تمنحُنا المدن شيئاً ما، فنحبّها. ربما احتضنت طفولتنا، أو علّمتنا المشي، أو أعطتنا بيتاً آمناً، أو تركت في ذاكرتنا شارعاً لا نزال نعرفه حتى بعد أن تغيّر كلّ شيء حوله.
تتراءى لنا بيروت التي نحبُّها حبّاً يبدو في صورته الأولى أقلّ وضوحاً. ربما لأنّ هذه المدينة، بصورتها الأولى واللاذعة، أرهقتنا، خذلتنا، ودفعتنا إلى الرحيل عنها، أو جعلتنا نبحث عن حياة أخرى بعيداً منها.
لكنَّها ظلّت، برغم ذلك، قادرةً على استدعائنا إليها بجملة، أو رائحة، أو صورة.
لا أعرف إن كان ممكناً أن نحبّ بيروت من دون شيء من المبالغة، كأننا لا نحبّ المدينة بمفردها.
في أعماقنا، نحبّ الطريقة التي تعلّمنا بها أن نتحدَّث عنها. في هذه اللحظة أقول بيروت، وأستدعي البحر. جميلة هي المدن البحريّة. أستدعي في رأسي أيضاً المقاهي، الكتب، السهر، والحرب في جهة واحدة من المدينة. وكأنّ هذه البقعة الملعونة تعاقدت على نفي أبنائها. تنفي المدينةُ أبناءها والأصدقاء الذين غابوا، وشيئاً من بيوتها التي تغيّرت، وأحياءها التي لم تعُد تشبه نفسها.
نحبُّ مدينةً مركّبةً. مدينة تبدو في ظاهرها معطوبةً. مدينة متآلفة من أماكن حقيقية وذكريات اخترعنا لها أماكن.
ماذا لو كانت بيروت قبيحةً تماماً؟ ربما لكان الرّحيل عنها أسهل.
ماذا لو كانت هذه المدينة جميلةً تماماً؟ لكان حبّها أكثر بساطةً ربما.
في بيروت، يعيش الجميل والرديء في المكان نفسه. لا نعرف قطعاً أيّهما نحبّ. نحبّ شارعنا الذي مشينا فيه للمرة الأولى. مقهى لأنّ شخصاً ما جلس معنا فيه ذات مساء، مع أنّ القهوة لم تكن صفواً. نحبّ بيتاً صار من ماضينا فقط لأنَّ أحداً كان يعيش فيه. ونحبّ حيّاً كنا نعبُرُهُ صغاراً وكانت الحياة تبدو لنا، آنذاك، أوسع وأخفّ وأقلّ قسوةً.
لا نحبُّ المدن كما هي. نحبُّ النسخة التي استودعناها داخلها. من الصعب محاكمة المدينة وحدها. صعب جداً أن نكره مكاناً يحمل أشخاصاً نحبّهم. كيف نطلب من شارع أن يدفع ثمن حرب لم يختَرها، أو نلوم مثلاً بنايةً على سقوطها؟ فهي التي سقطت، فيما الذي يؤلمنا حقاً هو ما كان يحدث داخلها.
بيروت قادرة على ملاحقتنا. حتى حين نغادرها، لا نغادرها تماماً. نأخذ منها ما يكفي كي تستمرّ فينا، ولو لبعض الوقت. نحمل معنا لكنةً أو شارعاً أو لهجةً، وطريقةً في الجلوس وأغنيات كثيرةً سمعناها للمرة الأولى قرب البحر. نحمل حتى خوفاً لم نعرف أنه صار جزءاً من شخصيتنا إلا بعد سنوات.
لم تكُن بيروت جيّدةً معنا. نعرف أنها لم تكن كذلك. نعرف كم أخذت من أعصابنا ووقتنا وأموالنا وأحلامنا. نعرف أنها جعلت العيش فيها يحتاج أحياناً إلى مهارات لا ينبغي لأيّ مدينة أن تطلبها من سكانها. ونعرف أيضاً أنّ كثيرين غادروها لأنّ حبّ مدينةٍ ما ليس كافياً للعيش فيها.
يكفي أن نصل إلى مدينة أخرى حتى نقارن؛ هذا الشارع ليس مثل شوارع بيروت. هذا البحر ليس بحرها. هؤلاء الناس لا يتحدثون بالطريقة نفسها التي يتحدّث بها أهل بيروت وروّادها وعشاقها.
هذا المساء هادئ أكثر مما ينبغي. كأننا، بعد أن نجونا من المدينة، بدأنا نفتقد بعض ما كان يؤذينا فيها. ربما تكون هذه حيلة بيروت ودربتها. الحيلة الأكثر قسوةً؛ أن تجعل الأشياء التي أتعبتنا جزءاً مما نفتقده.
حتى الحرب، بطريقة ما، تدخل في هذه الذاكرة الحيّة لبيروت. لا يعني ذلك أننا نحبُّ الحرب. لا أحد يحبّ الرصاص والخوف والموت. المدن التي عاشت الحروب تحملها معها، وتصبح الحرب جزءاً من طريقة أهلها في النظر إلى الأشياء.
نتعلَّم من حرب بيروت الحذر، والسخرية، والاستعداد للأسوأ، وربما ذلك النوع الغريب من الفرح الذي يعرف أنه مؤقت، فنصطاده ونعرفه بسرعة.
حتى الفرح في بيروت يبدو أحياناً كأنّه يعرف شيئاً عن الحزن. يصعب أن نكتب عن بيروت دون أن نكتب عن أنفسنا.
حين نقول بيروت، نقول شيئاً عنّا، عن الذين كنّاهم حين وصلنا إليها، عن الذين أصبحناهم ونحن نغادرها، وعن الأشياء التي فقدناها في الطريق. وكأنّ هذه المدينة خلفية لحياتنا وتفاصيلنا.
ربما علينا أن نكفّ عن مطالبة بيروت بأن تكون تلك المدينة التي نحبّها دائماً. أن نقبل أنها مدينة جميلة وقاسية، سخيّة وبخيلة، حرّة ومختنقة، واسعة وضيّقة، وقادرة على أن تمنحك العالم في شارع، وأن تجعلك عاجزاً عن الوصول إلى بيتك في الشارع نفسه. مدينة تشبه أهلها أكثر مما نحبّ أن نعترف. نحبّها لأنها تشبهنا، وربما نعجز عن مغادرتها للسبب نفسه.
لا أعرف إن كانت بيروت معشوقةً. المعشوقة كلمة توحي بأنّ العلاقة جميلة واضحة ومتبادلة. وبيروت لا تتقنُ شيئاً من ذلك. العلاقة معها تبدو أكثر التباساً. نحبّها، ثمّ نغضب منها. نغادرها، ثم نشتاق إليها. نلعنها في الصباح، ونبحث عنها في المساء في صورة قديمة. هكذا نحبّ المدينة التي تؤذينا.
نحبّ بيروت. نحتاج إلى حبّها كي نبرّر كل ما تحمّلناه فيها. ربما يكون الحب، أحياناً في إحدى صوره، طريقةً للنجاة من الاعتراف بالخسارة. أن تقول إنك تحبّ المدينة أسهل من أن تقول إنك قضيت سنوات من عمركَ في مكان لم يمنحك ما كنت تستحقه.
أن تحبّ المكان يعني أن تمنح ما حدث فيه معنى، حتى لو جاء المعنى متأخراً. وهذه هي سيرة بيروت وأهلها.
نعرف عيوب بيروت جيداً. نتحدث عنها أمام الآخرين بثقة من يعرف ما لا يريد. نقرّر في لحظة ما أن نذهب ولا نعود. نقول إننا تعبنا منها، لكننا نغضب حين يتحدث عنها شخص آخر بسوء. نعرف أنها لم تكن عادلةً معنا، ومع ذلك لا نحبّ أن يصفها أحد ممن لم يعِش فيها بالطريقة نفسها. كأنّ لنا حقاً حصرياً في الشكوى من هذه المدينة.
حين نقول بيروت، نتحدث عن مدينة فوق طبقات من الخسارات. يستغرب البعض لو قلنا إننا نستطيع أن نحبّ بيروت ببساطة.
نعرف ما فعلته بنا. نعرف ما أخذته، وما لم تعطِه، وما جعلتنا نعتاد عليه حتى خلناه طبيعياً. نعرف أيضاً أنّ كثيراً مما نسمّيه حباً للمدينة هو حبّ لأشخاص عاشوا فيها، ولأيامهم القاحلة الراحلة التي لن تعود.
Loading ads...
هذه هي بيروت التي تؤذينا حقاً، والتي لا تترك لنا رفاهية أن نكرهها. نغادرها ونحن غاضبون ولا نلبث أن نعود أو نفكِّر أو...
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






