43 دقائق
حين تتحدث الحفارات لغة الضاد.. كيف عبر “المهندس العجيب” من براغ إلى أطفال العرب؟
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

حين تعبر حكاية كُتبت لطفل في قلب أوروبا حدود الجغرافيا لتصل إلى طفل عربي، فإنها لا تنتقل بالكلمات وحدها، بل تحمل معها عالما متكاملا من الخيال والأفكار والصور.
ومن هذه المساحة الشاسعة التي يلتقي فيها الأدب بسحر الترجمة، وصلت إلى المكتبة العربية "مغامرات المهندس العجيبة" للكاتبة التشيكية باربورا كلاروفا، لتقدم نموذجا مختلفا من أدب الطفل الأوروبي؛ حيث تمتزج المغامرة بالتكنولوجيا، ويتحول البحث عن الحلول إلى جزء أصيل من متعة الحكاية.
لم تكن هذه المجموعة القصصية نبتة معزولة عن سياقها؛ فمدينة براغ، التي أهدت خيال الأطفال حول العالم كلاسيكيات خالدة في فنون الدمى والرسوم المتحركة، تواصل عبر هذا العمل تقليدها العريق في منح الجمادات أرواحا نابضة.
لا يعتمد عالم كلاروفا على التروس والأسلاك المعدنية الباردة، بل يمنح الآلات مشاعر ورغبات وأحلاما سرية تتناغم مع الرسوم الإيضاحية المبهجة التي توازي النص في أهميتها البصرية لتشكيل وعي الطفل.
ولدت فكرة "المهندس العجيب" من الحكايات التي كانت ترويها كلاروفا لابنتها قبل النوم، مستلهمة شغف الطفلة بالحفارات والقطارات.
كانت الأم تسارع لتدوين أفكار المغامرات التي صنعت بطلا قادرا على فهم لغة الآلات. ومن غرفة الطفلة، حلقت الحكايات إلى أثير الإذاعة التشيكية عبر برنامج الأطفال الشهير "هايايايا"، قبل أن تُجمع في سبع قصص تحفز الأطفال على التفكير المستقل.
ولم تتخيل كلاروفا أن حكاياتها ستعبر إلى العربية "حتى في أكثر أحلامها جموحا". وبمرح طفولي، تتمنى الكاتبة لو امتلكت قدرة سحرية تتعلم بها العربية في ومضة عين، كي تطرق أبواب العائلات العربية وتسأل الأطفال عما إذا كانت لديهم "آلة في المنزل" تحتاج إلى نصيحة بطلها، موجهة رسالة للأطفال العرب:
"استمتعوا بالقصص قبل كل شيء، وربما يصبح أحدكم يوما ما مهندسا عجيبا"
على الضفة الأخرى من التجربة، فرض نقل حكايات كلاروفا إلى العربية تحديا تجاوز حدود النقل الميكانيكي للمفردات على مترجم العمل التعامل مع اللغة التشيكية سياسيا وثقافيا، واضعا نصب عينيه هدفا واحدا: أن يقرأ الطفل العربي الحكاية وكأنها كُتبت بلغة الضاد، دون المساس بهويتها الأصلية.
تمثل التحدي الأكبر في نقل الصور، وإيقاع الحكاية، وموسيقاها؛ فاللغة التشيكية بتراكيبها وخصوصيتها قد تفقد الكثير من سحرها في الترجمة الحرفية الجافة. يظهر هذا الجهد بوضوح في محاولة الحفاظ على الإيقاع الصوتي، كما في مطلع حكاية القاطرة:
"يُحكى أنه كانت هناك قاطرة صغيرة تحب التجول، وتجوب البلاد بين الحقول والوديان، تحمل الناس في رحلات لا تُنسى.
وكان كل من يسافر معها سعيدا، يكيل لها المديح.. وعلى صوتها المرح الذي يصدح في الأفق: هرّا! هوو هوو! هرّا! وكان صداها يمتد بعيدا في الآفاق.. حتى إن كل من لمحها يجد نفسه، دون أن يشعر، يصرخ أو يهمس لنفسه بالنغمة نفسها: هرّا! هوو هوو! هرّا!".
تقترب إحدى الحكايات السبع بشكل خاص من القارئ العربي؛ ففي قصة "المصعد الغاضب"، يضيق المصعد برتابة حياته ويصرخ معبرا عن رغبته في السفر لرؤية بلاد بعيدة. يحقق له "المهندس العجيب" أمنيته وينقله إلى المملكة العربية السعودية، حيث ينال معاملة استثنائية:
"أصلحوا اللمبة المنفجرة، وطلوا قضبانه باللون الذهبي، واستبدلوا أزراره بأحجار كريمة، وصقلوه حتى أصبح يلمع ويبرق"
لكن، بمجرد أن يهدأ انبهاره بالارتفاع والبذخ البصري المحيط به، يباغته إحساس لم يعرفه من قبل، ليكتشف أنه "لقد اشتاق إلى وطنه"؛ ليقدم النص والرسوم المرافقة له درسا بليغا للطفل عن المغامرة، والتغيير، ومعنى الانتماء الجذري.
تبنت "دار الزاوي للنشر" في العاصمة الليبية طرابلس هذه الرؤية التحريرية، لما يحمله من خيال يحفز فضول الطفل.
وما يؤكد نجاح هذه المغامرة الثقافية هو الاستجابة الرسمية السريعة؛ فقد حظي الكتاب بموافقة فورية من وزارة الثقافة الليبية التي بادرت بطلب نسخ للاحتفاظ بها.
Loading ads...
هذا الترحيب المؤسسي يمثل حافزا إضافيا للمضي قدما في ترجمة المزيد من الأدب التشيكي، لتظل النوافذ مشرعة بين خيال أوروبا الشرقية الثري وعقل القارئ العربي الصغير.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

سوزا: بكل بساطة... السعودية أقوى من الكويت
منذ ثانية واحدة
0

كلوب: لن أقدم «أي وعود بألقاب»
منذ ثانية واحدة
0


