ساعة واحدة
تحفيز الحبل الشوكي بالكهرباء بعد السكتة الدماغية يعيد تنشيط الذراع
الأربعاء، 10 يونيو 2026

أظهرت تجربة سريرية صغيرة أن تحفيز الحبل الشوكي كهربائياً يمكن أن يحسن حركة الذراع واليد، ويخفف تيبس العضلات، حتى لدى أشخاص عاشوا منذ سنوات مع ضعف شديد بعد السكتة الدماغية.
اختبرت الدراسة التي أعدها باحثون في كلية الطب جامعة بيتسبرج الأميركية، ونشرت نتائجها دورية Nature Medicine، جهازاً مزروعاً، يرسل نبضات كهربائية موجهة إلى منطقة الرقبة من الحبل الشوكي، حيث تمر الدوائر العصبية المرتبطة بحركة الذراع واليد.
ورغم أن التجربة لا تزال في مرحلة مبكرة، فإن نتائجها تشير إلى أن التقنية قد تتحول مستقبلاً إلى وسيلة مساعدة قابلة للزرع، تساعد المرضى على استخدام أذرعهم في أنشطة الحياة اليومية.
السكتة الدماغية لا تنتهي آثارها دائماً بانتهاء المرحلة الحادة، فكثير من الناجين يعيشون لسنوات مع ضعف في الذراع أو اليد، أو صعوبة في فرد الأصابع، أو تيبس عضلي يجعل الحركة مؤلمة ومحدودة.
وفي الولايات المتحدة وحدها، تشير البيانات الواردة في الدراسة إلى أن نحو 400 ألف شخص يصابون سنوياً بضعف مزمن في الذراع واليد بعد السكتة.
وتعد استعادة وظيفة الذراع من أكثر الاحتياجات العلاجية إلحاحاً لدى الناجين من السكتات الدماغية، لكن إعادة التأهيل التقليدية لا تحقق دائماً تحسناً كبيراً، خاصة عندما تكون الإصابة قديمة، والضعف شديداً.
من هنا جاءت فكرة الباحثين؛ بدلاً من محاولة تدريب الدماغ وحده على تجاوز الإصابة، هل يمكن تنشيط الحبل الشوكي نفسه بحيث تصبح الإشارات العصبية المتبقية بين الدماغ والعضلات أكثر فاعلية؟
تسمى التقنية المستخدمة "التحفيز فوق الجافية للحبل الشوكي العنقي"، وتعتمد على زرع أقطاب كهربائية رفيعة قرب منطقة الرقبة من الحبل الشوكي، ثم توصيل نبضات كهربائية موجهة إلى الألياف العصبية الحسية في هذه المنطقة، لتحسين قابلية الدوائر العصبية للاستجابة للإشارات القادمة من الدماغ.
وأوضح الباحث المشارك في الدراسة، ماركو كابوجروسو، الأستاذ المساعد في جراحة الأعصاب بجامعة بيتسبرج، أن التقنية تعمل في الأساس كأداة مساعدة؛ فعندما يكون التحفيز في وضع التشغيل، يستطيع المريض تحريك ذراعه بصورة أفضل؛ لأن تحفيز الحبل الشوكي يجعل الاتصالات العصبية المتبقية بين الدماغ والحبل الشوكي تعمل بكفاءة أعلى، ما يسمح بحركة أكثر قوة وسلاسة.
وقال كابوجروسو إن هذه الفكرة مهمة؛ لأنها لا تفترض أن السكتة الدماغية قطعت كل الطرق العصبية تماماً؛ ففي كثير من الحالات، تبقى بعض الاتصالات موجودة، لكنها ضعيفة أو غير كافية لإنتاج حركة مفيدة، وبالتالي فإن "التحفيز الكهربائي قد يجعل هذه الاتصالات المتبقية أكثر قدرة على نقل الأوامر الحركية".
شملت التجربة 7 مشاركين يعانون ضعفاً شديداً في العضلات نتيجة سكتة دماغية مزمنة؛ بهدف تقييم السلامة وإمكانية التطبيق، إلى جانب قياس مؤشرات أولية على الفاعلية.
أظهرت النتائج أن المشاركين حققوا في المتوسط زيادة بنسبة 32% في قوة الذراع؛ كما سجل الباحثون تحسناً في الحركة العامة للذراع، وانخفاضاً في التشنج أو التيبس العضلي.
ظهرت هذه النتائج مع برنامج تدريبي محدود نسبياً، إذ تلقى المشاركون أقل من 9 ساعات من التدريب المعتمد على الحركة على مدى 4 أسابيع.
ولم تسجل الدراسة أحداثاً ضارة خطيرة، أو شعوراً بعدم الراحة مرتبطاً بالتدخل، وهي نقطة أساسية في تجربة من هذا النوع، لأن التقنية تتطلب زرع جهاز كهربائي داخل الجسم.
وأظهرت النتائج أن التحسن لم يقتصر على فئة محددة من المشاركين، بل ظهر عبر أشخاص اختلفوا في العمر والجنس والخلفية العرقية، وشدة الضعف عند بداية الدراسة.
ولاحظ الباحثون نوعين من الفائدة؛ الأول كان فورياً، فعند تشغيل التحفيز، تحسنت القوة والحركة لدى جميع المشاركين، بغض النظر عن درجة الضعف الأساسية، والثاني تمثل في انخفاض التشنج العضلي لدى المشاركين السبعة، وهو عرض شائع بعد السكتة، ويحدث بسبب اضطراب المسارات العصبية التي تنظم انقباض العضلات وانبساطها.
وقال الباحث المشارك في الدراسة، جورج ويتنبرج، إن التحسينات الحركية قد "تبدو محدودة عند النظر إليها من الخارج، لكن قيمتها العملية قد تكون كبيرة جداً للمريض؛ فأي زيادة صغيرة في قوة الذراع أو التحكم فيها قد تصنع فرقاً حقيقياً في حياة الناجين من السكتة".
كان التحسن المستمر مرتبطاً بمواصلة التحفيز؛ فعند وقفه في تقييمات المتابعة، تراجعت الوظيفة الحركية، وهذا يعني أن التقنية، في صورتها الحالية، لا تبدو علاجاً قصير المدى يعيد بناء الوظيفة، ثم يصبح غير ضروري، بل أقرب إلى جهاز عصبي مساعد، أو "بدلة عصبية" مزروعة تساعد الجسم على الحركة عند تشغيلها.
هذا التفريق مهم لتجنب المبالغة في تفسير النتائج؛ فالدراسة لا تقول إن تحفيز الحبل الشوكي يشفي آثار السكتة، أو يعيد الذراع إلى حالته الطبيعية، بل تشير إلى أنه قد يساعد بعض المرضى على استخدام الذراع بصورة أفضل عندما يكون الجهاز نشطاً.
ومن الناحية العملية، قد يكون ذلك كافياً ليصبح الجهاز مفيداً إذا أمكن تطويره للاستخدام اليومي خارج العيادة.
تستخدم أجهزة تحفيز الحبل الشوكي منذ عقود في علاج الألم المزمن، لكن توظيفها لاستعادة حركة الذراع بعد السكتة يمثل اتجاهاً جديداً، وتعد هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها هذه الفئة من الأجهزة لهذا الغرض بعد السكتة الدماغية.
رغم أهمية النتائج، تبقى الدراسة صغيرة جداً، كما أنها صممت أساساً لاختبار السلامة والجدوى، وليس لإثبات الفاعلية النهائية على نطاق واسع. لذلك لا يمكن تعميم النتائج، خاصة أن فترة التدخل استمرت 4 أسابيع فقط، مع قدر محدود من التدريب الحركي.
Loading ads...
ولا تزال هناك أسئلة مفتوحة منها ماذا يحدث مع الاستخدام الأطول؟ هل يؤدي الجمع بين التحفيز والعلاج الطبيعي المكثف إلى نتائج أكبر؟ هل يمكن للمرضى استخدام الجهاز بأمان وسهولة في المنزل؟ وما حجم التحسن المطلوب كي يكون الجهاز مبرراً من ناحية طبية وعملية؟ ولهذا، بدأ الباحثون في تجنيد مشاركين لتجربة سريرية موسعة، ستقيم آثار التحفيز طويل المدى، سواء وحده أو بالاشتراك مع العلاج الفيزيائي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

خريطة النفوذ في جنوب لبنان
منذ 18 دقائق
0



