7 أيام
معارضة الفساد لا معارضة الدولة.. في الحدود الفاصلة بين نقد السلطة وتقويض المؤسسة
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
من الثابت أن كل مجتمع يمر بمرحلة انتقال سياسي يجد نفسه أمام سؤال لا يمكن تأجيله: هل يُقاس الولاء للدولة بالصمت عما يصدر عنها، أم بالحرص على أن تبقى جديرة بهذا الولاء؟ لا يبدو هذا السؤال ترفاً فكرياً في المراحل التي تعاد فيها صياغة العلاقة بين المجتمع والسلطة، لأن الخلط بين الدولة والسلطة يجعل النقد اتهاماً، ويجعل الدفاع عن الدولة ذريعة لتبرير أخطاء من يديرونها، في حين المطلوب هو استعادة المعنى المؤسسي للدولة باعتبارها إطاراً عاماً للمصلحة والحقوق والقانون.
ومن هنا، فإن التمييز بين معارضة الفساد ومعارضة الدولة ليس مجرد صياغة لغوية، بل هو فرز ضروري بين مفهومين كثيراً ما يختلطان، فالفساد لا يقتصر على الرشوة والاختلاس واستغلال المال العام، وإن كانت هذه من أبرز صوره، بل يشمل كل ممارسة تحوّل الوظيفة العامة إلى منفعة خاصة، أو تجعل القانون خاضعاً لإرادة الأقوياء، أو تمنح الولاء بديلاً عن الكفاءة، أو تضعف استقلال المؤسسات، أو تسمح باستخدام السلطة لحماية النفوذ بدلاً من حماية المصلحة العامة.
إن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون مجرد تبدل الأشخاص أو الشعارات، بل مقدار ما يتحقق من انتقال فعلي من منطق السلطة التي تدير الدولة وفق إرادتها إلى منطق الدولة التي تضبط السلطة بالقانون والمؤسسات.
وعندما تتكرر هذه الممارسات وتتحول إلى قواعد غير مكتوبة للعمل، فإننا لا نكون أمام انحرافات فردية فحسب، بل أمام خلل في بنية الدولة وطريقة اشتغالها.
قد يكون الفساد مالياً حين تُنهب الموارد أو تُبرم الصفقات بعيداً عن قواعد الشفافية، وقد يكون إدارياً حين تتراجع الكفاءة لمصلحة المحاباة، وقد يكون سياسياً حين تُحتكر عملية اتخاذ القرار أو تُستخدم المؤسسات لإقصاء المجتمع عن المشاركة، وقد يكون مؤسسياً حين تُفرَّغ القوانين من مضمونها، أو تُضعف أجهزة الرقابة، أو يصبح المسؤول محصناً بحكم موقعه لا بحكم أدائه، وربما كان أخطر أشكاله حين يتحول إلى ثقافة عامة تجعل تجاوز القانون أمراً مقبولاً ما دام صاحبه يملك النفوذ أو القدرة على الحماية.
لهذا، فإن مواجهة الفساد ليست عملاً عدائياً تجاه الدولة، بل دفاع عن وظيفتها الأساسية، فالدولة الحديثة تقوم على الفصل بين الشخص والمنصب، وبين المال العام والمصلحة الخاصة، وبين القرار السياسي والقواعد القانونية، وبين المؤسسة ومن يتولى إدارتها.
وكلما تراجعت هذه الحدود، أصبحت الدولة أقرب إلى شبكة مصالح، مهما بقيت مؤسساتها قائمة من الناحية الشكلية، ومهما ارتفعت شعارات الهيبة والاستقرار.
حيث لا تُقاس هيبة الدولة بقدرتها على منع النقد، بل بقدرتها على فرض القانون على الجميع، وحماية الحقوق، وضمان انتظام المؤسسات، وإتاحة الفرص على أساس الاستحقاق. والدولة التي يخشى فيها المواطن من المسؤول أكثر مما يثق بالقانون ليست دولة قوية بالمعنى المؤسسي، حتى لو بدت قوية بأدواتها الأمنية، لأن القوة التي لا يضبطها القانون قد تحمي السلطة مؤقتاً، لكنها لا تبني دولة قابلة للاستمرار.
في هذا الإطار، فإن رفض الفساد لا يعني رفض مؤسسات الدولة، كما أن انتقاد أداء الحكومة لا يعني الدعوة إلى تعطيل الإدارة، والمطالبة بإصلاح القضاء لا تعني إضعافه. فالإصلاح الحقيقي يفترض مؤسسات فاعلة وقواعد واضحة وآليات رقابة قادرة على تصحيح الأخطاء. ولذلك، فإن المعارضة التي تستهدف الفساد ينبغي أن تكون معنية ببناء المؤسسات لا بتقويضها، وبإعادة الاعتبار للقانون لا بإضعافه، وبجعل الدولة أكثر قدرة على خدمة المجتمع لا أقل قدرة على أداء وظائفها.
وتزداد أهمية هذا التمييز في المراحل الانتقالية، حيث تتداخل الحاجة إلى الاستقرار مع الحاجة إلى التغيير. فالانتقال السياسي قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل المؤسسات، لكنه قد يفتح أيضاً باب إعادة توزيع النفوذ من دون تغيير جوهري في طريقة إدارة الدولة، كأن يُستبدل موقع بموقع، واسم باسم، فيما تبقى القواعد التي أنتجت الخلل كما هي.
لذلك، فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون مجرد تبدل الأشخاص أو الشعارات، بل مقدار ما يتحقق من انتقال فعلي من منطق السلطة التي تدير الدولة وفق إرادتها إلى منطق الدولة التي تضبط السلطة بالقانون والمؤسسات.
وفي الحالة السورية، تبرز هذه المسألة بوصفها جزءاً من السؤال الأوسع حول معنى التغيير نفسه. فالمطلوب ليس فقط إنهاء أشكال الاستبداد أو استبدال مواقع النفوذ، بل بناء دولة يشعر فيها المواطن أن حقوقه لا تتوقف على قربه من السلطة، وأن الوظيفة العامة ليست مكافأة سياسية، وأن القانون لا يطبق انتقائياً، وأن المؤسسات لا تُدار وفق الولاءات الشخصية أو الفئوية، وهذا يتطلب نقداً سياسياً واضحاً، لكنه يتطلب أيضاً وعياً بأن الدولة التي نريد بناءها تحتاج إلى إدارة وقضاء وأمن وخدمات تعمل، لا إلى فراغ مؤسسي يُقدَّم باعتباره انتصاراً على السلطة.
ومن هنا، فإن فاعلية المعارضة الوطنية ليست بقدرتها على رفع سقف الخطاب، بل بقدرتها على تحديد ما ينبغي تغييره، وما ينبغي حمايته، وما ينبغي بناؤه من جديد، فالمعارضة التي ترفض الفساد لأنها تريد دولة أكثر عدالة وشفافية ومساءلة تختلف عن معارضة تجعل من كل مؤسسة هدفاً، كما تختلف عن خطاب يبرر كل شيء باسم الاستقرار. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على تعطيل النقد، بل على قواعد تجعل الخلاف السياسي قابلاً للإدارة، وتجعل السلطة قابلة للمراجعة، وتجعل المجتمع قادراً على التعبير عن مصالحه من دون أن يتحول ذلك إلى صراع دائم على وجود الدولة نفسها.
وتقتضي معارضة الفساد أيضاً تجاوز اختزاله في الأشخاص، لأن تغيير المسؤول الفاسد لا يكفي إذا بقيت البيئة التي تسمح بالفساد قائمة، وإذا ظلت الصلاحيات غير واضحة، والرقابة ضعيفة، والتعيينات خاضعة للمحاباة، والقرارات غير قابلة للمراجعة. لذلك، فإن الإصلاح لا يبدأ من محاسبة من ارتكب المخالفة وحده، بل من إعادة بناء القواعد التي تمنع تكرارها، ومن جعل النزاهة والكفاءة والمساءلة جزءاً من عمل المؤسسات، لا مجرد صفات أخلاقية يُطلب من الأفراد التحلي بها في ظل نظام يسمح بعكسها.
الدولة ليست شخصاً ولا حزباً ولا جماعة ولا سلطة مؤقتة، وإنما هي الإطار العام الذي ينبغي أن تتسع داخله الاختلافات، وتُحمى فيه الحقوق، ويُحاسَب فيه المسؤول
وفي هذا السياق، يصبح النقد السياسي أكثر مسؤولية حين يربط بين الظاهرة ونتائجها، فلا يكتفي بالقول إن هناك فساداً، بل يوضح كيف يؤدي إلى إضعاف الدولة، وتراجع الثقة العامة، وتعطيل التنمية، وتحويل القانون من أداة للعدالة إلى وسيلة للتمييز.
كما لا يكتفي برفض السلطة، بل يطرح بديلاً مؤسسياً يقوم على توزيع الصلاحيات، واستقلال الرقابة، ووضوح المسؤولية، وحق المجتمع في المعرفة والمساءلة. فالمعارضة التي لا تنتج فهماً أفضل للدولة قد تنجح في إضعاف سلطة قائمة، لكنها لا تضمن بالضرورة بناء دولة أفضل.
في النهاية، لا تحتاج الدولة الحديثة إلى موالاة تبرر كل شيء، ولا إلى معارضة تعارض كل شيء، بل تحتاج إلى معارضة تعرف أن حماية الدولة لا تعني حماية أخطاء السلطة، وأن إصلاح المؤسسات لا يعني تعطيلها، وأن نقد الفساد ليس خروجاً على الدولة، بل دفاع عن معناها القانوني والأخلاقي والسياسي.
Loading ads...
فالدولة ليست شخصاً ولا حزباً ولا جماعة ولا سلطة مؤقتة، وإنما هي الإطار العام الذي ينبغي أن تتسع داخله الاختلافات، وتُحمى فيه الحقوق، ويُحاسَب فيه المسؤول، ومن هذا المنطلق، فإن معارضة الفساد لا معارضة الدولة ليست مجرد عنوان، بل قاعدة في التفكير السياسي، وموقف من الدولة باعتبارها ملكاً عاماً، ومن السلطة باعتبارها مسؤولية قابلة للمساءلة، ومن الإصلاح باعتباره الطريق إلى دولة أقوى لا ذريعة لإضعافها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




