في صحيفة الغارديان، كتب الصحفي غيث عبد الأحد: يقع كشك الكباب في فيء بناء قسمت طوابقه العلوية الثلاثة إلى شطرين فخلفت ألواحاً خراسانية بدت وكأنها معلقة في الهواء. تحت الغطاء المشمع الذي ثبتت أطرافه بقطع خراسانية، وقف رجل نحيل ذو لحية بيضاء. كان يبتسم وهو يشعل النار تحت مشواة ضيقة، ثم تردد جيئة وذهاباً على طاولة وضعت فوق عربة، وأخذ يتفحص طبقاً نشرت فوقه قطع الطماطم والأوراق الخضراء، وبضعة أسياخ من اللحم. كانت الأرضية مغطاة بحصيرة ممزقة، في حين استخدم صندوق الثلج البلاستيكي إلى جانب مزيد من القطع الخراسانية كمقاعد للزبائن الذين سيأتون لا محالة.
كانت أغلب الشوارع في العامرية مهجورة، والعامرية ضاحية مهدمة تتبع لحلب كونها تحولت خلال فترة من الفترات إلى جبهة بين الجيب الذي كان الثوار يسيطرون عليه والمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة النظام، ولكن ظهرت في تلك الضاحية بعض مؤشرات الحياة، فهنالك أطفال يتبادلون القفز على دراجة نارية صدئة، إلى جانب امرأة تبيع السجائر والماء في كشك، وشاب يحفر الردم بيديه ليستخرج قطع أحجار الكلس ويكدسها في كومة أنيقة ليستخدمها فيما بعد بإعادة بناء بيته، وعن تلك الأحجار قال: "إنها أفضل بكثير من الأحجار الجديدة".
في عموم سوريا، هنالك آلاف الشوارع التي تشبه هذا الشارع، فبعد عام على هروب بشار الأسد من البلد وانهيار نظامه، عاد ثلاثة ملايين سوري وسورية تقريباً من الخارج ومن مخيمات النازحين في الشمال، غير أن كثيرين منهم رجعوا إلى أحياء أشباح، وأماكن لا تصلها الماء ولا الكهرباء، ولهذا صارت الظلمة تبتلع أبنية بأكملها. ومع قلة المساكن، وارتفاع نسب التضخم، ارتفعت الإيجارات بشكل فاحش، فلم يعد أمام كثيرين أي خيار سوى الاحتماء بخرائب بيوتهم القديمة. وبما أن حجم الدمار كبير، أضحت عملية إعادة إعمار حي واحد فحسب مهمة جريئة حتى في حال توفر أحسن الظروف، ولكن الناس ما يزالون يسعون إلى ذلك سبيلاً.
في العامرية، أومأ لنا رجل يرتدي بنطال جينز أسود متسخ، مع قميص أحمر كتب عليه من الخلف: (احرق ماضيك)، وما إن اقتربنا منه حتى عاجلنا بالقول: "لا تتحدثوا إليه" وهو يومئ إلى بسطة الكباب، ويتابع: "لقد سرق كيس إسمنت مني".
جهود أهلية لإعادة الإعمار
قدم الرجل لنا نفسه باسم أبي عرب، وأشار إلى بناء من دون سقف يحتل إحدى الزوايا، فقد كان هذا البيت بيت أهله حسبما أخبرنا، ولقد عاد إليه من توه بعد ثلاثة عشر عاماً، فوجده قائماً على أركانه، في حين اقتلع بلاط الأرضية منه، وتعرض لحرائق بعد سنوات من الاقتتال. ولكن هنالك مؤشرات تدل على وجود أعمال إصلاحات قائمة في هذا البيت منذ فترة قريبة، فهنالك جدار جديد مبني من الطوب الخراساني يحتل أحد الجوانب، إلى جانب درفات معدنية جرى تركيبها حديثاً.
دفع الباب هذا الرجل الذي انهمر شعره الأسود المزيت فوق جبهته فدخل واقتادنا عبر ممر مظلم اصطفت فيه أكياس الإسمنت، وقال: "إنهم يواصلون سرقتها، ولهذا صرت أنام هنا لأحرسها"، غير أن بعض أجزاء البيت مهدمة، في حين أنه أعاد بناء أجزاء أخرى منه منذ فترة قريبة، ولذلك تمسكت بطرفي الجدار لأحافظ على توازني، فسمعته يقول: "حذار من الاتكاء على الجدار، لأنه يمكن أن ينقض".
أطلال البيوت في حي العامرية التابعة لحلب
سار في طريقه بحذر، على الرغم العرج الواضح لديه، فتبعته إلى غرفة صغيرة في زاوية الطابق الثالث، كان السقف قد انهار، فأصبحت الغرفة مفتوحة على سماء الخريف الباهتة، عندئذ قال لي: "هذه غرفتي، ومكتبي كان هناك على اليسار، إلى جانب سرير مفرد على اليمين، وبينهما خزانة ضيقة"، وأخذ يشير إلى كل منها وكأنه ما يزال يرى قطع الأثاث تلك، ويتذكر ألوانها وروائحها، ويتابع وعلى شفتيه شبه ابتسامة: "كانت أصغر غرفة في البيت، ولم أكن متزوجاً في ذلك الحين". بقيت زوجته وأطفاله في شقة مستأجرة في المرتفعات خارج العامرية، بانتظاره حتى ينهي العمل في البيت قبل أن ينضموا إليه وفق ما ذكر.
غرفة نوم أبي عرب بالعامرية
أحال السخام لون الجدران إلى الأسود، ناهيك عن الفتحات التي حفرتها، غير أن هذه الفتحات بدت أكبر من مجرد آثار لرصاص عادي، فقد اقتادني هذا الرجل نحو إحدى الفتحات وطلب مني أن أنظر منها وهو يقول بكل فخر: "كان هذا مقراً لقناص، كونه يشرف على المنطقة كلها، وقد عسكر ابن عمي هنا لفترة من الزمن".
أخبرني سياسي من أبناء حلب رفض أن يذكر اسمه بأن ثلثي مدينة حلب تقريباً مدمر، وبأن حجم الدمار كبير لدرجة أن عملية ترحيل الردم قد تحتاج لسنوات، فكيف بالبدء بعملية إعادة الإعمار؟! وذكر بأن حلب قد تحتاج لعقود حتى تعود لسابق عهدها قبل الحرب، وبأن جميع جهود إعادة الإعمار اليوم ما تزال أهلية، إذ يحاول أفراد من أمثال أبي عرب إعادة بناء دورهم وأماكن عملهم بأنفسهم، بيد أن عملية الترميم غير المنظمة خطرة برأيه، لأن معظم هياكل هذه الأبنية غير سليمة، "ولكن ماذا بوسع الناس أن يفعلوه؟" هكذا سأل وأضاف: "إذ ليس بوسعهم تحمل كلفة الإيجار، ولا يرغبون بالعودة إلى الخيام بعد الآن".
تمتد العامرية على سلسلة من المرتفعات الواقعة في الضواحي الجنوبية لمدينة حلب، وقد ظهرت هذه الضاحية في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما بدأت هذه المدينة كغيرها من المدن في المنطقة بالتوسع، فابتلعت القرى المجاورة بما فيها من بساتين وحقول، محولة إياها إلى مناطق واسعة مخصصة للطبقة العاملة حيث تنتشر الأبنية الإسمنتية المتشابهة.
أخبرني أبو عرب بأن أباه الذي كان يعمل مسعفاً بنى هذا البيت بمفرده في مطلع الثمانينيات، فكان بناء متعدد الطوابق له قبو، ومستودعات في الطابق الأرضي، تعلوها ثلاثة طوابق مخصصة لزوجته وأولاده، وأضاف أبو عرب وهو يربت على الجدار بكل حنان: "استخدم أبي أجود نوعية من الإسمنت لصب الأعمدة والطوابق".
وبعد انتقال العائلة إلى بيتها الجديد، تحول المرآب والمستودع في الطابق الأرضي إلى مستوصف عمل فيه الأب والشقيق الأكبر لأبي عرب، حيث كانا يقدمان العلاجات الموضعية والحقن، ويعملان بتوزيع الأدوية. أما القبو، فهو مثله مثل غيره في هذا الحي، كان يستخدم لتخزين مؤونة الشتاء الخاصة بتلك الأسرة، والتي تشتمل على البرغل المجفف وزيت الزيتون وأرتال من المرطبانات التي تحتوي على مربيات ومخللات.
إطلالة على الخرائب في حي العامرية من بيت أبي عرب
على السطح، كانت أمه تعتني بحديقتها الصغيرة المؤلفة من صفائح قصديرية مملوءة بالريحان والنعناع والطرخون، بل كانت فيها أيضاً شجرتا ليمون وزيتون صغيرتان. وفي ليالي الصيف الحارة، كان أبو عرب وشقيقه يجلسان لساعات طويلة على الأرجوحة المعدنية ليدخنا ويستنشقا روائح الأعشاب الممزوجة بالغبار. ومن نقطة المراقبة في أعلى ذلك السطح، كان الشقيقان يراقبان أنوار حلب، والطريق السريع الممتد جنوبها باتجاه دمشق، وسفوح المرتفعات البعيدة، إلا أن أكثر شيء كانا يراقبانه هو المدينة نفسها التي باتت بحراً من الأنوار الوامضة التي تتلألأ في عتمة الليل.
حلب الصامدة على مر العصور
على مدار خمسة آلاف سنة، بقيت حلب مدينة كبرى عظيمة تحتل قلب المنطقة الممتدة من سواحل المتوسط لتمر عبر الأراضي الجرداء لما يعرف اليوم بالجنوب التركي، وصولاً إلى الموصل فيما يعرف اليوم بدولة العراق. وعلى مر العصور، ازدهرت حلب كمركز تجاري وصناعي، ونالت نصيبها من الغزوات والأوبئة والاضطرابات المدنية والكوارث الطبيعية، غير أنها نجحت في الحفاظ على شخصيتها المميزة التي تجلت بكل وضوح في طرازها المعماري، ومطبخها، ونسيجها الاجتماعي المؤلف من مجتمعات وطوائف متعددة اللغات والأعراق، وهذا ما نلاحظه في أسواق المدينة القديمة، وفي مركزها التاريخي.
في عام 2011، عندما ملأ المتظاهرون ثم مقاتلو المعارضة شوارع سوريا، لم تبد حلب حماسة تجاه الثورة، ولهذا أصبح الغياب شبه التام للمظاهرات في مدينة حلب مصدراً للسخرية في بداية الأمر، ثم تحول إلى مصدر للغضب عليها بسبب لامبالاة سكانها. وأخيراً، في صيف عام 2012، أي بعد مرور أكثر من سنة وثلاثة أشهر على بدء الانتفاضة السورية، تقدمت عدة فصائل ثورية إلى مدينة حلب من مواقع تجمعها في ريف المدينة، وفي ذلك الحين، أخبرني أحد قادة الثوار من أبناء مدينة حلب عن ذلك فقال: "علينا أن نجبر الناس على الثورة".
عند وصول الاقتتال إلى حلب، ترك أهل أبي عرب بيتهم، وكغيرهم من أهالي الحي، اعتقدوا في بداية الأمر بأن المسألة مسألة وقت وبأنهم سيعودون قريباً إلى بيوتهم، ولكن سرعان ما انضموا إلى السوريين الذين فروا من الحرب. وما يزال أبو عرب يتذكر ويحزن على الأشياء التي تركها أهله، وخاصة معجون الطماطم الذي بلغ وزنه طناً ونصف الطن والذي كانت أمه قد نشرته على السطح لتجففه وتستخدمه في الشتاء، ويعلق على ذلك وهو يبتسم ويربت على بطنه العظيمة: "تعرفون مدى اهتمام الحلبيين بهذه الأمور".
تأثر شكل حرب المدن التي ظهرت بعد ذلك والتي تعتبر من أعنف الحروب في الذاكرة القريبة، بالهندسة العمرانية التي رسمها رجال من أمثال والد أبي عرب، وذلك لأن تصميم هذه الأحياء بشوارعها الضيقة، وشرفاتها المتلاصقة، وأبنيتها المتوازية، وفرت مدى واضحاً للرؤية، وهذا ما جعل تضاريسها مثالية للقنص، إذ يكفي لمسلح واحد أن يقبع على سطح أحد الأبنية، أو يتوارى في غرفة تحتل زاوية ما، حتى يسيطر على سلسلة كاملة من الشوارع، أما الحارات الطويلة المسدودة فقد استحالت إلى مصائد للقتل. ورداً على ذلك، حفر الثوار أنفاقاً تحت الأرض، وكانت تلك الأنفاق تستخدم في البداية كطرقات لتمرير المؤن، ثم تحولت إلى ممرات للهرب، ثم أصبحوا يزرعونها بالمتفجرات ويضرمون النار فيها، فتنهار في إثر ذلك أبنية بأكملها.
خلال الفترات التي هدأ فيها الاقتتال، فكر أبو عرب الذي كان يقبع مع أهله في بناء إسمنتي غير مكتمل يقع على الطرف الآخر من التلال المقابلة للعامرية بالعودة إلى البيت. وكغيره من المدنيين، كان عليه أن يتشجع ليقطع الرحلة بين الجبهات، حيث يمر بداية عبر حواجز النظام ثم حواجز الثوار، بعد ذلك عليه أن يعبر الأزقة التي يسيطر عليها القناص بسرعة.
وفي كل مرة وصل فيها إلى البيت، كان يجده مهملاً أكثر من المرة التي قبلها، وعن ذلك يقول: "في البداية اقتحمه الجيران، فأخذوا منه أشياء مثل جرار الغاز، وهذا مقبول، فالناس كانوا بحاجتها"، ولكن مرة بعد مرة، جرد البيت من كل أشيائه، بل حتى أرجوحتهم المعدنية الأثيرة على قلبه اختفت من السطح، وعن تلك المرحلة يقول: "عندما رأيت كيف عبثوا بملابس أمي وأختي، وصور عائلتي وأوراقها، بل حتى شهادات أبي.." وعند ذلك توقف عندما عجز عن إكمال الجملة.
خلال تلك السنين، ارتبطت حياة الناس وبيوتهم بحياة المقاتلين بشكل وثيق، ولهذا كان المقاتلون ينامون في الليل في شقق يستولون عليها وما تزال فيها متعلقات أصحابها الأصليين مبعثرة هنا وهناك: ومنها أكياس فارغة، وأرز مسكوب، وقوارير بلاستيكية مرمية بجانب أكوام من الملابس النسائية.
فتح المقاتلون فتحات كبيرة في جدران الأبنية البرجية لإقامة ممرات مؤقتة بين الشقق المهجورة، وخلال فترة من فترات الاقتتال في حلب، تبعت مجموعة من الثوار أثناء مرورهم في أحد تلك الممرات، حيث مروا من فتحة في مطبخ إحدى الشقق دخلوها بعد أن داسوا على المجلى الرخامي. كان باب الثلاجة مفتوحاً والثلاجة مليئة بالخضار العفنة، كما ترك ساكنو البيت القدامى مرطبانات من كبيس الزيتون والفليفلة الحارة التي بقيت على حالها في أحد رفوف خزائن المطبخ.
ومن المطبخ، قطع المقاتلون ممر الشقة الذي غطته طبقات سميكة من الغبار الأبيض وأثار أحذية العشرات من الرجال. بعد ذلك دخلنا غرفة الأطفال حيث كانت الألعاب مرتبة بأناقة في صندوق بلاستيكي أزرق، ومن فتحة أخرى في الجدار وصلنا إلى غرفة نوم الجيران، حيث دسنا على أكوام من الملابس والأحذية النسائية التي تناثرت فوق الأرضية. وقد ذكرتني تلك الرحلة بالرسومات ذات الأقسام المتعددة التي درستها في كلية العمارة.
بعد انسحاب المقاتلين المناهضين للأسد في عام 2017، أصبحت العامرية إحدى ضواحي الأشباح الكثيرة التي تطوق حلب، فهنالك أرتال من الأبنية الجوفاء التي تقشرت سطوحها، وخرجت أعمدتها الخراسانية من مكانها كما الأضلع المكسورة، وامتلأت فيها شوارع بأكملها بهياكل عظمية ظهرت بين أكوام الخرسانة البنية المائلة للون الرمادي كما تتبدى شواهد القبور. وهكذا، "باع" القادة العسكريون المسؤولون عن تلك الأحياء أبنية برمتها للمقاولين الذين أرسلوا إليها العمال ليجردوها من كل شيء ذي قيمة: مثل الأسلاك والأنابيب ومفاتيح الإنارة وحديد التسليح، فلم يتركوا وراءهم سوى صور كبيرة للديكتاتور مرتدياً نظارة شمسية وهو يشرف على ما نفذه رجاله من عمل على أتم وجه ويعجب لمدى براعتهم في ذلك.
على مدار عشرات السنين قبل الحرب، بقيت حلب بعيدة عن المعارك الأيديولوجية التي عصفت بسوريا، إلا أن أبرز أعمال المقاومة التي قدمتها المدينة ظهرت عندما أصبحت المدينة القديمة تحت رحمة مخطط تحديث عمراني يمكن أن يدمر أحياء تاريخية فيها عن بكرة أبيها. وعلى الرغم من حكم نظام البعث القمعي، نجح الحلبيون بمقاومة هذا المشروع، فحجزوا لمدينتهم القديمة مكاناً ضمن مواقع التراث العالمي لدى منظمة اليونيسكو وذلك في ثمانينيات القرن الماضي.
حافظت حلب أكثر من أي مدينة أخرى في الشرق الأوسط على هويتها التاريخية في العصور الحديثة، وذلك لم يقتصر على حماية الأبنية القديمة واللقى الأثرية فحسب، بل أيضاً عبر الحفاظ على المدينة القديمة ككينونة حية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، حيث بقيت الحرف التقليدية تمارس في الورشات القديمة. وما تزال المدينة القديمة وسوق المدينة الشهير القائم فيها والذي يعتبر أكبر سوق مسقوف في العالم، يحتلان قلب الحياة التجارية في هذه المدينة التي أقيمت حول سوقها خانات أثرية، وهي عبارة عن أبنية مؤلفة من طابقين أو ثلاثة، وتحتوي على غرف بنيت حول باحة مركزية، حيث يمكن للتجار والحجاج والمسافرين أن يأخذوا قسطاً من الراحة وأن تحظى أنعامهم برعاية، وأن يقوموا بتخزين بضائعهم، إلى جانب ممارستهم للتجارة. وتتراوح تلك الخانات ما بين نزل بسيط أقيم على قارعة الطريق وصولاً إلى الأبنية المزخرفة بعناية التي وهبتها العائلات الموسرة وحكام المدينة لهذه الغاية.
سوق المدينة.. يتعافى
في أواخر العام الماضي، وداخل الأزقة المسقوفة في متاهة السوق، عثرت على رجل اسمه أنس يجلس في فناء خانه القديم برفقة أحد أولاده واثنين من التجار. كان الخان نفسه قد تحول إلى خرابة، إذ في عام 2023، ضرب زلزال المنطقة، مما تسبب بأضرار كبيرة للمدينة القديمة التي أصبحت هشة بعد سنوات من الاقتتال. وأثناء حديثي إليه، تبدت مشاعر أنس المعجونة بالألم وهو يعد خسائره وخسائر مدينته، كما أعرب عن فرط سعادته لعودته إلى الأسواق القديمة.
قبل الحرب، كان أنس رجل أعمال غني إلى حد ما، إذ كان يمتلك مصانع للألبسة في المدينة القديمة، ولديه عقارات كثيرة في المدينة. في ذلك الحين، كان يحب أن يكون أول الواصلين إلى الخان، قبل أن يمتلئ السوق المسقوف بالضجيج وحشود البشر، ولهذا كان يجيل بصره في الباحة معجباً بجمال نوافذها العالية ذات الأقواس، ولو أمال رأسه قليلاً لرأى مئذنة الجامع القريب التي يعود تاريخها للقرن السادس عشر.
الدمار في خان التتن بحلب
عند بدء الاقتتال في حلب، لم يمض وقت طويل حتى أحرقت المناطق الأثرية فيها، فقد دمرت الحرائق الأولى أجزاء من سوق المدينة في عام 2012، كما التهمت النيران أجزاء من الجامع الكبير، والمكتبة الموجودة في جناحه الشرقي والتي تشتمل على مخطوطات قيمة، كلها استحالت إلى رماد. وبعد ذلك بفترة قصيرة، انهارت المئذنة، وأخذت الخانات والحمامات والأبنية التي تتمتع بأهمية تاريخية ودينية لا تضاهى تختفي الواحدة تلو الأخرى. ومع حفر الثوار للأنفاق تحت الحي القديم، انفجرت كميات هائلة من المواد المتفجرة تحت ثكنات تعود للحقبة العثمانية فانهارت مبان بأكملها داخل تلك التجاويف التي شكلتها الانفجارات.
ووفقاً لما رواه لنا أنس، فإنه لم يكن مهتماً بالسياسة عندما اندلعت الانتفاضة في عام 2011، لكنه أصبح متطرفاً في اهتمامه بها بعد ذلك بعام، وذلك في إثر حادثة مهينة تعرض لها على يد رجال شرطة الأسد الذين ضربوه واعتقلوه وأجبروه على الركوع على الأرض في السوق الذي يحبه على مرآى بقية التجار. وبعد دفع رشوة قيمتها 800 دولار أطلق سراحه، إلا أن اللحظة التي تعرض فيها للإهانة أمام الناس هي التي وضعته على مسار لم يكن منه مهرب، وعنه يقول: "في ذلك اليوم، قررت أن أضحي بحياتي وثروتي بل حتى أولادي لإسقاط النظام"، بل وصل به الأمر إلى تشكيل فصيل ثوار صغير يضم أبناء المدينة القديمة بصورة أساسية، بعضهم كان عاملاً في مصنعه، وبينهم بعض أبنائه، وهكذا تمركز هؤلاء في حارات السوق حول باب أنطاكيا.
في نهاية المطاف، وتحديداً في عام 2017، وبعد انسحاب الثوار من حلب، هرب أنس إلى تركيا وقرر البدء من جديد عبر القيام بما يجيده، وهو صناعة الألبسة، فازدهر عمله هناك، وبعد مرور بضع سنوات، نجح بتوفير ما يكفي من المال ليشتري لأولاده شققاً خاصة بهم وليوسع أعماله.
إلا أن ألم الغربة لم يبارحه، ففي كل ليلة كان يجلس مع أهله ويكرر القصص نفسها عن رحلة أبيه وجده إلى حلب وأسواقها القديمة، وكيف خسروا كل شيء أسساه هناك، ويحدثنا عن ذلك فيقول: "حتى زوجتي وأولادي ملوا من تكراري للقصص القديمة نفسها عن حلب.. وهكذا لم يبق أحد لم أقص عليه تلك القصص سوى حفيدي الصغير"، ولهذا كان يأخذ الصبي كل يوم أحد إلى حديقة في إسطنبول ليسرد له الحكايا نفسها ويقول له: "كان لدينا أراض ومعامل في أعظم مدينة بالعالم.. فكان الصبي المسكين يصغي إلي وهو ساكت، لكنه في بعض الأحيان كان يقول: جدو أعرف كل هذا، ولكنه يظل يستمع إلي من دون تذمر".
يتألف سوق المدينة من أسواق أصغر، كل منها مخصص لتجارة معينة: مثل التوابل، والحبال، والزيتون، والنسيج، وغير ذلك. وقد جرى ترميم تسعة أسواق من أصل 54 سوقاً، ولهذا عندما زرتها وجدتها تعج بالناس مجدداً، إذ كان الزبائن يتجولون، والتجار ينادون، والحمالون يوسعون الطريق لعرباتهم، والمشترون يختبرون جودة قماش الألبسة الداخلية وحمالات الصدر.
الأطلال في الأسواق الأثرية في المدينة القديمة بحلب
ما تزال معظم الأسواق مهدمة، ولهذا نما العشب على أسقف الأكشاك التي تهاوت والقبب التي انهارت، ما جعل المشهد غاية في القسوة، إذ ما تزال درفات المتاجر ملتوية ومخرمة بفتحات خلفها الرصاص. وفي أحد الخانات الأثرية التي تحولت إلى ثكنة خلال الحرب، برزت القضبان الحديدية من الجدران التي دمرت بشكل جزئي، بعد أن كانت تمثل جزءاً من المظهر الخارجي الأنيق للمبنى. وداخله ما تزال أكياس الرمل موجودة، إلى جانب علب صدئة لمؤونة الجيش ومراتب قذرة. أما النيران فقد حولت السقف المقنطر إلى سقف أسود اللون، وخرمت الطلقات أجزاء من أعمال الجص مما يخلق إيحاء بوجود نجوم تشع وسط سماء قاتمة. وفي قلب ما كان طريقاً رئيسياً يعج بالناس في يوم من الأيام، رميت أريكة تعود لأحد الحراس القدامى.
خلال فترة من الفترات أثناء تجوالي في أحد الأزقة المظلمة، ارتفع صوت طبل من أحد الحمامات، فقد احتشدت مجموعة صغيرة من الناس أثناء رقص شاب رقصة العريس عند خروجه من الحمام إلى حفل زفافه. ابتعد بعض الناس عن الخرائب ليصلوا إلى أجزاء من الأسواق التي تم ترميمها، في حين مكث آخرون ليلتقطوا صور السيلفي.
في أحد أقدم الخانات وأهمها، جلس نحو عشرة شبان القرفصاء على الأرضية، وسط أجواء شبه مظلمة، وأخذوا يقطعون ألواح الصابون إلى مكعبات متماثلة، فبدا المشهد وكأن الحرب لم تمر على هذه المدينة، ولكن خارج ذلك المكان، تمتد الخرائب والركام لمئات الأمتار على كلا الجانبين، وما تزال بعض السقوف متفحمة، في حين أصلح وضع أسقف أخرى. ولقد تمت بعض أعمال الترميم بدقة، بشكل فيه احترام كبير للطابع القديم للمكان، في حين بدت الترميمات الأخرى مثل الممرات التي تراها في أي مجمع تجاري، وحتى في تلك الأسواق التي ما يزال كل شيء فيها محروقاً، والتي أصبحت فيها أزقة بأكملها سوداء ومهجورة، عاد الرجال ليجلسوا على مقاعد بلاستيكية خارج متاجرهم المدمرة، لينتظروا ويراقبوا، رافضين الرحيل عن مكان صنعهم خلال مرحلة من المراحل.
أخبرني أنس بأن أحدث تحد بالنسبة له أتى من مكان قصي، ألا وهو الصين، إذ منذ سقوط النظام، رفعت الرسوم الجمركية، وانخفضت التعرفة، فغرقت الأسواق القديمة بالبضائع الرخيصة المستوردة، وهذا ما عرقل ما تبقى من صناعات في حلب، ولهذا قال أنس: "إن لم يوقفوا الاستيراد، لن أتمكن من فتح ورشاتي مرة أخرى، فهل تعرف كم شخصاً يحتاجه العمل على تصنيع حمالة صدر واحدة؟ فهنالك من يحيك، وهنالك من يلصق الإسفنج، وهنالك شخص يضيف الشريط المطاطي.. ثم.." وهنا توقف وأخذ يعد على أصابعه ثم قال: "خمسة وثلاثين شخصاً يعملون على إنجاز حمالة صدر واحدة".
نظر أنس إلى الباحة المهدمة والأقواس المكسرة والأحجار المتساقطة، وقال: "لست بحاجة للأمم المتحدة ولا للأميركيين، فقط أغلقوا الحدود أمام البضاعة الصينية، وسنؤمن عملاً لآلاف العمال".
"لا أحد يعرف ما يمكن أن يحدث في هذا البلد"
خلال الأسابيع الماضية، أضحى حيان كرديان في حلب في مرمى النار، وهذان الحيان كانا يعتبران آمنين نسبياً خلال الحرب، وفيهما كثافة سكانية عالية، تضم العرب والكرد والمسيحيين الذين فروا من مناطقهم عندما دمرت بيوتهم. ولهذا فإن السياسي من أبناء المنطقة الذي تحدثت إليه شارك في التفاوض على مخرج آمن للمدنيين الذين حاولوا الهروب عند اندلاع الاقتتال من جديد، ولهذا قال لي هذا الرجل: "أرى أعمدة الدخان تتصاعد من حي الشيخ مقصود، ومشاهد الناس وهم ينزحون تفطر قلبي، لأنها تشبه ما حدث خلال الأيام الأولى للحرب".
وذكر هذا الرجل بأن العنف الذي اندلع مؤخراً ظهر بسبب عدم توصل الطرفان إلى حل، وتابع: "لا يمكن للدولة أن تقبل بوجود تشكيلات مسلحة داخل المدينة، والكرد لا يرغبون بتسليم سلاحهم لأنهم لا يثقون بالحكومة".
عندما تسير بين الخرائب في حلب، تحس بأن النزاع لما ينته بعد، وتشعر وكأن القناصة ما يزالون يحدقون ويتربصون في مخابئهم، ففي مدن مثل بيروت وسراييفو والموصل تشعر بأنها ما برحت تحيا في ظل ما شهدته من حروب في السابق، ولعل السبيل الوحيد لقهر هذا الإحساس بالخوف ليس عبر مسح تلك الخرائب عن بكرة أبيها ثم تشييد الأبنية من جديد، بل عبر اتباع طريقة أبي عرب المتمثلة بمجابهة الخراب مرة بعد مرة، وذلك عبر تثبيت إطار هنا، وتركيب باب هناك، ثم بناء جزء من جدار، وبذلك تقهر الخراب عبر البناء لبنة بعد لبنة.
سألت أبا عرب إن كان قد حاول العودة للعيش في البيت بعد انتهاء القتال في حلب عام 2017، فأجابني بنعم، إذ بعد مرور بضعة أشهر على رحيل الثوار، حاول العودة من جديد إلى البيت، فوجد هذه المرة ثلة من جنود النظام يسكنونه، وكانت الجدران سوداء بفعل السخام، وقد اختفى من البيت كل ما لم ينهب منه في السابق، غير أن الجنود لم يصدقوا روايته وبأنه يزور بيت أهله، ولهذا احتجزوه على الفور، وعلقوه من ذراعيه بالسقف، ثم بدأوا يستجوبونه ويعذبونه ويسألونه: "ألم يشغل الإرهابيون هذا البيت؟، من كانوا؟ هل سمحت لهم بإقامة مقر للقنص على السطح؟"
الخرائب في حي العامرية بحلب
إلا أن الاعتقال والتعذيب لم يدم إلا لفترة قصيرة، وذلك عندما اكتشف العساكر أنه لم يرتكب أي جرم خلا أنه لم يكمل خدمته العسكرية الاحتياطية، وهكذا جرى تجنيده على الفور وأرسل ليخدم في الجيش لمدة عامين. وخلال إحدى المعارك أصيب في ساقه إصابة لم يبرأ منها ما تسبب له بالعرج، وبعد ذلك ظل ينتظر إلى أن سقط النظام قبل أن يجرؤ على العودة مرة أخرى.
قبل رحيلنا اقتادني إلى ما كان في السابق غرفة جلوس، لكنها كانت مليئة بمرتبات قديمة للعساكر وبالقمامة. ومن خلف دلو الطلاء، أخرج علم النظام السابق، فسألته: "لماذا تحتفظ به؟"
فرد: "لا أدري، إذ لا يمكنك أن تعرف ما الذي يمكن أن يحدث في هذا البلد".
فسألته غير مصدق: "أو تعتقد بأن الأسد يمكن أن يرجع؟"
فرد بكل هدوء: "لست أدري، فلقد رأينا الكثير.. واحترقنا مرات كثيرة".
Loading ads...
المصدر: The Guardian
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

حمص الفداء يفوز على الشبيبة في دوري كرة السلة للرجال
منذ ثانية واحدة
0




