3 أشهر
من يزوّد رأس الدولة بالأرقام؟.. تساؤلات حول تضارب تصريحات "الشرع" الاقتصادية ودقة معلوماته
الأحد، 18 يناير 2026

في وقت تحاول فيه دمشق إعادة تقديم نفسها بوصفها ساحة محتملة للتعافي الاقتصادي وجذب الاستثمارات، أعادت تصريحات اقتصادية منسوبة إلى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع فتح نقاش واسع حول دقة البيانات الرسمية، وحدود موثوقيتها، وانعكاس ذلك مباشرة على ثقة الأسواق وصنّاع القرار.
يأتي ذلك في وقت لا تُقرأ فيه الأرقام الصادرة عن رأس السلطة التنفيذية بوصفها توصيفًا سياسيًا فحسب، بل باعتبارها مؤشرات مرجعية تُبنى عليها قرارات استثمارية وتقييمات مخاطر طويلة الأجل.
فجوة بين الخطاب والوقائع الإحصائية
الباحثة الاقتصادية رشا سيروب، رأت أن المقاطع المتداولة من مقابلة الرئيس الشرع مع قناة “الشمس”، والتي أعادت القناة الإخبارية السورية بثها، كشفت عن فجوة مقلقة بين الخطاب الاقتصادي المعلن والوقائع الإحصائية المعروفة.
وأشارت خلال منشور لها على منصة “فيسبوك”، إلى أن الحديث عن بلوغ “الإنتاج المحلي” السوري نحو 160 مليار دولار يفتقر إلى أساس رقمي واضح، ويتعارض مع المسار التاريخي للاقتصاد السوري حتى في ذروة استقراره النسبي قبل عام 2011، حين لم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي، وفق تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، 64 مليار دولار في أفضل حالاته.
وتلفت إلى أن الإشكالية لا تكمن فقط في حجم الرقم، بل في غياب تعريفه، هل المقصود الناتج المحلي الإجمالي، أم قيمة تقديرية للإنتاج المحتمل، أم رقم افتراضي مرتبط بمرحلة مستقبلية؟، موضحة أن عدم التمييز بين هذه المفاهيم يربك قراءة الواقع الاقتصادي، ويضعف قدرة المستثمرين والمؤسسات الدولية على فهم بيئة الأعمال السورية وتقييم فرصها ومخاطرها.
تضارب واضح في ملف النفط
هذا التضارب، وفق الباحثة، يتكرر بصورة أوضح في ملف النفط، الذي يُعد من أكثر القطاعات حساسية في تقييم قدرة الاقتصاد السوري على التعافي، مشيرة إلى أنه قد سبق للرئيس الشرع أن صرح في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2025، خلال جلسة حوارية عُقدت على هامش منتدى “مستقبل الاستثمار” في الرياض، بأن إنتاج سوريا النفطي يبلغ مليون برميل يوميًا.
تصريحات لاحقة عادت لتقول إن سوريا كانت تنتج ما بين 400 و600 ألف برميل يوميًا، ومع إدخال معدات حديثة يمكن أن يصل الإنتاج إلى نحو مليون برميل يوميًا، وهو ما تراه سيروب خلطًا بين أرقام تاريخية، وطاقات نظرية، وسيناريوهات افتراضية لم تتحقق بعد.
الباحثة الاقتصادية رشا سيروب
وتستند الباحثة في تقييمها إلى بيانات شركة “بريتش بتروليوم” (BP)، التي تُعد مرجعًا دوليًا في إحصاءات الطاقة، حيث تُظهر تقاريرها السنوية أن ذروة الإنتاج النفطي السوري بلغت نحو 677 ألف برميل يوميًا عام 2002، قبل أن يدخل القطاع مسار تراجع تدريجي ليصل الإنتاج إلى نحو 353 ألف برميل يوميًا عام 2011.
وتؤكد أن هذا التراجع حصل رغم ما كان يتمتع به النظام آنذاك من استقرار سياسي نسبي وعلاقات خارجية أوسع مقارنة بالسنوات اللاحقة، ما يجعل الحديث عن قفزات إنتاجية كبرى في المرحلة الراهنة بحاجة إلى شروحات تقنية واستثمارية دقيقة.
ضبابية داخلية قبل فقدان الثقة الخارجية
ترى سيروب أن تضارب الأرقام لا ينعكس فقط على صورة الدولة في الخارج، بل يفاقم حالة الضبابية في الداخل، حيث تُبنى التوقعات الاقتصادية للقطاع الخاص على الخطاب الرسمي، قائلة إن المستثمر المحلي، كما الأجنبي، يحتاج إلى بيانات قابلة للتحقق، وإلى سردية اقتصادية متماسكة تميّز بوضوح بين الواقع الحالي، والطموحات المستقبلية، والسيناريوهات المشروطة بتدفقات استثمارية أو تسويات سياسية.
وتحذّر الباحثة من أن الاقتصادات الخارجة من نزاعات، كما في حالات العراق وليبيا، أظهرت أن غياب جهاز إحصائي مستقل وتضارب التصريحات الرسمية كانا من أبرز العوامل التي عطّلت تدفق الاستثمارات وأبقت كلفة المخاطر مرتفعة لسنوات، مؤكدة أن سوريا ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل قد تكون أكثر هشاشة في ظل تآكل البنية المؤسسية وتعدد مراكز القرار خلال سنوات الحرب.
وتخلص سيروب إلى أن المشكلة لا تتعلق بشخص أو تصريح بعينه، بل بمنظومة إنتاج البيانات الاقتصادية وآليات مراجعتها قبل إعلانها، موضحة أن تصريحات الرؤساء، في الدول التي تسعى لإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، تُعد بيانات سيادية بامتياز، يفترض أن تمر عبر فرق فنية متخصصة، وأن تستند إلى مصادر موثوقة ومعايير شفافة.
Loading ads...
وترى أن إعادة الاعتبار للدقة الإحصائية، وبناء خطاب اقتصادي منضبط، يشكلان شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة ومنح أي حديث عن التعافي الاقتصادي السوري حدًا أدنى من المصداقية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




