ساعة واحدة
تحذيرات دولية من موجة غلاء.. كيف تدفع الحرب الإيرانية أسعار الطاقة والغذاء للارتفاع؟
الأربعاء، 29 أبريل 2026
تبدو الأسواق العالمية مقبلة على موجة جديدة من الاضطراب في الأسعار، مع اتساع أثر الحرب المرتبطة بإيران على سلاسل الإمداد والطاقة والمعادن والغذاء، في وقت يحذر فيه البنك الدولي من أن الصدمة الراهنة قد لا تكون عابرة، حتى إذا هدأت الحرب سريعاً.
فبحسب تقرير “آفاق أسواق السلع” الصادر عن البنك، يُتوقع أن ترتفع أسعار الطاقة بنحو 24 بالمئة خلال عام 2026، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، فيما يُرجح أن تقفز أسعار السلع عمومًا بنسبة 16بالمئة، مدفوعة بزيادات حادة في الطاقة والأسمدة والمعادن.
لا تعكس هذه الأرقام، كما يوضح التقرير، نقص الإمدادات فحسب، بل تكشف أيضًا هشاشة النظام التجاري العالمي أمام أي اضطراب في الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية للطاقة.
ويأتي مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة، باعتباره الشريان الأهم لحركة النفط المنقول بحرًا، إذ يمر عبره نحو 35 بالمئة من تجارة النفط العالمية البحرية، وقد أدّت التوترات المتصاعدة إلى خفض الإمدادات العالمية بنحو 10 ملايين برميل يومياً، وهو ما يصنّفه البنك الدولي على أنه أكبر صدمة عرض نفطية مسجلة.
ورغم أن الأسعار تراجعت قليلاً عن ذروتها الأخيرة، فإن خام برنت لا يزال أعلى بأكثر من 50 بالمئة مقارنة ببداية العام، مع توقعات بمتوسط يبلغ 86 دولارًا للبرميل في 2026، صعوداً من 69 دولارًا في 2025، على افتراض احتواء الأزمة تدريجياً وعودة الملاحة إلى طبيعتها مع نهاية العام، لكن هذا الافتراض، بحسب التقرير، يبقى هشاً للغاية، لأن أي تعثر إضافي في الإمدادات أو تصعيد جديد قد يدفع الأسعار إلى مسار أكثر حدة.
لا يتوقف التأثير عند حدود النفط، فبحسب كبير اقتصاديي البنك الدولي إنديرميت جيل، تنتقل الصدمة على شكل دوائر متتابعة تبدأ بالطاقة، ثم تصل إلى الغذاء، قبل أن تتحول إلى تضخم أوسع يضغط بدوره على أسعار الفائدة ويزيد كلفة الديون.
هذا التسلسل يجعل الاقتصادات النامية والفئات منخفضة الدخل الأكثر عرضة للخسائر، لأنها تنفق حصة كبيرة من دخلها على الغذاء والطاقة أصلاً، في وقت تتحمل فيه كثير من الدول أعباء ديون مرتفعة وقدرة مالية محدودة على امتصاص الصدمات، ومن هنا، لا تبدو الزيادة المتوقعة في الأسعار مجرد ظاهرة سوقية، بل تهديداً مباشراً للاستقرار الاجتماعي والمالي في عدد واسع من الدول.
وفي واحدة من أكثر النتائج إثارة للقلق، يتوقع البنك الدولي أن ترتفع أسعار الأسمدة بنسبة 31 بالمئة خلال 2026، مع قفزة في أسعار اليوريا بنحو 60 بالمئة، وهو ما قد يرفع كلفة الزراعة إلى أسوأ مستوياتها منذ 2022، بما يضغط على دخول المزارعين ويهدد مستويات الإنتاج في المواسم المقبلة.
ومع ارتفاع كلفة المدخلات الزراعية، ستنتقل الضغوط سريعاً إلى أسعار الغذاء في نهاية 2026 وبداية 2027، ما يعني أن المستهلكين سيدفعون لاحقاً ثمناً مضاعفاً لصدمة بدأت في أسواق الطاقة، ويقدّر التقرير أنه في حال استمرار الصراع، قد ينضم ما يصل إلى 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال العام الجاري.
كما تمتد الموجة إلى المعادن، حيث تتجه أسعار الألومنيوم والنحاس والقصدير إلى مستويات قياسية بفعل الطلب القوي من قطاعات مراكز البيانات والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، بينما تواصل المعادن النفيسة تسجيل مستويات مرتفعة في الأسعار والتقلبات مع ارتفاع الإقبال عليها كملاذ آمن في أوقات الغموض الجيوسياسي، ويُتوقع أن تقفز أسعار المعادن النفيسة بنحو 42 بالمئة في 2026، في دلالة على أن القلق لا يقتصر على الطاقة فقط، بل يشمل شهية المستثمرين واتجاهاتهم أيضاً.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، يتوقع البنك الدولي أن يبلغ التضخم في الاقتصادات النامية 5.1 بالمئة خلال 2026، بزيادة نقطة مئوية كاملة عن التقديرات السابقة، مع تراجع النمو إلى 3.6 بالمئة وخفض التوقعات بنحو 0.4 نقطة مئوية.
كما يُرجح أن يشهد 70 بالمئة من مستوردي السلع وأكثر من 60 بالمئة من مصدريها أداءً أضعف من التقديرات السابقة، وفي السيناريو الأسوأ، إذا تفاقم الصراع أو استمر تعطل الإمدادات، فقد يصل متوسط سعر النفط إلى 115 دولارًا للبرميل في 2026، ويرتفع التضخم في الدول النامية إلى 5.8 بالمئة، وهو مستوى لم يُرَ إلا خلال صدمة 2022.
يحذر البنك من أن الحكومات باتت تملك هوامش مالية محدودة بعد تراكم الصدمات خلال العقد الماضي، داعياً إلى تجنب الدعم الواسع غير الموجه، والتركيز بدلاً من ذلك على دعم مؤقت ومحدد للفئات الأكثر تضرراً، لتكتسب هذه الرسالة أهمية مضاعفة، خاصة وأن تقلبات النفط خلال فترات التوتر الجيوسياسي تكون عادة ضعف مستوياتها الطبيعية، إذ إن انخفاض الإنتاج بنسبة 1بالمئة قد يرفع الأسعار بنحو 11.5بالمئة، فيما تنتقل الصدمة لاحقاً إلى الغاز والأسمدة والوقود الحيوي.
في هذا السياق يحذر الخبير والباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، عبر منصة “إكس”، من التداعيات الاقتصادية العميقة للحرب على الأسواق العالمية، مؤكداً أن التقديرات الصادرة عن البنك الدولي تعكس سيناريو متفائلاً نسبياً يقوم على فرضية انتهاء النزاع في وقت مبكر، وليس استمراره، ما يعني أن الأرقام المعلنة تمثل الحد الأدنى المتوقع من التأثيرات، لا سقفها.
وأشار عمر إلى أن خطورة هذه الأرقام لا تكمن في نسبها المجردة، بل في توقيتها وترابطها، لافتاً إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة بهذا المستوى يضرب في صميم العملية الإنتاجية الزراعية عالمياً، باعتبارها أحد أهم المدخلات الأساسية، موضحاً أن هذا الارتفاع سيؤدي إلى زيادة تكاليف الزراعة في الموسم المقبل، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء في نهاية عام 2026 وبدايات 2027، مع انتقال موجة التضخم من مدخلات الإنتاج إلى السلع النهائية التي يتحملها المستهلك.
أضاف عمر أن الدول التي تعتمد على الاستيراد الغذائي ستكون الأكثر عرضة لهذه الضغوط، إذ ستواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في ارتفاع فاتورة الطاقة من جهة، وتصاعد كلفة الغذاء من جهة أخرى، ما يفاقم أعباء الموازنات العامة ويضغط على العملات المحلية ويزيد من مستويات التضخم الداخلي.
كما أكد أن هذه المعادلة تضع العديد من الاقتصادات النامية أمام اختبار صعب يتطلب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتعزيز سياسات الأمن الغذائي والطاقة.
ولفت إلى أن أهمية هذه التقديرات تنبع أيضاً من الجهة التي أصدرتها، فالبنك الدولي يُعرف بنهجه المحافظ واعتماده على نماذج تحليلية حذرة، ولا يصدر توقعات مبنية على رهانات السوق قصيرة الأجل كما تفعل بعض المؤسسات الاستثمارية، بل يقدم قراءات تستند إلى اعتبارات السياسات الاقتصادية والتخطيط بعيد المدى.
Loading ads...
واعتبر أن تحذير البنك من بقاء أسعار الطاقة مرتفعة حتى في حال انتهاء الحرب سريعاً يحمل رسالة واضحة للحكومات مفادها أن مرحلة التكيف مع واقع اقتصادي جديد قد بدأت بالفعل، وأن التعامل مع هذه التحولات لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة ملحة، بغض النظر عن مسار الأحداث الجيوسياسية في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





