عام واحد
إيران بعد الحرب وانتهاء الاتفاق النووي: إلى أين تتجه؟
الأربعاء، 29 أكتوبر 2025

بعد أن حطّت الطائرة على أرض مطار الإمام الخميني في طهران، سألت ياسمين امرأةً كانت تقف بالقرب منها في الممر، وقد وضعت شالًا رقيقًا على شعرها وهي تهمّ بالمغادرة: "لا أملك سوى هذه القبعة الرياضية، هل تفي بالغرض أم قد أتعرض لسؤال أو اعتراض ما؟". كلتاهما إيرانيتان، لكن ياسمين كانت قد غادرت إيران منذ أكثر من عام، وما إن سنحت الفرصة بالعودة بعد حرب الاثني عشر يومًا حتى عادت للاطمئنان على أهلها.
هادئًا بدا مطار طهران؛ كل شيء يجري بشكل اعتيادي من دون ازدحام. بسرعة ختم لها الضابط على جواز سفرها، حملت حقيبتها، وبعد دقائق كانت تشقّ طريقها باتجاه منزل أهلها شمال العاصمة الإيرانية.
صيف طهران الساخن بطقسه وأحداثه كان لا يزال مستمرًا رغم دخول الخريف منذ العشرين من سبتمبر/ أيلول الماضي. في الطريق، تبادلت أطراف الحديث مع أسرتها عن الحرّ ونقص المياه في البلاد. اطمأنت لعدم انقطاع الكهرباء كما في الصيف، لكن أقلقها ما نُقل لها على لسان المسؤولين الإيرانيين بأن العام المائي الذي تعيشه إيران هو الأكثر جفافًا منذ نصف قرن، مع تراجع الهطولات المطرية بنسبة تفوق 40% خلال الفترة الماضية واستمرار ذلك في الخريف الجاري.
في الطريق، استوقف نظرها تلك الجدارية الكبيرة في منتصف طريق "الإمام علي" السريع: في الوسط "قوروش الكبير"، وعن يساره "أمير كبير" و"ستارخان" و"رئيس علي دلواري"، وعن يمينه "ميرزا كوتشك خان جنغلي" و"قاسم سليماني" و"صياد شيرازي" و"أمير علي حاجي زادة"، وقد كُتب عليه اقتباس من شاهنامة فردوسي: "إذا استمررنا في قتل بعضنا البعض فهذا يعني تسليم البلاد للعدو".
لم تكن بعض هذه الصور لتُرفع سابقًا؛ "تعزيز اللحمة الوطنية" و"الانسجام الشعبي" دفعا إلى تقوية الخطاب القومي التاريخي إلى جانب الخطابين الديني والوطني.
اجتماعيًا، تغيّرت إيران بشكل ملحوظ؛ "السوشيال ميديا" وجيل "زد" وأسباب كثيرة أخرى جعلت المشهد مختلفًا، سواء من جهة السلطة أو من جهة المجتمع.
في إيران اليوم يجري إعادة تعريف "الفضاء العام": حفلات موسيقية كثيرة في أنحاء البلاد بدعم حكومي وتبريرات متنوعة منها إحياء الأعياد الإيرانية القديمة، تكاثر المقاهي ذات الأضواء الخافتة وأصوات الموسيقى الصاخبة والليزر الملوّن، حفلات في كل مكان، وانتشار ركوب النساء للدراجات النارية بعد سنوات من الجدل حول الأمر.
كلّها مؤشرات على التحوّل الذي تشهده طهران ومدن إيران الكبرى، تحوّل يعتمد على بروز "اقتصاد التجربة" في الفعاليات بدل اقتصاد الاستهلاك؛ اقتصاد لا يقوم على اقتناء الأشياء بقدر ما يقوم على تجارب تبني الذكريات والهوية وتعبّر عن الذات أيضًا، وهو ما قد يُسمّى في علم النفس "الاستهلاكية التجريبية".
تتحول إيران اجتماعيًا؛ إذ لم تعد الهوية الثقافية موحّدة رغم المنظومة الثيوقراطية للبلاد منذ نحو خمسة عقود، بل هي اليوم "فسيفساء من ثقافات متعددة". ما قد يثير اهتمام مجموعة قد يُنفر أخرى، ما جعل "الأيديولوجيا" تتراجع أمام أن يكون الهدف هو إظهار القيمة لا الفضيلة. وبين تأكيد الشرطة الإيرانية ضرورة التزام الجميع بالقوانين السارية واتخاذها إجراءات تجاه بعض "المخالفين"، ومحاورة الحكومة للشباب، يبقى "التحوّل" مستمرًا.
يعترف إلياس حضرتي، رئيس لجنة الإعلام الحكومية في الحكومة الإيرانية، خلال اجتماع مع مستشاري جيل "زد"، بأن تعيينهم مؤخرًا في بعض المؤسسات الحكومية أثار ردود فعل متباينة بين مشيدة ومنتقدة، لكنه يقول:
"على كل جيل أن يفكّر في إعداد خلفاء للمستقبل. إعداد الخلفاء عملية لا تتم بين عشية وضحاها... المجتمع يولي أهمية كبيرة لجيل زد والشباب، وقد أدى ذلك إلى زيادة عدد مستشاري جيل زد إلى 15 شخصًا. أكثر ما يشغل لجنة الإعلام الحكومية هو الاهتمام بجيل الشباب، وأبواب الحوار معهم في الحكومة مفتوحة، ويجب أن نبقيها مفتوحة لحلّ مشاكل البلاد".
التحوّل الاجتماعي يصاحبه ترقّب سياسي يُلقي بظلاله العسكرية والأمنية والاقتصادية على البلاد. يقول المرشد الأعلى خلال لقائه حكومة الرئيس مسعود بزشكيان:
"من الضروري اتخاذ إجراءات أكثر جدّية في المجالات الاقتصادية والمعيشية للشعب، ولا ينبغي أن ننتظر التطورات الخارجية لحلّ المشاكل؛ على الجميع القيام بواجبهم في هذا الصدد. يجب أن نتغلب على حالة لا حرب ولا سلام التي يحاول العدو فرضها، لأن هذا الوضع ضار وخطير على البلاد".
ويضيف في موضع آخر:
"القلق الحقيقي في البلاد يكمن في الانقسامات الداخلية والاصطفافات الوهمية داخل إيران. ما يقلقني بشدة هو تصاعد الخلافات الداخلية وإثارة الانقسامات الزائفة وتبادل الاتهامات وتشويه صورة بعضنا البعض... أنا لا أخاف من أميركا ولا من إسرائيل، بل أخاف من الخلاف والانقسام الداخلي. إذا بقينا متحدين ومتكاتفين، فسنتغلب على جميع التحديات والمشكلات".
"هل ستشتعل الحرب مجددًا بين إيران وإسرائيل؟" سؤال لا يغيب عن أحاديث ياسمين مع أصدقائها وأسرتها في إيران، لكن الإجابات تتنوع. ففي الوقت الذي تؤكد فيه القوات المسلحة الإيرانية استعدادها وجهوزيتها وتحذر من أي جولة جديدة، يقول المعاون الأول للرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، بعد عودته من قمة في آسيا الوسطى حضرها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش:
"قال خلال اجتماعي معه إن ملف إسقاط النظام الإيراني أُغلق بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا".
وإذ يستبعد أن تكون الحرب قريبة، يرسم علي شمخاني، ممثل المرشد الإيراني في المجلس الأعلى للأمن القومي، مشهدًا يتحدث فيه عن قدرات إيران وأوراق قوتها وعزلتها، ويقول: "قد تكون بعض الدول اتخذت قرارًا بإسقاط الجمهورية الإسلامية، لكنهم ليسوا العالم كله، وهم غير قادرين على ذلك. سعوا لذلك في حرب الـ12 يومًا، ومن خلال تفعيل سناب باك يريدون ذلك أيضًا".
وبلغة العسكر، يقول شمخاني، معتبرًا أن 7 أكتوبر وعمليتي "الوعد الصادق 1" و"الوعد الصادق 2" وصولًا إلى الحرب الأخيرة سهّلت طريق تصحيح إيران لمنظومتها الصاروخية بسرعة:
"تم إدخال تصحيحات وتعديلات على المنظومة الصاروخية الإيرانية بعد عمليتي الوعد الصادق 1 و2، وفي الحرب الأخيرة تم الاستفادة من المنظومة المعدّلة. هناك صواريخ لم تُستخدم بعد، وبعض الصواريخ لم يخدم منها إلا القليل جدًا... وعلى الرغم من التغييرات في الدفاع الجوي في إسرائيل، إلا أن قدرة صواريخنا على الضرب تغيّرت أيضًا بشكل جذري وأصبحت أقوى من ذي قبل".
ويقول المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، العميد رضا طلائي: "القدرات التسليحية والعملياتية للقوات المسلحة الإيرانية شهدت تطوّرًا كبيرًا بعد حرب الـ12 يومًا... إذا فكّر العدو بتهديدنا مجددًا فسيُمنى بفشل أكبر".
بدوره يقرّ القائد الأسبق للحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، بتفوّق التكنولوجيا الأميركية في مجال الطائرات، لكنه يقول: "في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة نجحنا وتفوّقنا، كما أن لدينا أوراقًا لم نستخدمها، ومنها القوة البحرية".
لم يكونا عامين سهلين على إيران، خاصة بعد عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. وهو، برأي محللين، إذ يدعو إيران، وهو يحتفل في "قمة شرم الشيخ للسلام"، إلى إيقاف الحرب على غزة والاعتراف بوجود إسرائيل، يمضي في "خطوة رابعة" في حصار الجمهورية الإسلامية تستهدف الوعي الجمعي وأيديولوجيا النظام ودعائمه.
يقول دونالد ترمب من شرم الشيخ:
"أودّ رفع العقوبات عن إيران، لكن عليها أن تكون مستعدة للحوار... سنتوصل إلى تفاهم معها، وأعتقد أنه بقليل من الجهد الإضافي، يمكننا ضمّ إيران إلى هذا الجمع في شرم الشيخ".
سبق لترمب في ولايته الأولى عام 2018 الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض "الضغوط القصوى" على إيران. لكنه في ولايته الجديدة يبدو مستعجلًا لحصد النتائج: إضعاف النفوذ الإيراني باستهداف حلفاء طهران من لبنان إلى العراق واليمن وسوريا لم يكن كافيًا، بل وصل الأمر إلى حدّ التدخل العسكري واستهداف منشآت إيران النووية.
رغم ذلك، لا تغيّر إيران من خطابها. أمين سرّ المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، الذي حملت تحركاته باتجاه لبنان والسعودية وغيرهما، كما تصريحاته، رسائل عديدة، إذ يقول تعليقًا على إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين:
"الكيان الصهيوني يرى اليوم بالصور كيف أنّ مكانة حركة حماس والمقاومة قد ارتفعت في قلوب الناس... المقاومة ستبقى صامدة ومنتصرة".
وكما يبدو أن إيران تُدرك التحول الاجتماعي الحاصل في مجتمعها، فهي تُدرك أيضًا المشهد السياسي من حولها.
يقول المستشار السياسي للرئيس الإيراني، مهدي سنائي، خلال ندوة بعنوان "النظام العالمي والسياسة الخارجية الإيرانية":
"قضية إيران ما بعد الاتفاق النووي والتحوّلات التي أعقبت تفعيل آلية الزناد وعودة العقوبات أثارت تساؤلات جادة داخل الجمهورية الإسلامية بشأن طبيعة علاقتها بالنظام الدولي ونظرتها إلى النظام العالمي المستقبلي. هذا يفرض على طهران مراجعة عميقة لعلاقاتها الدولية... فالواقع العالمي اليوم يشهد تضييق دائرة الحوار إلى مستوى العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة، وبعض الدول باتت ترى أن التفاوض لا يمكن أن يتم إلا مع الرئيس الأميركي مباشرة. لذا السؤال المطروح: هل ستنتظر إيران حتى نهاية الإدارة الأميركية الحالية، أم أنها ستعتمد شكلًا جديدًا من الحوار؟".
أسئلة كثيرة تُطرح اليوم في إيران عن الماضي والحاضر والمستقبل. فسنائي نفسه يقول: "من الضروري تقييم مدى تغيّر نظرة الجمهورية الإسلامية بعد عقد على الاتفاق النووي. هل تعزّز التوجّه القائم على الدولة والشعب أم طغى النهج الثوري مجددًا؟"، ويضيف: "إيران خلال الأعوام الأخيرة انتهجت مسارًا وسطيًا؛ تمسّكت بمبادئها، لكنها في الوقت نفسه حاولت عبور الأزمات عبر الحوار".
في المقابل، يقدّم البعض إجابات أيضًا. من هؤلاء ناطق نوري الذي يقول:
"الاستيلاء على السفارة الأميركية كان خطأً فادحًا، وبدأت العديد من مشاكل البلاد في ذلك اليوم. كما أن الهجوم على السفارتين السعودية والبريطانية كان خطأً فادحًا، وكانت له عواقب بعيدة المدى على البلاد. كذلك فإن سلوك وتصريحات المتشددين لا تصبّ في مصلحة البلاد".
من جانبه، يقول الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني:
"يجب جعل شعار لا للحرب واقعًا ملموسًا. يمكننا اختيار عدم القتال أو الاستسلام... المفاوضات صعبة لكنها ممكنة... يجب أن يرى الشعب إصلاحات في شؤون البلاد بعد حرب الاثني عشر يومًا؛ فهو وقف بكل قوته إلى جانب إيران في تلك الحرب، وليس إلى جانبنا نحن الحكّام".
وبالتزامن مع طيّ صفحة الاتفاق النووي بانتهائه رسميًا في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، يرى مهندسُه محمد جواد ظريف أنّ واشنطن لا تستهدف إسقاط النظام الإيراني، وإن كانت تمارس عليه أقصى الضغوط السياسية والاقتصادية:
"من المستحيل التنبؤ بالتطورات القادمة على وجه اليقين. المهم هو أن تواجه البلاد التحديات من موقع قوة من خلال تعزيز قدراتها الدفاعية، والحفاظ على تماسكها الداخلي، والمبادرة إلى مفاوضات جادة، والاستعداد لأي طارئ... (...) وخلافًا لمن يقولون إن النظام مُجبر الآن على تجرّع كأس السمّ كما حدث عام 1989 (نهاية الحرب العراقية الإيرانية)، أعتقد أن هذا غير ممكن، ولا ضروري، ولا مستحب. بل يمكننا الآن الدخول في مفاوضات بثقة، معتمدين على الشعب وعلى القوة والإرادة الوطنية".
تعلو في المقابل أصواتٌ تدفع نحو خياراتٍ تصعيديّة، من قبيل الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) أو الذهاب حتى خيار السلاح النووي. هو ليس سجالاً حزبيًا ضيّقًا بقدر ما هو نقاش عام بين مقاربات متباينة. وبين هذه الطروحات جميعًا، ورغم الحضور الدائم للنَّفَس الثوري في إيران، تبقى "العقلانية الاستراتيجية" عامل كبحٍ أساسيًا في تقدير كثيرين؛ فطهران لا تريد أن تُشبه كوريا الشمالية، ولا أن تُكرّر نموذج ليبيا.
يقول إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إن "الردع الذكي" هو السبيل الأجدى لتجاوز منطق "القوة" والضغط، مضيفًا أن الدبلوماسية المؤثرة لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى ركيزة ردعيّة وأمنية واسعة.
وعلى المنوال نفسه، يرى كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، أن السلوك الأميركي–الأوروبي يشي بأن "منطق إيران" متماسك، فيما يلجأ الطرف المقابل إلى القوة لفرض أجندته. وبحسب خرازي، فإن المطالب الغربية تتجاوز النووي إلى ملفات الصواريخ و"المقاومة"، وهما قضيتان لا تدخلان في نطاق التفاوض بالنسبة إلى طهران؛ لذا لا بدّ من عرض الحجج الإيرانية أمام الرأي العام العالمي وإظهار الاستعداد لـ"حوار قائم على مبادئ سليمة".
وفي قراءةٍ أوسع للسياق الدولي، يوضح سعيد خطيب زاده، معاون وزير الخارجية ورئيس مركز الدراسات السياسية والدولية، خلال منتدى "أستانة 2025"، أن النظام العالمي يمرّ بتحوّلٍ عميق بلغ مستوى جديدًا من عدم القدرة على التنبؤ، ما يخلق أوضاعًا خطِرة. برأيه، يعمل "الكيان الصهيوني" وكيلاً رئيسًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بحثًا عن هيمنة مطلقة لا عن سلام، وهو ما قوّض مبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي. أما الولايات المتحدة نفسها، فأضحت الأكثر مراجعة وتمردًا على قواعد النظام القائم، الأمر الذي يهدّد السلم والأمن العالميين.
ومن هنا يتمّ التطرّق سريعًا إلى "التوجّه شرقًا" ودور روسيا والصين في المرحلة المقبلة. فإيران أكّدت ما أعلنه الرئيس الروسي عن رسالته المنقولة من بنيامين نتنياهو إلى طهران بأن "إسرائيل لا ترغب في تصعيد المواجهة مع إيران". ويقول فلاديمير بوتين، قبيل تسلّمه رسالة المرشد الإيراني علي خامنئي التي حملها علي لاريجاني:
"لا يمكن حلّ القضية النووية الإيرانية إلا عبر الدبلوماسية والمفاوضات. لدينا اتصالات وثيقة مع شركائنا الإيرانيين، ونلمس استعدادهم لإيجاد حلول مقبولة للطرفين واستئناف تعاونٍ بنّاء مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية".
نوويًا، تتمسّك طهران بعدم قانونية تفعيل "الترويكا الأوروبية" لآلية الزناد "سناب باك". ويؤكّد وزير الخارجية عباس عراقتشي، في ضوء رسائل مشتركة إيرانية-روسية-صينية إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن "التخصيب حقّنا الطبيعي ولن نتنازل عن حقوقنا"، مضيفًا أن "قنبلة إيران النووية هي قدرتها على قول لا أمام القوى الكبرى". وهو، إذ يقرّ بأن أصل المشكلة بين طهران وواشنطن، يشدّد على أن "عدم الاستعداد للحرب يجعل وقوعها أقرب"، لكنه يضيف:
"ما دامت أميركا تنزع إلى الهيمنة، والجمهورية الإسلامية إلى نقيضها، فلن تُحلّ المشكلة جذريًا؛ لكننا قادرون على إدارة الخلافات. شعبنا لا يقبل لغة القوة والضغط والعقوبات، بل لغة الاحترام. إذا خوطب بكرامة، سيُجيب بالمثل".
كل ذلك ينعكس مباشرةً على المعيشة. جيوب الإيرانيين أشدُّ ضيقًا مما كانت عليه. ووفق أحدث تقارير البنك الدولي لآفاق اقتصادات الشرق الأوسط، يُتوقّع أن ينكمش الاقتصاد الإيراني هذا العام بنسبة 1.7% مع تضخّمٍ يصل إلى 49%، على أن يتعمّق الانكماش العام المقبل إلى 2.8% ويرتفع التضخّم إلى 56%.
وتقول المتحدّثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، إن "خط الفقر" بلغ 6,128,739 تومانًا شهريًا للفرد (نحو 56 دولارًا)، أي ما يقارب 36%، وهو أعلى مستوى منذ 2010. مع ذلك، يتمسّك الرئيس مسعود بزشكيان بأن "سياسة العقوبات والضغوط لا تُجدي سريعًا مع بلدٍ كإيران تحدّه 16 دولة جارة".
وبين صورةٍ نظرية تُرسم في التصريحات، ومشهدٍ يوميٍّ يرصده الناس في الشارع، يلاحظ الجميع ازدياد الباعة الجوّالين في مناطق متعدّدة من طهران، إلى جانب تذمّرٍ واسع من ارتفاع أسعار سلعٍ أساسية.
Loading ads...
بعد أيامٍ من الاستراحة، خرجت ياسمين مع صديقاتها إلى ما يُعرَف في طهران بـ"شارع المولات": شريطٌ واحد يضم أكثر من عشرة مجمعاتٍ تجارية، من الفاخر جدًا إلى المتوسط فالعادي. بعض الصديقات حضرن بملابس صيفية مكشوفة الرأس، وأُخريات أرخين الحجاب على الأكتاف، فيما اكتفت بعضهنّ بشالٍ رقيق يُظهر خُصلاتٍ من الشعر. المشهد بدا مختلفًا جدًا عمّا كان قبل عام. خلال الجولة، لفت نظر ياسمين ارتفاع أسعارٍ في غير متجر، كما انتبهت إلى لافتات "سناب بي" المنتشرة: خدمة "الدفع الائتماني بالتقسيط" بصيغتها الإيرانية، وهي ثقافةٌ لم تكن مألوفة سابقًا في ظلّ القيود المصرفية ووطأة العقوبات. وفي ختام الجولة، اخترن مقهى هادئًا بعد المرور بمقاهٍ أخرى ذات أضواءٍ خافتة وأشعة ليزر راقصة وموسيقى "دي جي" تتسرّب إلى الشارع بلغاتٍ متنوّعة: فارسية وعربية وتركية وإنكليزية... وهناك طال الحديث عن أحوال البلد: الزواج والصداقات، الهجرة والحرب… كلامٌ كثير "طُحن" حتى ما بعد منتصف الليل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





