ساعة واحدة
ساحة واحدة وروايتان.. ماذا كشف اعتصام “قانون وكرامة” في دمشق عن “سوريا الجديدة”؟
الأحد، 3 مايو 2026

في 17 نيسان/أبريل الفائت، شهدت ساحة يوسف العظمة بالعاصمة دمشق اعتصاماً يمكن وصفه بـ”لحظة كاشفة” لشيء أعمق بكثير من مطالب معيشية وحقوقية. فمئات السوريين خرجوا تحت شعار “قانون وكرامة”، مطالبين بحقوق حياتية يومية أساسية، قبل أن تتحول الساحة نفسها إلى مسرح لانقسام حاد، مع ظهور مظاهرة مضادة تتهم المحتجين بـ”التخوين”، فيما اضطرت القوى الأمنية الحكومية للفصل بين الطرفين لتجنب الصدام.
وخلال أيام قليلة، لم يتوقف أثر الحدث عند حدود تلك الساحة، بل امتد إلى نقاش عام واسع، حيث ضاعت المطالب المعيشية وسط صراع الروايات والتجييش الإعلامي، وتحول الاعتصام إلى “اشتباك أجندات” أكثر من كونه مساحة مطلبية صافية. ومع تسجيل حالات توتر واشتباكات محدودة بين مؤيدين ومنتقدين، وصدور مواقف سياسية اعتبرت الاعتداء على المحتجين مساساً بجوهر شعارات الثورة، بدا واضحاً أن ما جرى لم يكن أمراً عادياً، بل مؤشراً على تشكّل انقسام اجتماعي داخل العاصمة نفسها. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح السؤال أبعد من احتجاج على الخدمات والواقع المعيشي: ماذا يعني أن ينقسم الشارع السوري داخل ساحة واحدة، وفي لحظة يُفترض أنها “ما بعد الحرب”؟
لم يكن الاعتصام الذي شهدته ساحة المحافظة آنذاك تجمّعاً احتجاجياً محدوداً، بل عودة واضحة لفكرة النزول للشارع كمساحة تعبير داخل العاصمة نفسها، بعد سنوات عديدة من الغياب أو الانكفاء. ما ميّز هذا التحرّك تحديداً أنه خرج من قلب دمشق، لا من أطرافها، وبخطاب مدني مباشر لا يحمل شعارات إسقاط أو صدام، بل مطالب معيشية مكثفة تختصر يوميات السوريين.
محللون سوريون يرون أن أي ضغط شعبي في هذه المرحلة الحساسة قد يهدد الاستقرار، أو يفتح الباب أمام فوضى يصعب احتواؤها. هذا الخطاب، الذي يقدّم الاستقرار كأولوية مطلقة، يعكس مخاوف حقيقية من انزلاق غير محسوب، لكنه في الوقت نفسه يضع سقفاً غير معلن للاحتجاج، حتى عندما يكون مطلبياً وسلمياً.
رفع المحتجون شعار “قانون وكرامة”، وهو شعار يحمل في طياته أكثر من مستوى. من جهة، ثمة مطالبة صريحة بدولة قانون تنظّم العلاقة بين المواطن والسلطة، لا أن تتركها رهينة قرارات متقلّبة أو مزاج إداري. ومن جهة أخرى، هناك إصرار على الكرامة كحق يومي، لا كشعار سياسي كبير. في هذا المعنى، بدا الاعتصام وكأنه يعيد تعريف السياسة من باب المعيشة، لا من باب الأيديولوجيا.
أما العبارة الأكثر تداولاً، “بدنا نعيش”، فقد بدت كأنها خلاصة مرحلة كاملة. لم تعد القضية بالنسبة لكثيرين مرتبطة بأسئلة كبرى عن شكل النظام أو طبيعة السلطة، بل بقدرة الفرد على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار في حياته اليومية. هذا التحول لا يعني غياب الوعي السياسي، بل ربما يعكس انتقاله إلى مستوى أكثر واقعية، حيث يصبح الخبز والكهرباء والدواء جزءاً من النقاش السياسي نفسه.
في الخلفية، كانت تتراكم أسباب هذا الخروج: ارتفاع مستمر في الأسعار، تآكل القدرة الشرائية، وفجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “إعادة بناء الدولة” وبين واقع خدمي يزداد هشاشة. كثير من المشاركين لم يأتوا بدافع تنظيمي أو سياسي تقليدي، بل بدافع ضاغط وبسيط، “الحاجة المعيشية”. وهذا ما أعطى الاعتصام طابعه العفوي، وجعله أقرب إلى نبض اجتماعي منه إلى تحرّك نخبوي.
بهذا المعنى، يمكن قراءة ما جرى ليس فقط كاحتجاج على قرار أو سياسة، بل كإشارة إلى عودة تدريجية للشارع الدمشقي كفاعل، حتى لو كان ذلك عبر المطالبة بالعيش الكريم. عودة حذرة، محدودة، لكنها تحمل دلالة واضحة؛ أن الصمت الذي طبع العاصمة لسنوات لم يعد كاملاً، وأن ما تحت السطح بدأ يجد طريقه إلى العلن، ولو بلغة “بدنا نعيش”.
إذا كان الاعتصام بحد ذاته مفاجئاً بجرأته ومكانه، فالأكثر دلالة كان ما حدث داخله. في اللحظة التي اجتمع فيها سوريون يطالبون بتخفيض أسعار الكهرباء وتحسين الوضع المعيشي، ظهر في الجهة المقابلة من يرى في هذا المطلب تهديداً، لا حقاً. فجأة، لم تعد الساحة مساحة مطلبية واحدة، بل صارت ساحتين متقابلتين داخل المكان نفسه: واحدة تقول “بدنا نعيش”، وأخرى ترد “وين كنتوا وقت كنا نموت تحت القصف”.
المظاهرة المضادة حملت خطاباً واضحاً منذ البداية، تمثّل في الدفاع عن السلطة واعتبارها “المنقذ الوحيد” حالياً، وأن أي اعتراض راهناً هو نوع من الجحود. وقد ذهبت بعض الهتافات أبعد من ذلك، باتجاه تخوين المحتجين والتشكيك بدوافعهم. هنا تغيّر المشهد بالكامل، فلم يعد الخلاف بين شارع وسلطة، بل بات “شارع مقابل شارع”، وبين سرديتين متناقضتين حول الواقع نفسه.
اللافت أن هذا الانقسام لم يُفرض من الخارج، بل خرج من داخل المجتمع نفسه. ناس يعيشون في نفس المدينة، يواجهون نفس الأزمة الاقتصادية، لكنهم يقرؤونها بطريقتين مختلفتين تماماً. فئة ترى أن الضغط على السلطة حق طبيعي لتحسين شروط الحياة، وفئة أخرى ترى أن هذا الضغط قد يفتح باب فوضى لا يمكن السيطرة عليها. بين الخوف من العودة إلى الانهيار، والرغبة في كسر واقع صعب، يتشكل هذا التوتر.
ومع تصاعد التوتر، بدأت تظهر ملامح أخطر؛ احتكاكات مباشرة، شتائم، وحتى اعتداءات محدودة. ليس من أجهزة قمع تقليدية هذه المرة، بل من مدنيين ضد مدنيين. هذا التحول مهم، لأنه يعني أن العنف لم يعد فقط أداة بيد السلطة، بل صار احتمالاً اجتماعياً أيضاً، جاهزاً للظهور عند أول احتكاك سياسي.
بهذا المعنى، يمكن القول إن ما جرى في ساحة يوسف العظمة، بقلب العاصمة دمشق، شكّل “لحظة مكاشفة واضحة”، إذ كشف أن التماسك الظاهري في الشارع السوري يخفي تحته شقوقاً عميقة، وأن الإجماع الذي كان يُفترض أن يتشكّل بعد نهاية مرحلة قاسية وصعبة لم يتبلور فعلياً. بدل ذلك، برز واقع أكثر تعقيداً: مجتمع لا يزال يختلف على أبسط الأسئلة، من حق الاحتجاج، إلى تعريف الاستقرار، إلى حدود ما يمكن قوله في العلن.
تلك الساحة الاحتجاجية لم تنقسم فقط جغرافياً في ذلك اليوم، بل انقسمت رمزياً أيضاً. وربما هذا هو الحدث الحقيقي. أن الخلاف خرج من النقاشات المغلقة إلى الشارع، وصار مرئياً، ومسموعاً، وصعب التجاهل.
في اللحظة التي بدأ فيها التوتر يتصاعد داخل ساحة يوسف العظمة، كان تدخل القوى الأمنية سريعاً، لكن بطبيعة مختلفة عمّا عرفه السوريون في مراحل سابقة أيام نظام بشار الأسد. لم يُسجّل قمع مباشر للاعتصام، ولم تُفضّ التظاهرة بالقوة، بل جرى الفصل بين الطرفين ومحاولة احتواء المشهد قبل أن ينفلت. هذا السلوك بحد ذاته يحمل دلالة أن الدولة السورية هنا لا تريد أن تظهر كخصم مباشر للشارع، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لتحمّل تبعات احتجاج مفتوح في قلب العاصمة.
هذا “التوازن الحذر” انعكس أيضاً في غياب خطاب رسمي واضح بعد الحدث. لم تصدر مواقف سياسية مباشرة تعترف بمشروعية المطالب أو ترفضها بشكل صريح، ولم تُطرح إجراءات ملموسة تستجيب لما طُرح في الساحة خلال الأيام التي تلت الاعتصام. بقي المشهد معلّقاً: احتجاج حصل، انقسام ظهر، والدولة اكتفت بإدارة اللحظة أمنياً دون أن تحوّلها إلى نقاش سياسي معلن.
في المقابل، حضرت ردود الفعل عبر مساحات إعلامية وتحليلية، حيث برزت مواقف قريبة من هذا الطرح عبّر عنها محللون سوريون يرون أن أي ضغط شعبي في هذه المرحلة الحساسة قد يهدد الاستقرار، أو يفتح الباب أمام فوضى يصعب احتواؤها. هذا الخطاب، الذي يقدّم الاستقرار كأولوية مطلقة، يعكس مخاوف حقيقية من انزلاق غير محسوب، لكنه في الوقت نفسه يضع سقفاً غير معلن للاحتجاج، حتى عندما يكون مطلبياً وسلمياً.
لكن هذا المنطق يفتح باباً لتساؤل معاكس: إلى أي حد يمكن تأجيل المطالب المعيشية بحجة الاستقرار؟ وهل يمكن فعلاً حماية هذا الاستقرار إذا كان جزء كبير من المجتمع يشعر أن صوته لا يصل؟ هنا يظهر التناقض الأساسي في إدارة المرحلة الانتقالية: دولة تحاول كسب الوقت وتثبيت نفسها، مقابل واقع اقتصادي هشّ يضغط يومياً باتجاه الانفجار الأكبر.
ما بين ذلك الاعتصام والسلطة، لم يُحسم شيء بعد. لا الاحتجاج تحوّل إلى مسار مستمر، ولا الدولة قدّمت استجابة واضحة، ولا حتى الانقسام الاجتماعي وجد طريقه إلى تهدئة حقيقية. كل ما حدث هو أن المشهد كُبح في لحظته، وترك ليستمر بشكل أقل صخباً، لكنه أكثر عمقاً، بحيث ربما تتحول نتائجه إلى مسار سلبي على الحكومة وسياساتها في قادم الأيام.
بعدما شهدته دمشق من اعتصام شعبي بهذا الشكل، ولم يمر على هذه الحكومة سوى سنة ونصف ربما، ثمة صورة مكثفة لسؤال أكبر يتشكّل في سوريا اليوم: هل ما زالت هناك رواية واحدة تجمع السوريين، أم أن البلاد دخلت فعلياً مرحلة التعدد داخل المجتمع نفسه؟
في الظاهر، لا تزال سوريا دولة واحدة بحدودها ومؤسساتها، لكن ما كشفه الشارع في دمشق يوحي بشيء آخر. هناك شريحة ترى أن الأولوية اليوم هي الحفاظ على الاستقرار، حتى لو جاء ذلك على حساب تأجيل المطالب أو تخفيف سقف النقد. في المقابل، هناك من يرى أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم دون معالجة مباشرة للأزمات المعيشية، ودون فتح المجال أمام التعبير والمساءلة. بين هذين المنطقين، لا يبدو الخلاف سياسياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً، مرتبطاً بتجارب مختلفة عاشها السوريون خلال السنوات الماضية.
هذا التباين يشير إلى وجود تصورين مختلفين للدولة داخل المجتمع نفسه. الأول يفهم كسلطة يجب حمايتها بأي ثمن، وأخرى تُفهم كعقد يجب أن يضمن الحد الأدنى من العدالة والعيش الكريم. المشكلة أن هذين التصورين لا يلتقيان بسهولة، خصوصاً في ظل ضغوط اقتصادية مستمرة، وغياب مسار سياسي واضح يعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والشعب.
ما حدث في 17 نيسان/أبريل، وما تلاه من نقاشات وتوترات خلال الأيام اللاحقة، أظهر أن هذا الانقسام لم يعد صامتاً. هو حاضر في الشارع، في الخطاب، وفي طريقة قراءة كل طرف لما يجري. وربما هذا هو التحدي الحقيقي للمرحلة المقبلة، فليس فقط إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل إعادة بناء معنى مشترك لها. لا يبدو السؤال اليوم إن كانت سوريا قد خرجت من أزمتها، بل كيف تعيش داخلها بشكل مختلف. بين من يريد حماية ما تحقق، ومن يريد تغييره، تقف البلاد في منطقة وسطى، حيث كل طرف يعتقد أنه يدافع عن “المصلحة العامة”، لكن دون اتفاق فعلي على تعريف هذه المصلحة.
خلال أيام قليلة، كشفت ساحة احتجاجية واحدة ما تحاول المرحلة الانتقالية تأجيله، من مطالب معيشية ضاغطة، إلى انقسام اجتماعي واضح، ودولة تحاول الإمساك بالعصا من المنتصف دون أن تحسم اتجاهها.
ربما لم يتحول الاعتصام إلى موجة أوسع، وربما نجحت السلطة في احتواء لحظته، لكن الأسئلة التي فتحها لم تُحتوَ. هل يكفي ضبط الشارع أمنياً إذا بقيت أسبابه قائمة؟ وهل يمكن بناء استقرار طويل الأمد دون منح الناس مساحة حقيقية للتعبير والمطالبة؟ والأهم، هل ما يظهر اليوم هو مجرد تباين طبيعي داخل مجتمع خرج من حرب دموية طويلة، أم بداية تشكّل انقسام أعمق.
في بلد مثل سوريا، حيث تختلط السياسة بالواقع المعيشي بشكل يومي، لا يمكن فصل فاتورة الكهرباء عن بنية الحكم، ولا يمكن التعامل مع الاحتجاج كحادثة منفصلة عن سياقها الأوسع. ما حدث في ساحة يوسف العظمة كان تذكيراً بسيطاً، لكنه واضح، أن الشارع، حتى عندما يعبر عن أبسط مطالبه المحقة، إنما يطرح في جوهره سؤالاً سياسياً كبيراً.
Loading ads...
وبالتالي، بين سلطة تسعى لتثبيت نفسها، ومجتمع يحاول إعادة تعريف موقعه داخلها، تقف سوريا اليوم في توقيت صعب، لا هي استقرار كامل، ولا هي أزمة مفتوحة على مصراعيها. فهذه الفترة الانتقالية بعد نظام دكتاتوري قمع السوريين لأكثر من 54 عاماً تحتاج إلى حكومة تسعى بشكل جاد إلى توفير أدنى متطلبات الحياة اليومية، وتحويل هذا التوتر والغضب والاحتقان السوري ككل إلى عقد اجتماعي جديد، لا إلى انقسام يتكرر كلما نزل الناس إلى الشارع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

مقتل أربعة أشخاص برصاص مسلحين في كولومبيا
منذ 11 دقائق
0



