ليس من قبيل الصدفة أن ينعقد "مجلس السلام" في واشنطن في حين تتكاثر مؤشرات الانفجار في الشرق الأوسط. الاسم يبدو مطمئناً، لكن التوقيت يقول شيئاً مختلفاً تماماً. فالمجلس الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب منتصف كانون الثاني/يناير الماضي، بعد تبنّي خطة لقطاع غزة أقرّها مجلس الأمن في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وأُطلقت رسمياً خلال منتدى دافوس، لا يأتي في لحظة تسوية ناضجة، بل في لحظة إعادة هندسة واسعة للإقليم، تتقاطع فيها الحرب في غزة، والتوتر المفتوح مع إيران، وإعادة ترتيب الأدوار في سوريا ولبنان، وتراجع الثقة الدولية ببعض القيادات الإسرائيلية، وتحديداً نتنياهو المتورط من رأسه وحتى أخمص قدميه بإبادة جماعية.
من حيث الشكل، يُقدَّم المجلس بوصفه إطاراً عملياً لإدارة النزاع، أقرب إلى غرفة عمليات سياسية دائمة منه إلى مؤتمر تقليدي. إدارة الرئيس ترمب لا تميل إلى المسارات الطويلة ولا إلى التفاوض متعدد الطبقات، بل إلى منصات سريعة تُنتج "نتائج" قابلة للإعلان. في هذا المعنى، يبدو المجلس محاولة لتكريس مرجعية أميركية وحيدة في إدارة الأزمات، بعيداً عن بطء الأمم المتحدة وحساسيات الاتحاد الأوروبي. لذلك لم يكن مستغرباً أن تبدي دول أوروبية تحفظات مرتبطة بـ"الحوكمة" ومدى المواءمة مع ميثاق الأمم المتحدة، حتى لو قررت بعض العواصم الحضور من باب عدم ترك المقعد شاغراً.
التقارير عن حشد عسكري متعاظم في الخليج، وعن احتمالات حرب واسعة قد تطول إيران وبرنامجها النووي، تجعل من سوريا ساحة ارتدادات شبه تلقائية لأي تصعيد.
والحضور العربي – الإسلامي البارز يشي، بدوره، برهان واضح على الاستثمار في اللحظة الأميركية. تمثيل مصري وازن، ومشاركة تركية فاعلة، وحضور باكستاني بغطاء إسلامي أوسع، يقابل تمثيلاً إسرائيلياً يقوده وزير الخارجية جدعون ساعر، وهذا التلاقي لا يخلو من اشتباك سياسي غير مباشر مع إسرائيل، خصوصاً في ظل الخلافات حول مستقبل غزة وترتيباتها الأمنية، ورفض حكومة الاحتلال مشاركة قوات من دول مثل تركيا وقطر في أي صيغة أمنية. في الوقت نفسه، هو تعبير عن إدراك إقليمي بأن القرار الفعلي بات يتمحور في البيت الأبيض، وأن أي مسار جدي وعميق بات يمر عبر بوابة ترامب شخصياً.
غير أن قراءة المجلس بمعزل عن السياق السوري تظل ناقصة. فدمشق، التي استعادت موقعاً تدريجياً في المعادلات العربية والإقليمية، تجد نفسها أمام إطار أميركي جديد يعيد تنظيم الإقليم سياسياً وأمنياً. سوريا اليوم ليست ملفاً معلقاً فحسب، بل عقدة توازن بين حالة الاندثار للوجود الإيراني، وتراجع الدور الروسي، وتقدم الحضور التركي، وبقايا الانتشار الأميركي في الشرق.
لذا فإن أي إعادة صياغة لمفهوم "السلام" في المنطقة ستنعكس حكماً على الساحة السورية، إما عبر محاولة تقليص الهامش الإيراني، أو عبر إعادة توزيع أدوار القوى الإقليمية داخل الجغرافيا السورية، أو حتى عبر إدخال المسار السوري في مقايضات أوسع مرتبطة بإيران والملف النووي.
التقارير عن حشد عسكري متعاظم في الخليج، وعن احتمالات حرب واسعة قد تطول إيران وبرنامجها النووي، تجعل من سوريا ساحة ارتدادات شبه تلقائية لأي تصعيد. في حال اندلاع مواجهة، ستكون الأراضي السورية أحد مسارح الرسائل المتبادلة. وفي حال التوصل إلى تفاهم أميركي – إيراني، ستكون سوريا جزءاً من ترتيبات تقاسم النفوذ أو تخفيف الاحتكاك. هكذا يصبح "مجلس السلام" إطاراً يتجاوز غزة ليطول بنية النظام الإقليمي كله، بما فيه سوريا التي تعيش مرحلة إعادة تموضع دقيق بين انفتاح عربي ودولي، واستحقاقات داخلية.
في العمق، يعكس المجلس تحوّلاً في الفلسفة الأميركية نفسها. منذ نهاية الحرب الباردة، مروراً بحربي أفغانستان والعراق، ثم الربيع العربي والحرب الروسية على أوكرانيا، وصلت واشنطن – في نسختها الترمبية – إلى خلاصة مفادها أن المؤسسات الدولية أضعف من أن تدير الصراعات الكبرى، وأن أوروبا مترددة، وأن الاقتصاد والطاقة والهجرة باتت أولويات تفوق الشعارات التقليدية. والسلام، وفق هذه الرؤية، لا يُصنع عبر مسارات أممية مطوّلة، بل عبر توازن قوة تفرضه واشنطن وتسوّقه سياسياً.
هكذا يقف الإقليم أمام مفارقة مألوفة، كلما ارتفع الحديث عن السلام، ارتفعت احتمالات إعادة توزيع القوة.
لكن المفارقة أن كل منصة تُنشأ باسم التهدئة في الشرق الأوسط تولد في لحظة احتقان قصوى. الحرب في غزة لم تتوقف فعلياً رغم الهدنة المعلنة، والاشتباك في جنوبي لبنان قائم على حافة الانفجار، والتوتر مع إيران يتراوح بين مفاوضات في جنيف ورسائل نارية في الإعلام، في حين تعيش إسرائيل نفسها أزمة ثقة متزايدة بقيادتها السياسية. في هذا المناخ، قد يكون المجلس أداة لخفض التصعيد المنضبط، وقد يكون إطاراً لشرعنة تصعيد محسوب.
الرهان الحقيقي لا يتعلق بنوايا الإعلان، بل بميزان التطبيق. فإذا تحوّل المجلس إلى قناة إلزامية، يصبح أي طرف يخرج عنها في موقع "المعطّل"، وإذا استُخدم لتقييد حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، فقد يولّد توتراً داخل التحالف نفسه. أما إذا اقتصر دوره على تثبيت مرجعية أميركية عليا، فسيكون أقرب إلى مجلس إدارة إقليمي، تشارك فيه دول عديدة لكن بلا صلاحيات تقريرية حقيقية.
Loading ads...
هكذا يقف الإقليم أمام مفارقة مألوفة، كلما ارتفع الحديث عن السلام، ارتفعت احتمالات إعادة توزيع القوة. وسوريا، الغائبة اسماً الحاضرة فعلاً، ستكون إحدى ساحات الاختبار الأساسية لما إذا كان "مجلس السلام" بداية مسار تهدئة حقيقية، أم محطة جديدة في مسار طويل من إدارة الصراع بأدوات مختلفة لكن بالمنطق نفسه: منطق القوة أولاً، ثم ما يُسمّى سلاماً
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

وزارة الثقافة:1.290 مليون زائر لمعرض دمشق الدولي للكتاب
منذ ساعة واحدة
0



