ساعة واحدة
من المقعد لأولوية الصعود .. شركات الطيران تجني المليارات من تفاصيل رحلتك
الأربعاء، 1 يوليو 2026
تخيل أنك تشتري معطفًا أو سترة، ثم تكتشف أن الأكمام تباع بشكل منفصل، والأزرار تتطلب رسومًا إضافية، وإذا أردت استلامها دون انتظار في طابور طويل فعليك دفع مزيد من المال مقابل أولوية الاستلام!
هذا المشهد العبثي بات أساسًا اقتصاديًا يتحكم اليوم في مقصورة الطائرة عند ارتفاع 35 ألف قدم، حيث نجحت شركات الطيران في تفكيك أدق تفاصيل رحلتك محولة إياها إلى سلع رقمية مستقلة؛ بدءًا من اصطحاب حقيبة يد، ووصولًا إلى مساحة إضافية للساقين.
وبعد أن كان شراء تذكرة الطيران في الماضي يعني الحصول على كل شيء تقريبًا، فإنه اليوم لا يمنحك سوى حق الصعود إلى الطائرة، حيث لجأت شركات الطيران إلى ما يعرف بسيكولوجية بيع عدم الراحة لتحويل المقعد المتواضع إلى آلة قوية تجني أرباح مليارية.
أرباح تتجاوز أسعار التذاكر
أصبح السفر الجوي أكثر سهولة من حيث الأسعار خلال العقدين الماضيين، إلا أن المنافسة الحادة جعلت من الصعب على شركات الطيران رفع أسعار التذاكر الأساسية.
وكانت شركات الطيران منخفضة التكلفة أول من ابتكر فكرة فصل الخدمات عن سعر التذكرة، بحيث يدفع المسافر فقط مقابل الخدمات التي يرغب في استخدامها، قبل أن تتبنى شركات الطيران التقليدية النهج نفسه من خلال فئات التذاكر الأساسية.
وبدلًا من زيادة أسعار التذاكر، اكتشفت شركات الطيران أن بيع الخدمات بصورة منفصلة يخلق مصادر دخل جديدة، مع الإبقاء على أسعار التذاكر المعلنة عند مستويات جذابة للمستهلكين.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك خدمة الصعود المبكر، التي تبيعها شركات الطيران مقابل رسوم إضافية رغم أنها لا تمنح المسافر مقعدًا أفضل أو خدمة إضافية، بل تمكنه فقط من توفير الوقت وتجنب الازدحام.
ووفقًا لشركة آيديا ووركس كومباني، تجاوزت الإيرادات العالمية للخدمات الإضافية لشركات الطيران -والتي تشمل اختيار المقاعد ورسوم الأمتعة والوجبات وغيرها- 148 مليار دولار في عام 2024، لتصبح أحد أهم مصادر دخل شركات الطيران.
وبذلك، تضاعفت الإيرادات العالمية للخدمات الإضافية خلال أقل من عقد، بعدما كانت 67.4 مليار دولار فقط في عام 2016.
تفاصيل أكثر تعقيدًا من مجرد مقعد
لم تعد جميع المقاعد داخل الطائرة متساوية، فمقاعد النوافذ، والممرات، والصفوف الأمامية، ومقاعد مخارج الطوارئ، والمقاعد ذات المساحة الإضافية للأرجل، أصبحت جميعها تباع بأسعار مختلفة.
وكانت الخطوط الجوية البريطانية من أوائل شركات الطيران التقليدية التي طبقت هذا النهج بقوة، حيث فرضت رسومًا حتى على ركاب درجة الأعمال لاختيار مقاعدهم مسبقًا.
وتجني شركات الطيران مئات الملايين من الدولارات سنويًا فقط من المسافرين الذين يدفعون لضمان عدم تخصيص مقعد وسط لهم أو فصلهم عن أطفالهم.
وتستغل الشركات مبدأ معروف لدى خبراء الاقتصاد السلوكي وهو "تجنب الخسارة"، إذ يخشى المسافرون من فقدان ميزة الجلوس معًا أكثر من رغبتهم في الحصول عليها، مما يسمح لشركات الطيران باستخراج رسوم إضافية من المسافرين.
وقد شهد هذا النشاط نموًا كبيرًا، وبالفعل حققت يونايتد إيرلاينز نحو 1.3 مليار دولار أمريكي من رسوم اختيار المقاعد خلال عام 2023، متجاوزة الإيرادات التي حققتها من رسوم الأمتعة المشحونة، والتي بلغت 1.2 مليار دولار خلال العام نفسه.
وسواء حملت أسماء مثل إيكونومي بلس أو إكسترا سبيس، تتواجد هذه المقاعد داخل المقصورة ذاتها، لكنها تباع بأسعار أعلى لأنها توفر راحة أكبر ومساحة أفضل للأرجل لتصبح واحدة من أكثر الخدمات ربحية في صناعة الطيران.
وتفرض شركات مثل رايان إير وإيزي جيت رسومًا إضافية مقابل هذه المقاعد، خاصة على الرحلات المتوسطة والطويلة، حيث ترتفع رغبة المسافرين في دفع المزيد مقابل الراحة.
وهكذا يتحول المقعد نفسه إلى مصدر دخل إضافي دون زيادة عدد الطائرات أو تكاليف التشغيل، وإنما بإعادة تسعيره وفقًا لموقعه ومستوى الراحة الذي يوفره.
الأمتعة... أحد أكبر مصادر أرباح الطيران
ربما لا توجد رسوم أثارت جدلًا بين المسافرين أكثر من رسوم الأمتعة، لكن من الناحية المالية، حققت هذه الرسوم نجاحًا استثنائيًا.
وقدرت آيديا ووركس كومباني أن شركات الطيران حول العالم حققت نحو 33.3 مليار دولار أمريكي من رسوم الأمتعة خلال عام 2023، وهي المرة الأولى التي تتجاوز فيها إيرادات الأمتعة حاجز 30 مليار دولار منذ ما قبل جائحة كورونا.
ولم يعد الأمر يقتصر على الحقائب المشحونة، إذ باتت العديد من الشركات تفرض رسومًا أيضًا على الحقائب الكبيرة داخل المقصورة، أو الحقائب ذات الوزن الزائد، أو حتى على أولوية استخدام الخزائن العلوية.
وبالنسبة لشركات الطيران منخفضة التكلفة، تحولت الأمتعة من خدمة تشغيلية إلى أحد أكبر مصادر الأرباح.
متاجر تحلق فوق السماء
تنظر شركات الطيران الحديثة إلى مقصورة الطائرة باعتبارها مساحة للبيع بالتجزئة، فالمسافر أصبح يشتري الوجبات، والمشروبات، وخدمة الإنترنت، وخيارات الترفيه، ومنتجات الأسواق الحرة، طوال مدة الرحلة.
بل إن كثيرًا من شركات الطيران التقليدية بدأت تبيع وجبات مميزة يمكن طلبها مسبقًا، إلى جانب خيارات طعام أعلى جودة مقابل رسوم إضافية.
فعلى سبيل المثال، سجلت إيزي جيت متوسط إيرادات من المبيعات على متن الطائرة قدره 2.4 جنيه إسترليني (3.2 دولار أمريكي) لكل مسافر خلال سنتها المالية 2024، مدعومة بمبيعات الأغذية والمشروبات والمنتجات الأخرى.
وإذا كانت شركات الطيران منخفضة التكلفة هي الأكثر جرأة في تبني نموذج الإيرادات الإضافية حيث شكلت الإيرادات الإضافية نحو 62% من إجمالي إيرادات شركة فرونتير إيرلاينز خلال عام 2024، بينما بلغت النسبة 58.7% لدى سبيريت إيرلاينز.
فإن شركات الطيران التقليدية تمكنت هي الأخرى من الاستفادة من هذا المفهوم، إذ احتلت يونايتد إيرلاينز المرتبة الأولى عالميًا من حيث الإيرادات الإضافية المعلنة خلال عام 2024 بنحو 10.6 مليار دولار، تلتها دلتا إير لاينز بإيرادات بلغت 10.2 مليار دولار.
وتشمل هذه الإيرادات برامج الولاء وغيرها من الخدمات الاختيارية، وهو ما يعكس تنوع مصادر دخل شركات الطيران.
الخوارزميات تجعل لكل مسافر سعرًا مختلفًا
أسهم الذكاء الاصطناعي وأنظمة التسعير المتقدمة في تسريع هذا التحول، فبدلًا من فرض السعر نفسه على جميع المسافرين، أصبحت شركات الطيران تعدل أسعار اختيار المقاعد والخدمات الإضافية وفقًا لمستوى الطلب، وخط السير، وموعد الحجز، وسلوك العميل.
فالمسافر الذي يحجز رحلة عائلية قبل أشهر قد يدفع رسومًا مختلفة عن رجل أعمال يحجز رحلته قبل يوم واحد من موعد الإقلاع.
ويصف خبراء القطاع هذا الاتجاه بأنه انتقال من بيع تذاكر السفر إلى بيع تجربة سفر مصممة خصيصًا لكل مسافر، بحيث تبني الشركة باقة خدمات تناسب احتياجاته وسلوكه الشرائي.
فقبل عقدين كانت المنافسة تدور حول بيع أكبر عدد من التذاكر، أما اليوم فأصبحت تدور حول استخراج أموالًا أكثر من كل راكب بعد شراء التذكرة.
وبينما يعتقد المسافر أنه اشترى رحلة، ترى شركات الطيران أنها باعت للتو بداية سلسلة طويلة من المنتجات والخدمات التي تبدأ بالمقعد، ولا تنتهي إلا عند مغادرة المطار.
Loading ads...
المصادر: أرقام- آيديا ووركس كومباني- بيزنس إنسايدر- اتحاد النقل الدولي- وزارة النقل الأمريكية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





