكاتبة أن الضجة تكتسب معنى سياسيًا إضافيًا مع اقتراب الانتخابات. فقد جاءت بينما كان الاهتمام يتجه إلى تحقيقات بشأن تحذيرات قيل إن نتنياهو تلقاها قبل هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن ينتقل الجدل سريعًا إلى مخرجي الفيلم وما يقولانه عن الحرب التي أعقبت الهجوم. وفي قراءتها، فإن إزاحة النقاش عن إخفاقات الحكومة إلى معركة مع صناع الفيلم تحمل منفعة سياسية واضحة لمن هم في السلطة.
ومن أمريكا، كتب السيناتور بيرني ساندرز على منصة "إكس" أن نتنياهو يهدد الآن صناع أفلام إسرائيليين كشفوا تفاصيل إبادة جماعية في غزة، وختم بدعوة صريحة إلى وقف تمويل حكومة نتنياهو من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
ويأتي الجدل حول الفيلم في وقت تكشف فيه استطلاعات عن توتر أوسع في مواقف اليهود الأمريكيين تجاه حكومة نتنياهو.
فقد أظهر استطلاع نشرته "تايمز أوف إسرائيل" أن 56% من الناخبين اليهود الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع يشعرون بقلق بالغ من أن تكون سياسات إسرائيل في عهد نتنياهو قد أسهمت في تصاعد معاداة السامية والمشاعر المناهضة لإسرائيل في الولايات المتحدة، مع أن 86% منهم ما زالوا يعرّفون أنفسهم بأنهم مؤيدون لإسرائيل. كما قال 61% إن نظرتهم إلى نتنياهو سلبية.
أما صحيفة هآرتس فترى في افتتاحيتها أن ما بدأ بإدانات وتحريض سياسي تحول إلى تهديد مباشر للمخرجين وعائلتيهما. وتشير إلى مشاركة ناشطين مرتبطين بحزب "عوتسما يهوديت" في الاحتجاج أمام منزل عائلة زور، وإلى دعوات للإبلاغ عن مكان المخرجين متى ظهرا في الأماكن العامة، بل وتهديدات بملاحقتهما "واحدًا تلو الآخر".
وتحمّل الافتتاحية الخطاب الرسمي جزءًا من المسؤولية عن هذا التصعيد، معتبرة أن وصم إسرائيليين بالخيانة والتلويح بنزع جنسيتهما يهيئ المناخ الذي يمكن أن تنتقل فيه الملاحقة من المنابر إلى الشارع.
وفي المقابل، برزت أصوات تضامن مع المخرجين، بينها الكاتب والمخرج الفرنسي الإسرائيلي أرييل سيبل، الذي أعلن في صحيفة ليبراسيون الفرنسية رغبته في التخلي عن جنسيته الإسرائيلية احتجاجًا على الحملة ضدهما.
وتعود كادمون في "يديعوت أحرونوت" في النهاية إلى معنى آخر لـ"الأضرار الجانبية". فهناك ضرر يقع لحظة سقوط القنبلة، وآخر لا ينتهي بانفجارها، يتراكم في صورة إسرائيل ومكانتها وفي الأسئلة التي خلفتها الحرب، ثم يعود بعد سنوات ليظهر على شاشة سينما في البندقية.
والمفارقة، كما تكتب، أن منظومة قادرة على احتساب عدد الأشخاص المتوقع وجودهم في شقة مستهدفة، أخفقت في احتساب الضرر الذي كانت تلحقه بنفسها.
Loading ads...
الصحافة الإسرائيلية + ليبراسيون
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




