بدا فوز ممداني كلحظة معاندة للتاريخ، فقد سيطر التيار المحافظ تماماً على المشهد السياسي، حتى كُسرت من شخص مغمور تقدّم إلى انتخابات محلية ببرنامج سياسي ـ خدمي جديد ومقنع لسكان مدينة، تعاني بشدة في قضايا السكن والعدالة الاجتماعية والضرائب والأمان الصحي.
فاز ممداني رغم خطوات ترمب التعسفية والشرسة في تحطيم خصومه وتغيير بيئة السياسة الديمقراطية في أميركا، لكن طريقة استقبال الحدث في العالم العربي تكشف أزمة قراءة سياسية، وحاجة عاطفية لصناعة رموز خارج حدود الواقع العربي، ورغبة عميقة في إيجاد انتصارات بديلة تُعوّض غياب الإنجاز الداخلي.
يعود الاحتفاء العربي لفوز ممداني إلى أربعة أسباب مركزية، تتكرر في كل مرة ينجح فيها شخص من أصول عربية أو مسلمة في الغرب؛ سواء كان هذا النجاح سياسياً أو علمياً أو حتى رياضياً:
1- الرغبة في الانتصارات الرمزية:
يشعر كثير من العرب وبعض النخب المثقفة، بأن الهزيمة السياسية المتراكمة والفشل المجتمعي في الداخل تحتاج تعويضاً، فيبحثون عن أي نجاح خارجي يحمل ملامح ثقافية أو دينية قريبة منهم ليحوّلوه إلى نصر معنوي. فوز ممداني صار في نظرهم دليلاً على قدرة العرب على المنافسة في الغرب، رغم أن البرنامج الذي فاز به لا علاقة له بالهوية القومية أو الدينية أو أي قضية عربية وإسلامية خارج الولايات المتحدة الأميركية.
ورغم تأييده الشخصي للقضية الفلسطينية، إلا أنه لا يملك تأثيراً عملياً عليها، وكان النقطة التي ركز عليها، أن دافعي الضرائب في الداخل أولى بهذا المال من إسرائيل، وليس تغيير القرار السياسي في البيت الأبيض.
2- استعادة الشعور بالفخر الجماعي:
هناك شعور عربي مزمن بأن العالم لا يعترف بإنجازات أبناء المنطقة، لذلك عندما يبرز اسم من أصول شرقية في موقع عام، يتحول بسرعة إلى رمز يُحتفى به؛ لأنه يعيد للأنا الجمعية شيئاً من الثقة المفقودة.
لا ينطبق هذا على السياسة فقط، بل على كل نجاح يحققه المهاجرون في الغرب من عالم أو طبيب أو رياضي، والكل يعرف أنه ما كان ليظهر هذا النجاح من دون تضافر مؤسسي ابتداء من الروضة مروراً بالمدرسة والجامعة والأندية الداعمة لها، وانتهاء ببيئة العمل المحفّزة.
3- إسقاط الهوية على السياسة:
بدلاً من تحليل الملفات التي خاض بها ممداني المعركة الانتخابية، ربط كثيرون نجاحه بأصوله المسلمة وبتاريخه العائلي، حتى إن بعض المقالات العربية سلّطت الضوء على انتمائه الديني أكثر من برنامجه السياسي نفسه، وكأنّ ممداني كان يمارس الدعوة في بلد مسلم، وليس السياسة في بلد مسيحي ـ علماني ـ ديمقراطي.
4- دور الإعلام العربي الرسمي في تغذية الانتصارات الوهمية:
الإعلام العربي، بطبيعته، يفضّل قصص "الحكاية الملهمة" على تحليل البرامج السياسية. هذه السرديات تبيع جيداً، وتغطي على عيوب السياسة العربية الرسمية؛ حيث يغيب فيها صوت الشعب والعمل المؤسسي والبرامج الانتخابية والمنافسة بين الأحزاب، وأخيراً عقاب الشعب للحكام بانتخاب منافسيهم حال تقصيرهم ولو كانوا من ديانة مختلفة أو عرق آخر.
مع أن ممداني لم ينتصر رغم الإسلاموفوبيا، بل انتصر لأنه عمل ضمن أطر مؤسسية ديمقراطية، تتيح له النجاح، أي ببساطة مارس السياسة بالقواعد المعمول بها في بلده..
بموازاة الدور العربي الرسمي، حاول كل تيار فكري أن يقرأ الحدث من زاويته، وأسقط عليه جزءاً من أزماته وطموحاته، فالتيار القومي قدّم فوز ممداني باعتباره عودة للقدرات العربية في الساحة العالمية، واعترافاً بجدارة العربي في مؤسسات الغرب، بل ذهب بعضهم إلى مقارنات تاريخية بين نجاحه وانبعاث الهوية ضمن الجاليات العربية.
في حين قدّم الإسلاميون فوز ممداني كنجاح للمسلم الذي حافظ على جذوره في مجتمع علماني، رُبط الحدث مباشرة بحكايات صعود المسلمين في الغرب، وجرى استخدامه لتأكيد أن الهوية الإسلامية قادرة على الاندماج من دون التنازل عن ذاتها.
بعض التحليلات ركزت على أجواء الإسلاموفوبيا في أميركا، خصوصاً بعد تقارير تحدثت عن زيادة عداء المسيحيين الأميركيين للمسلمين مقارنة بفئات أخرى.
مع أن ممداني لم ينتصر رغم الإسلاموفوبيا، بل انتصر لأنه عمل ضمن أطر مؤسسية ديمقراطية، تتيح له النجاح، أي ببساطة مارس السياسة بالقواعد المعمول بها في بلده.
وهناك فرق كبير بين أن ينتصر رغم الإسلاموفوبيا، وبين أن يستخدمها السياسيون في الانتخابات كسلاح ضد ممداني، لكنها لم تأتِ بالنتيجة المرجوة.
ولا أدل على هذا من الدراسة التي قدمها معهد السياسات الاجتماعية والفهم (ISPU) ضمن مؤشرات انتشار الإسلاموفوبيا، حيث بقيت النسبة ثابتة بين اليهود عند 17%، رغم التوتر المتصاعد فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، مما يدل على أن مصلحة المواطن تتقدم في الصراع الانتخابي المحلي على الصراعات الخارجية والاختلافات الدينية والهوياتية، من دون إنكار دورها بشكل عام، والاعتراض هنا على تضخيم ذلك الدور بالطبع.
هذا التضخيم وقع فيه اليسار العربي الذي احتفى بممداني كممثل لتحالف المظلومين، مستخدمين قصته للتأكيد على سرديتهم أن أبناء الجنوب العالمي يتعرضون لعنصرية بنيوية، وأن صعوده هو انتصار لخطاب العدالة الاجتماعية الثوري المتصاعد.
ما جذب اليسار هو لغة ممداني حول السكن والأجور والعدالة الاجتماعية، لكنهم تجاهلوا أن نجاحه في نيويورك جاء نتيجة لعمل تنظيمي وتقاطع مصالح محلية، وليس انتصار أيديولوجي عالمي.
وأيضاً، وصف ممداني باليساري في الداخل الأميركي هو في الحقيقة بغرض تشويه سمعته. فاليسار الغربي المشابه لليسار العربي مرفوض وممجوج في الغرب عموماً، وفي أميركا خصوصاً؛ لأنه مرادف للتطرف، في حين ينتمي ممداني إلى التيار الاشتراكي الديمقراطي والمتبني لتفعيل أكبر للسياسات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، على غرار النموذج الاسكندنافي أو الألماني البروسي.
ولكن لماذا فاز ممداني؟
فاز ممداني لأنه طرح برنامجاً خدمياً يسهم في تحسين حياة أهل المدينة من توفير السكن، والحد من ارتفاع الإيجارات، العدالة المجتمعية، تحسين الخدمات وتوفير تمويل أكبر للبلديات، هذه الملفات هي محور انتخابات المجالس المحلية في عموم انتخابات الولايات.
واستطاع التعريف ببرنامجه بطرق عصرية ومبتكرة: طرق أبواب المنازل، وتحدث معهم بلغتهم الأم وليس فقط الإنكليزية، تحالف مع كثير من النقابات ودعم الحركات الشبابية التي تتوق إلى التغيير.
وبذلك اجتمعت أصوات الحزب الديمقراطي مع أصوات الطبقة الوسطى والفقيرة والأقليات، إضافة إلى كثير من الشباب تحت سن 35 عاماً.
أمّا تحويله إلى انتصار للعرب والمسلمين فهو تعبير عن خلل في فهم السياسة، وعن حاجة عاطفية لصناعة بطولة من حدث تأثيره محدود جداً على الساحة الدولية في المدى المنظور..
وأخيراً لم يكن لينجح ممداني لولا النظام الديمقراطي الذي يتيح لأي شخص لديه ما يقدّمه أن يصعد السلم السياسي، حتى لو عاداه وهدّده رئيس جمهورية متسلط على غرار ترمب!
فوز ممداني مهم بلا شك، لكنه مهم بقدر ما يعكس قدرة السياسة المحلية الأميركية على إنتاج قيادات جديدة من خلفيات متنوعة، شرط أن تتقن السياسة وتخدم جمهورها فعلياً.
أمّا تحويله إلى انتصار للعرب والمسلمين فهو تعبير عن خلل في فهم السياسة، وعن حاجة عاطفية لصناعة بطولة من حدث تأثيره محدود جداً على الساحة الدولية في المدى المنظور حتى الانتخابات الرئاسية القادمة على الأقل.
ممداني فاز نتيجة لعمل سياسي منظم، وبرنامج اجتماعي واقتصادي واضح، وهو انتصار لمفهوم المواطنة المتساوية داخل مؤسسات الدولة، لا لمفهوم الهوية بمعناها التعبوي (رغم استخدام السياسيين لها في الدعايات الانتخابية).
Loading ads...
وديناميكية الانتصار تعود إلى العملية الديمقراطية ذات الأساس المؤسسي، القائمة على سيادة القانون وفصل السلطات. لذلك، لم يستطع ترمب ولا حلفاؤه من جماعات الضغط وأباطرة المال تغيير النتائج، بعد أن منح المواطن صوته لممداني.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





