في عصر التحول الرقمي والاعتماد اليومي المتزايد على الهواتف والأجهزة اللوحية وشاشات الكمبيوتر، أصبحت مشكلات البصر المزعجة أمرًا شائعًا يصيب مختلف الفئات العمرية. تُعرف هذه الحالة بـاسم إجهاد العين الرقمي ، وهي مجموعة من الأعراض البصرية التي تظهَر نتيجة التركيز المطول أمام الشاشات، مثل: جفاف العين، وتشوش الرؤية، والصداع، وآلام الرقبة. ولحسن الحظ، لا تدل هذه المتلازمة غالبًا على حدوث ضرر دائم؛ إذ يمكن التغلب عليها والوقاية منها باتباع سلوكيات صحية بسيطة مثل تطبيق قاعدة 20-20-20، والحرص على الرّمش المنتظم، وتنظيم أوقات استخدام الأجهزة الرقمية.
يقول د. عماد محمود بدوي، اختصاصي طب العيون لدى مركز ميدكير للعيون – دبي: "إن متلازمة إجهاد العين الرقمي، والمعروفة أيضًا باسم إجهاد العين الناتج عن استخدام الشاشات، هي مجموعة من المشكلات البصرية التي تظهَر نتيجة الاستخدام المطول لأجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية وغيرها من الشاشات الرقمية.
وتشمل أبرز أعراض متلازمة إجهاد العين الرقمي: تشوش الرؤية، وجفاف العين، والصداع، وآلام الرقبة، وصعوبة التركيز، خاصة بعد قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات.
ومن حسن الحظ أن هذه المتلازمة يمكن الوقاية منها في معظم الحالات من خلال اتباع بعض الإجراءات البسيطة، مثل أخذ فترات راحة منتظمة أثناء استخدام الشاشات، والحرص على زيادة معدل الرّمش للحفاظ على ترطيب العين، والمحافظة على وضعية جلوس صحيحة، وتوفير إضاءة مناسبة، ووضع الشاشة على مسافة مريحة من العين.
كما يُنصح بإجراء فحوصات دورية للعين؛ لأن المشكلات البصرية، مهما كانت بسيطة، إن بقيت غير مصححة قد تصبح أكثر وضوحًا وتسبب أعراضًا مزعجة عند الاستخدام المطول للأجهزة الرقمية."
فيما يتعلق بالاستخدام المطول لنظارات الواقع الافتراضي (VR)، وما إذا كان يؤدي إلى إلحاق الضرر بالقرنية وإمكانية كونه سببًا في متلازمة إجهاد العين الرقمي، يقول:
"تشير الأدلة العلمية المتوفرة حتى الآن إلى عدم وجود دليل قاطع يثبت أن الاستخدام المطول لنظارات الواقع الافتراضي (VR) يسبب تلفًا في قرنية العين لدى الأشخاص الأصحاء. ومع ذلك، قد يؤدي الاستخدام لفترات طويلة إلى الشعور بعدم الارتياح في العين، وذلك لأن المستخدِمين يميلون إلى تقليل معدل الرمش أثناء التركيز على المحتوى الغامر. ويؤدي انخفاض معدل الرمش إلى جفاف العين وتهيجها والشعور بوجود جسم غريب فيها، لا سيما لدى الأشخاص الذين يعانون مسبقًا من جفاف العين.
كما قد يعاني بعض المستخدِمين من أعراض مؤقتة مثل إجهاد العين، وتشوش الرؤية، والصداع، أو الدوار، نتيجة زيادة الجهد الذي تبذله العينان للتركيز والتكيف مع البيئة الافتراضية. وعادةً ما تختفي هذه الأعراض بعد أخذ قسط من الراحة، ولا تُعد مؤشرًا على حدوث ضرر دائم في القرنية.
وللحد من هذه الأعراض، يُنصح بأخذ فترات راحة منتظمة، والتأكد من ارتداء نظارة الواقع الافتراضي بالشكل الصحيح، واستخدام القطرات المرطبة للعين عند الحاجة، وفقًا لتوصية طبيب العيون."
تتساءل الكثير من الأمهات عن تأثير الشاشات الرقمية في تطور العين لدى الأطفال، وعن ذلك يقول د. عماد محمود بدوي: "لا توجد أدلة علمية تثبت أن الشاشات الرقمية تُلحق ضررًا مباشرًا بعيني الطفل أو تعيق النمو الطبيعي للعين. إلا أن الإفراط في استخدام الشاشات غالبًا ما يكون على حساب الأنشطة الخارجية واللعب في الهواء الطلق، وهما عنصران مهمان لصحة العين وتطورها السليم. وتشير دراسات متزايدة إلى أن قضاء وقت أطول في الخارج قد يساهم في تقليل الإصابة بقصر النظر (الميوبيا) لدى الأطفال.
كما قد يعاني الأطفال من إجهاد العين الرقمي عند استخدام الشاشات لفترات طويلة دون أخذ فترات راحة. لذلك، يُنصح الآباء بتشجيع الأطفال على ممارسة الأنشطة الخارجية بانتظام، والحد من الاستخدام الترفيهي للشاشات بما يتناسب مع أعمارهم، مع الحرص على مشاهدة الشاشات من مسافة مناسبة وفي بيئة ذات إضاءة جيدة.
ترسيخ عادات صحية لاستخدام الشاشات منذ الصغر يساهم في الحفاظ على صحة العين، ويدعم الصحة العامة والرفاهية على المدى الطويل."
ما هي قاعدة 20-20-20؟ وهل هي فعّالة بالفعل؟ عن ذلك يقول الدكتور: "تُعد قاعدة 20-20-20 من أبسط الوسائل وأكثرها عملية للتخفيف من إجهاد العين الناتج عن استخدام الشاشات الرقمية. وتنص القاعدة على أن تُتبَعَ كل 20 دقيقة من استخدام الشاشة، بالنظر إلى جسم يبعد نحو 20 قدمًا (حوالي 6 أمتار) لمدة لا تقل عن 20 ثانية. تمنح هذه الاستراحة القصيرة عضلات العين فرصة للاسترخاء بعد التركيز المستمر على الأجسام القريبة.
ورغم أن هذه القاعدة ليست علاجًا لجميع المشكلات المرتبطة باستخدام الشاشات، إلا أن العديد من أطباء العيون يوصون بها؛ لأنها تشجع على أخذ فترات راحة منتظمة، وتساعد في التخفيف من أعراض مثل إجهاد العين، وجفافها، وتشوش الرؤية، والتي قد تؤدي إلى متلازمة إجهاد العين الرقمي.
ولتحقيق أفضل النتائج، يُستحسن تطبيق قاعدة 20-20-20 إلى جانب الحرص على الرمش بشكل متكرر، وشرب كميات كافية من الماء، والحفاظ على وضعية جلوس مريحة وبيئة عمل تتوافق مع المعايير الصحية، مما يجعل استخدام الشاشات أكثر راحة وأقل إجهادًا للعين."
يؤكد د. بدوي: "لا توجد حتى الآن أدلة علمية قوية تؤكد أن كمية الضوء الأزرق المنبعثة من الأجهزة الرقمية اليومية، مثل الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وشاشات الكمبيوتر، تُسبب ضررًا دائمًا لشبكية العين أو تزيد من الإصابة بأمراضها، مثل التنكس البقعي المرتبط بالعمر.
ورغم أن بعض الدراسات المخبرية تناولت تأثير التعرض المكثف للضوء الأزرق، فإن مستويات التعرض المستخدَمة في تلك الدراسات تفوق بكثير الكميات التي تصدرها الأجهزة الرقمية المستخدَمة في الحياة اليومية.
وبالنسبة لمعظم الأشخاص، يبقى إجهاد العين الرقمي هو الأثر الأكثر شيوعًا للاستخدام المطول للشاشات، وليس تلف شبكية العين. ومع ذلك، فإن استخدام الأجهزة الرقمية خلال ساعات المساء قد يؤثر في جودة النوم، إذ يساهم الضوء الأزرق في تقليل إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم دورة النوم والاستيقاظ.
ولذلك، يُنصح بتقليل استخدام الشاشات قبل موعد النوم، أو تفعيل وضعية الإضاءة الليلية (Night Mode)، لما لذلك من دور في تحسين جودة النوم، حتى وإن لم يكن الهدف منه حماية شبكية العين بشكل مباشر.
يؤكد د. بدوي: هناك بعض الأعراض التي لا ينبغي تجاهلها أبدًا؛ لأنها قد تكون مؤشرًا على وجود مشكلة خطيرة تستدعي التدخل الطبي الفوري. وتشمل هذه الأعراض فقدانًا مفاجئًا للرؤية، أو ظهور ومضات ضوئية، أو زيادة مفاجئة في عدد الأجسام العائمة (الذبابة الطائرة)، أو ظهور ظل أو ستار يحجب جزءًا من مجال الرؤية، أو الشعور بألم شديد في العين، أو احمرار شديد مصحوب بتراجع في مستوى الرؤية، أو التعرض لإصابة مباشرة في العين. وفي حال ظهور أي من هذه العلامات، يجب مراجعة طبيب العيون أو التوجه إلى قسم الطوارئ دون تأخير. كما ينبغي عدم إهمال أعراض أخرى مثل تشوش الرؤية المستمر، أو ازدواجية الرؤية، أو الانزعاج المتواصل في العين، أو الصداع المصحوب بتغيرات في الإبصار، إذ تستدعي جميعها تقييمًا طبيًا في أقرب وقت ممكن. ويُعد التشخيص المبكر والعلاج السريع من أهم العوامل التي تساعد على الوقاية من فقدان البصر الدائم، لذلك يُنصح دائمًا بطلب المشورة الطبية فور ملاحظة أي أعراض غير طبيعية.
وأخيراً يؤكد د. عماد: صُممت النظارات المزودة بمرشحات الضوء الأزرق لتقليل كمية الضوء الأزرق المنبعثة من الشاشات الرقمية التي تصل إلى العين. ورغم أن الأدلة العلمية لا تزال محدودة فيما يتعلق بقدرتها على الوقاية من إجهاد العين الرقمي أو الحماية من أمراض العين على المدى الطويل، فإن كثيرًا من المستخدِمين يشعرون بأنها توفر راحة أكبر أثناء استخدام الشاشات، وذلك بفضل قدرتها على تقليل الوهج وتحسين راحة الرؤية خلال فترات الاستخدام الطويلة.
Loading ads...
وبالنسبة للأشخاص الذين يقضون ساعات طويلة يوميًا أمام أجهزة الكمبيوتر، قد تساهم هذه النظارات في تعزيز الراحة البصرية، خاصة إذا كانت مزودة بطبقة مضادة للانعكاس. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبارها حلًا متكاملًا، بل جزءًا من مجموعة من العادات الصحية لاستخدام الشاشات. ويظل الالتزام بأخذ فترات راحة منتظمة، والحرص على الرَّمش بصورة متكررة، والحفاظ على مسافة مشاهدة مناسبة، والتأكد من تحديث النظارات الطبية عند الحاجة، من أكثر الوسائل فاعلية للحد من إجهاد العين الرقمي .
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






