ساعة واحدة
تفاصيل الصراع على الحقائب الوزارية في الحكومة العراقية الجديدة.. وضغوط واشنطن تطال حتى "الدرجات الخاصة"
الثلاثاء، 30 يونيو 2026

يسابق رئيس الوزراء علي الزيدي الوقت لاستكمال تشكيل الحكومة العراقية الجديدة قبل زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة نهاية يوليو/ تموز المقبل، وسط صراع متصاعد بين القوى السياسية على الحقائب الوزارية الشاغرة، وضغوط أمريكية غير مسبوقة لإبعاد الأحزاب والفصائل المقربة من إيران عن مفاصل الحكومة ومؤسسات الدولة.
وكشفت مصادر سياسية وأمنية عراقية لـ"عربي بوست" أن الزيدي يجري اتصالات مكثفة مع قادة الإطار التنسيقي ومسؤولين أمريكيين، في محاولة لحسم الخلافات التي عطلت استكمال تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، والتوصل إلى صيغة تقلل من حدة الاعتراضات الأمريكية قبل الزيارة.
وبحسب المصادر، لم يعد الخلاف مقتصراً على توزيع 9 حقائب وزارية ما تزال شاغرة منذ جلسة منح الثقة في مايو/ أيار 2026، بل امتد إلى ملف الدرجات الخاصة، التي تضم كبار المسؤولين في الوزارات والمؤسسات الأمنية والمالية، والتي تطالب واشنطن بإعادة النظر فيها باعتبارها إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني داخل الدولة العراقية.
نجح البرلمان العراقي، في منتصف مايو/ أيار 2026، في منح الثقة لـ14 وزيراً من أصل 23، وهو الحد الأدنى الذي سمح للحكومة بمباشرة مهامها، إلا أن استمرار الخلافات السياسية أبقى 9 وزارات شاغرة، ما جعل حكومة الزيدي تبدأ عملها منقوصة الصلاحيات.
ويقول مصدر سياسي مقرب من الحكومة العراقية الجديدة لـ"عربي بوست" إن الزيدي يريد استكمال تشكيل حكومته قبل نهاية يوليو، لكنه يواجه ضغوطاً أمريكية متزايدة بشأن توزيع الحقائب الوزارية، ويواصل في الوقت نفسه اتصالاته مع مسؤولين في واشنطن لتخفيف هذه الضغوط.
وتصف المصادر التدخل الأمريكي في تشكيل الحكومة بأنه من أكثر التدخلات وضوحاً منذ سنوات، إذ لم تكتفِ إدارة دونالد ترامب بإبداء تحفظات على بعض المرشحين، بل طالبت باستبعاد الأحزاب والفصائل المقربة من إيران من تولي عدد من الوزارات، معتبرة أن تشكيل الحكومة يمثل فرصة لإعادة تقليص نفوذ طهران داخل مؤسسات الدولة العراقية.
وبحسب المصادر، لم تعد المفاوضات تدور حول استكمال التشكيلة الحكومية فقط، بل حول طبيعة التوازنات التي ستقوم عليها الحكومة العراقية الجديدة، وهو ما يفسر تعثر التوافق حتى الآن، رغم حاجة الزيدي إلى إنهاء هذا الملف قبل أول زيارة خارجية مهمة له منذ توليه رئاسة الوزراء.
تحولت وزارة الداخلية إلى العقدة الرئيسية في مفاوضات استكمال الحكومة العراقية الجديدة، بعدما دخل رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ورئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في منافسة على الحقيبة، في وقت ترفض فيه واشنطن منحها لأي من الطرفين.
وتقول مصادر عراقية لـ"عربي بوست" إن ائتلاف دولة القانون أخفق في تمرير مرشحيه لوزارتي الداخلية والتعليم خلال جلسة منح الثقة في مايو/ أيار الماضي، بينما يتمسك المالكي بحقه في الحصول على وزارة سيادية، باعتبارها جزءاً من استحقاق ائتلافه السياسي.
في المقابل، يرى مقربون من السوداني أن ائتلاف الإعمار والتنمية يمتلك تمثيلاً برلمانياً أكبر، ما يمنحه أولوية في الحصول على الوزارة.
إلا أن مصادر أمنية عراقية تؤكد أن المشكلة لم تعد داخلية فقط، بعدما أبلغ المبعوث الأمريكي توم باراك رئيس الوزراء علي الزيدي رفض واشنطن إسناد وزارة الداخلية إلى أي مرشح محسوب على المالكي أو السوداني، داعياً إلى اختيار شخصية مستقلة تحظى بقبول جميع الأطراف.
وبحسب المصادر، حاول علي الزيدي احتواء الأزمة عبر مطالبة كل من المالكي والسوداني بتقديم قائمة تضم 5 مرشحين، على أن يناقشها الإطار التنسيقي قبل رفع اسم توافقي إلى البرلمان. وبينما وافق السوداني على المقترح، لا يزال المالكي متحفظاً عليه، مع استمرار مشاوراته لاختيار مرشحين لا يواجهون اعتراضاً أمريكياً أو رفضاً داخل الإطار.
وتحذر مصادر سياسية من أن فشل هذه المساعي قد يدفع المالكي إلى اللجوء إلى المحكمة الاتحادية للطعن في آلية توزيع الحقائب، وهو ما قد يؤخر استكمال تشكيل الحكومة العراقية الجديدة.
لا يقتصر الخلاف على وزارة الداخلية، بل يمتد إلى 4 حقائب كان يفترض أن تذهب، وفق تفاهمات المحاصصة، إلى الأحزاب المرتبطة بالفصائل المسلحة الشيعية، التي تمتلك أكثر من 80 مقعداً في البرلمان.
وتكشف مصادر سياسية لـ"عربي بوست" أن واشنطن أبلغت الزيدي رفضها منح أي وزارة لهذه القوى، معتبرة أن إشراكها في الحكومة سيبقي النفوذ الإيراني داخل السلطة التنفيذية. لكن هذا الموقف يواجه اعتراضاً داخل بغداد، حيث يرى مسؤولون أن استبعاد كتل تمتلك هذا الحجم من التمثيل البرلماني يتعارض مع طبيعة النظام السياسي العراقي.
وفي محاولة للتوفيق بين الطرفين، طلب الزيدي من المسؤولين الأمريكيين منحه مهلة 3 أشهر لمراقبة سلوك الفصائل، خصوصاً بعد إعلان عصائب أهل الحق استعدادها لتسليم سلاحها، قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن مشاركتها في الحكومة العراقية الجديدة.
إلا أن مصادر أمنية تؤكد أن واشنطن لم تبدِ استعداداً لقبول هذا المقترح، انطلاقاً من قناعتها بأن هذه الفصائل لا تزال جزءاً من شبكة النفوذ الإيراني، وأن تغيير سلوكها لن يكون كافياً لتعديل موقفها.
ويرى مسؤول أمني عراقي أن رئيس الوزراء يجد نفسه أمام معادلة صعبة؛ فمن جهة، لا يستطيع تجاهل مطالب الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، لا يمكنه استبعاد قوى تمتلك ثقلاً برلمانياً كبيراً من الحكومة، لأن ذلك قد يهدد التوافق السياسي الذي قام عليه تشكيلها منذ البداية.
إلى جانب الخلاف على الحقائب الوزارية في الحكومة العراقية الجديدة، تدور معركة أخرى لا تقل أهمية داخل مؤسسات الدولة العراقية، تتمحور حول ما يعرف بـ"الدرجات الخاصة"، وهي المناصب القيادية العليا، مثل وكلاء الوزارات، ورؤساء الهيئات المستقلة، وكبار المسؤولين الأمنيين والدبلوماسيين، التي تمثل، بحسب مصادر عراقية، العمود الفقري للنفوذ السياسي والإداري للأحزاب.
وتكشف مصادر مطلعة لـ"عربي بوست" أن واشنطن وسعت مطالبها لتشمل هذه المناصب، بعدما طلبت من الزيدي إعادة النظر في آلاف الدرجات الخاصة التي ترى أنها تخضع لنفوذ الأحزاب والفصائل المقربة من إيران، معتبرة أن أي إصلاح داخل مؤسسات الدولة لن يكتمل إذا اقتصر على تغيير الوزراء، بينما تبقى البنية الإدارية على حالها.
لكن هذا الطرح يواجه رفضاً واسعاً داخل الإطار التنسيقي، وتقول مصادر مقربة منه إن الاستجابة للمطلب الأمريكي تعني إحداث "زلزال" داخل الدولة العميقة، لأن النفوذ الحقيقي للأحزاب لا يرتبط بالوزراء الذين يتغيرون مع كل حكومة، وإنما بالشبكات الإدارية التي تراكمت داخل مؤسسات الدولة منذ عام 2003.
وفي السياق نفسه، يقول الخبير السياسي المقرب من الإطار التنسيقي علي العوادي لـ"عربي بوست" إن السيطرة على الدرجات الخاصة تضمن للأحزاب استمرار نفوذها السياسي والإداري والمالي، موضحاً أن الوزراء قد يتغيرون، بينما تبقى هذه المناصب ثابتة لسنوات، وهو ما يجعلها الضامن الأساسي لاستمرار حضور الأحزاب داخل مؤسسات الدولة.
وتدرك حكومة الزيدي، وفق مصادر حكومية، أن هذا الملف أكثر تعقيداً من استكمال توزيع الحقائب الوزارية، لأن أي محاولة لإعادة توزيع الدرجات الخاصة ستُفسر داخل القوى السياسية باعتبارها استهدافاً لموازين القوة التي استقرت داخل مؤسسات الدولة على مدى أكثر من عقدين.
استبعدت مصادر عراقية تحدثت لـ"عربي بوست" أن يتمكن علي الزيدي من استكمال تشكيل الحكومة العراقية الجديدة قبل زيارته المرتقبة إلى واشنطن، في ظل استمرار الخلافات الداخلية وتمسك الولايات المتحدة بمواقفها.
وبحسب المصادر، يراهن رئيس الوزراء على إقناع الإدارة الأمريكية بمنحه مهلة لمراقبة سلوك الفصائل والعودة تدريجياً إلى آلية التوافق السياسي، باعتبارها الخيار الوحيد القادر على ضمان استقرار حكومته. أما إذا تمسكت واشنطن بمطالبها، فقد تبقى الحكومة غير مكتملة لفترة أطول، ما قد ينعكس على قدرتها في تنفيذ برنامجها وتقديم الخدمات.
ولا تستبعد المصادر أن يقود استمرار هذا الجمود إلى تصاعد الاحتقان السياسي والشعبي، مع احتمال دخول زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على خط الأزمة عبر دعم تحركات شعبية للضغط على القوى السياسية والبرلمان من أجل استكمال تشكيل الحكومة، وإن كان ذلك سيبقى مرتبطاً بقرار الصدر نفسه وتقديره لتطورات المشهد.
وتكشف معركة استكمال حكومة علي الزيدي أن الخلاف لم يعد يدور حول توزيع عدد من الحقائب الوزارية، بل حول مستقبل موازين القوة داخل الدولة العراقية.
ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تقليص نفوذ القوى المقربة من إيران داخل الحكومة ومؤسسات الدولة، تتمسك الأحزاب العراقية بقواعد المحاصصة التي قامت عليها العملية السياسية منذ عام 2003، وترى أن أي تغيير جذري فيها يهدد التوازنات القائمة.
وبين هذين المسارين، يجد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي نفسه أمام أول اختبار سياسي كبير منذ توليه رئاسة الوزراء.
Loading ads...
نجاح الزيدي لن يقاس فقط باستكمال تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، بل بقدرته على إدارة التوازن بين الضغوط الأمريكية ومطالب حلفائه في الداخل، وهو توازن سيحدد ليس فقط مصير حكومته، بل أيضاً شكل العلاقة بين بغداد وواشنطن خلال المرحلة المقبلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





