في أسواق الطاقة، قد يمثل ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل فرصة لبعض الاقتصادات وعبئا ثقيلا على أخرى، لكن التطورات الأخيرة تكشف عن أن حسابات الربح والخسارة قد تكون أكثر تعقيدا من هذه المعادلة التقليدية.
فبينما تواصل أسعار النفط صعودها مدفوعة باضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، تواجه بعض الدول المنتجة تحديات اقتصادية متزايدة، في ظل تراجع الطلب العالمي والمخاوف من عودة التضخم وما قد يترتب عليه من ارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ النمو، في حين تختلف قدرة الدول المستوردة على تحمل الصدمة بحسب اعتمادها على الواردات وسياسات دعم الوقود ومواردها المالية.
وأغلق خام برنت تعاملات الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول عند 116.72 دولارا للبرميل، بمكاسب أسبوعية تجاوزت 6%، وسط مخاوف متزايدة بشأن استمرار تدفق إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط.
وتعكس توقعات البنك الدولي الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول الجاري هذه المفارقة، إذ توقع انكماش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.3% خلال عام 2026، نتيجة اضطرابات الإنتاج والتصدير المرتبطة بالصراع في المنطقة، مقابل نمو متوقع بنسبة 4.3% للاقتصادات النامية المستوردة للنفط، رغم ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء.
ولا تعني هذه التوقعات أن الدول المستوردة بمنأى عن الخسائر أو أن الدول المنتجة لن تستفيد من ارتفاع الأسعار، إذ تتوقف النتائج على حجم الإنتاج والصادرات، وقدرة الحكومات والشركات على استيعاب التكاليف الإضافية، ومدى استمرار اضطرابات الإمدادات.
فمن الرابحون والخاسرون من استمرار النفط فوق 100 دولار؟ وهل تستطيع الاقتصادات العربية امتصاص صدمة الأسعار، وما التداعيات المحتملة على المواطنين والشركات والاقتصاد العالمي؟
تعود موجة الصعود الأخيرة إلى المخاوف من تجدد اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، بعدما شهدت المنطقة هجمات استهدفت منشآت للطاقة، إلى جانب تصاعد المخاطر الأمنية التي تواجه السفن وناقلات النفط، مما أثار القلق بشأن استقرار تدفق الإمدادات إلى الأسواق.
وتجددت هذه المخاوف بعدما نقلت وكالة رويترز إعلان الحرس الثوري الإيراني عن تعرض ناقلتي نفط لانفجارات وحرائق إثر اصطدامهما بألغام بحرية في أثناء عبورهما مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، بحسب وكالة الطاقة الدولية.
ولا يقتصر تأثير اضطرابات الملاحة على نقص الإمدادات، إذ ارتفعت تكاليف نقل الخام والتأمين عليه، حتى مع استمرار وصول النفط عبر مسارات بديلة، وهو ما زاد الأعباء على المستوردين والمصافي.
وتكشف بيانات وكالة الطاقة الدولية حجم الاضطراب الذي أصاب السوق، فقد توقعت انخفاض متوسط الإنتاج العالمي خلال عام 2026 بمقدار 5.8 ملايين برميل يوميا مقارنة بالعام السابق، بينما تراجعت المخزونات النفطية العالمية المرصودة بنحو 509 ملايين برميل عن مستويات نهاية فبراير/شباط.
ومع ذلك، بدأت بعض الإمدادات في التعافي، إذ ارتفعت صادرات الخام من منتجي الخليج إلى 13.9 مليون برميل يوميا خلال سبتمبر/أيلول، لتصل إلى أكثر من 3 أرباع مستوياتها قبل الحرب، لكن استمرار الهجمات وارتفاع أجور الناقلات يهددان بتعطيل هذا التعافي.
تواجه الدول العربية المستوردة للنفط ضغوطا متزايدة مع ارتفاع الأسعار، إذ تجد الحكومات نفسها أمام خيارات صعبة بين زيادة أسعار الطاقة محليا أو تحمل جانب أكبر من فاتورة الاستيراد، في وقت تواجه فيه الأسر بالفعل ارتفاعا في تكاليف المعيشة.
ففي الأردن، أعلنت وزارة الطاقة والثروة المعدنية أن الحكومة تحملت نحو 255 مليون دينار أردني (360 مليون دولار تقريبا) من الدعم وفروقات أسعار المحروقات منذ بداية الأزمة وحتى نهاية سبتمبر/أيلول، نتيجة عدم تمرير الارتفاعات العالمية بالكامل إلى المستهلكين.
ورغم ذلك، رفعت الحكومة أسعار المحروقات خلال أكتوبر/تشرين الأول، إذ زاد سعر السولار بنسبة 5.9% إلى 900 فلس (1.27 دولار) للتر، مقابل تكلفة فعلية تبلغ نحو 1.52 دولار للتر، وهو ما يعكس استمرار تحمل الدولة جزءا من التكلفة.
وفي مصر، قررت الحكومة يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول تثبيت أسعار المنتجات البترولية، رغم أن الموازنة العامة بُنيت على أساس سعر 75 دولارا للبرميل، مقارنة بنحو 110 دولارات وقت تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول.
وأوضح مدبولي أن الحكومة تواجه 3 خيارات، تتمثل في تمرير الزيادة إلى المستهلكين، أو تحمل الدولة الفارق مع ما يتطلبه ذلك من توفير موارد إضافية أو اللجوء إلى الاقتراض، أو تقليص مشتريات الوقود، وهو ما قد يؤدي إلى نقص الإمدادات وتخفيف أحمال الكهرباء لفترات تتراوح بين 6 و8 ساعات يوميا، مؤكدا أن هذه السيناريوهات طُرحت لتوضيح الخيارات المتاحة، وليست قرارات اتخذت بالفعل.
ولا تقتصر الضغوط على الموازنات العامة، إذ أظهرت بيانات التضخم أن المستهلكين كانوا يواجهون بالفعل زيادات في أسعار السلع الأساسية قبل موجة النفط الأخيرة.
ففي مصر، بلغ التضخم السنوي في المدن 13.9% خلال سبتمبر/أيلول 2026، مقارنة مع 14.5% في أغسطس/آب، لكن الأسعار ارتفعت على أساس شهري بنسبة 1.3% في سبتمبر/أيلول، مقابل 0.1% في أغسطس/آب، مدفوعة بزيادة أسعار الخضراوات بنسبة 15.1% واللحوم والدواجن بنسبة 2.5%.
وفي تونس، ارتفع التضخم السنوي إلى 5.6% في سبتمبر/أيلول، مقابل 5.4% في أغسطس/آب، بينما زادت أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 8.4% على أساس سنوي، مع ارتفاع أسعار الدواجن بنسبة 16.5% والفواكه الطازجة بنسبة 16.3%.
أما في المغرب، فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 1% خلال سبتمبر/أيلول مقارنة بأغسطس/آب، مدفوعا بزيادة أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.6% والمحروقات بنسبة 2%، في حين سجلت تكاليف النقل ارتفاعا سنويا بلغ 9.4%، رغم بقاء التضخم العام عند 0.5%.
ورغم هذه الضغوط، فإن البنك الدولي توقع نمو الاقتصادات النامية المستوردة للنفط في المنطقة بنسبة 4.3% خلال عام 2026، مقابل 3.9% في العام السابق، ما يعكس قدرتها النسبية على الصمود، لكنه لا يعني عدم تأثر المواطنين أو الموازنات العامة بارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء.
في المقابل، يمثل ارتفاع أسعار النفط في الظروف الطبيعية فرصة لزيادة إيرادات الدول المصدرة وتحسين أوضاع موازناتها، لكن الأزمة الحالية كشفت أن حجم المكاسب يتوقف أيضا على قدرة المنتجين على الحفاظ على مستويات الإنتاج وإيصال صادراتهم إلى المشترين.
وتوضح بيانات البنك الدولي حجم هذه المفارقة، فقد انخفض إنتاج النفط في دول مجلس التعاون الخليجي من نحو 26 مليون برميل يوميا قبل اندلاع الحرب إلى قرابة 16 مليون برميل في مارس/آذار، واستمر عند مستويات منخفضة حتى مايو/أيار، قبل أن يبدأ بالتعافي جزئيا.
وأسهم تراجع الإنتاج وتعطل حركة التجارة في الضغوط الاقتصادية التي دفعت البنك الدولي إلى توقع انكماش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2026، رغم ارتفاع أسعار الخام عالميا.
مع ذلك، لا تتوزع الخسائر بالتساوي بين المنتجين، إذ تتمتع الدول التي تستطيع الحفاظ على تدفق صادراتها أو تحويل جزء منها إلى طرق بديلة بفرص أفضل للاستفادة من الأسعار المرتفعة.
وتظهر تكلفة هذه البدائل في بيانات نقلتها رويترز خلال أكتوبر/تشرين الأول، إذ بلغت أجور بعض الناقلات المتجهة من الشرق الأوسط إلى الصين نحو 1.4 مليون دولار يوميا، بما يزيد على 12 ضعف مستويات ما قبل الحرب، بينما ارتفعت أقساط التأمين على بعض الشحنات إلى نحو 10% من قيمتها.
وقد تستفيد شركات إنتاج النفط من زيادة أسعار البيع، لكن ارتفاع تكاليف الشحن والتمويل والمعدات قد يقلص جزءا من هذه المكاسب، بينما تواجه المصافي ضغوطا مختلفة نتيجة ارتفاع أسعار الخام، وهو ما يعكس تفاوت المكاسب والخسائر حتى بين الشركات العاملة في قطاع الطاقة نفسه.
يتوقف مسار الأسعار خلال الأشهر المقبلة على تطورات الصراع في الشرق الأوسط، ومدى قدرة المنتجين على استعادة صادراتهم، إلى جانب مستويات المخزونات واتجاه الطلب العالمي الذي بدأ يتأثر بالفعل بارتفاع تكاليف الطاقة.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى تراجع الطلب العالمي على النفط بمقدار 2.6 مليون برميل يوميا خلال عام 2026، مع توقع انخفاض الاستهلاك إلى 102.4 مليون برميل يوميا، نتيجة ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية في بعض الدول.
ورغم هذا التراجع، فإن الوكالة تتوقع استمرار العجز في توازن العرض والطلب حتى نهاية العام، مع احتمال امتداد الضغوط على إمدادات بعض المنتجات النفطية إلى عام 2027، ما يشير إلى أن ضعف الاستهلاك ربما لا يكفي وحده لإعادة الأسعار سريعا إلى مستوياتها السابقة.
وإذا استمر اضطراب الإمدادات وطرق الشحن، فقد تظل الأسعار مرتفعة أو تتعرض لموجات صعود جديدة، بينما يمكن أن يؤدي تحسن الأوضاع الأمنية وعودة الإنتاج والصادرات إلى تخفيف الضغوط، خاصة إذا ترافق ذلك مع استمرار ضعف الطلب.
لا تتوقف تداعيات ارتفاع أسعار النفط عند الدول المستوردة أو القطاعات الأكثر استهلاكا للطاقة، إذ تمتد إلى الاقتصاد العالمي عبر زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والشحن، التي تنتقل تدريجيا إلى أسعار السلع والخدمات، مما يغذي التضخم ويضع مزيدا من الضغوط على القدرة الشرائية للمستهلكين، حتى في الدول التي تستفيد من ارتفاع إيراداتها النفطية.
وبدأت آثار هذه الضغوط تظهر بالفعل في عديد من الاقتصادات الكبرى، فقد توقع صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر في أكتوبر/تشرين الأول بلوغ التضخم العالمي 4.7% خلال عام 2026، مع تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 3.1%، في ظل الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، قبل أن يتراجع التضخم إلى 4.1% في العام المقبل.
وتزيد هذه الضغوط صعوبة الموازنة بين احتواء التضخم ودعم النمو الاقتصادي، وهو ما عكسه قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي استئناف رفع أسعار الفائدة في سبتمبر/أيلول الماضي بمقدار ربع نقطة مئوية، لتصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، في محاولة لإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ 2%.
ولا تقتصر تداعيات الفائدة المرتفعة على المستهلكين، إذ تزيد تكلفة الاقتراض على الشركات والحكومات، ما قد يدفع الشركات إلى تأجيل استثماراتها وتوسعاتها، ويزيد أعباء خدمة الديون العامة، خاصة إذا استمر ارتفاع تكاليف الطاقة بالتزامن مع ضعف الطلب على السلع والخدمات.
ولا تبدو الدول والشركات النفطية بمنأى عن هذه التداعيات، فقد تتآكل بعض مكاسب ارتفاع إيرادات الصادرات بفعل زيادة أسعار السلع والمعدات المستوردة وتكاليف النقل والتمويل، فضلا عن تباطؤ الطلب العالمي، مما يعني أن المكاسب الناتجة عن ارتفاع سعر البرميل ربما لا تتحول بالضرورة إلى تحسن مماثل في أداء الاقتصاد ككل.
وتكشف بيانات وكالة الطاقة الدولية عن جانب من هذه المفارقة، إذ أدى ارتفاع تكاليف الخام والشحن إلى تراجع هوامش أرباح المصافي في أوروبا وآسيا خلال سبتمبر/أيلول.
Loading ads...
وهكذا، لا يتوقف حجم المكاسب والخسائر على استمرار أسعار النفط فوق 100 دولار وحده، فبينما قد تتآكل الإيرادات الإضافية التي تحققها بعض الدول المنتجة بفعل التضخم وتباطؤ الإنتاج والاستثمار، تواجه الدول المستوردة ضغوطا متزايدة لتأمين احتياجاتها من الطاقة في ظل شح الإمدادات وارتفاع تكاليفها، بما قد يحد من مكاسب الدول المنتجة ويعمّق خسائر الدول المستوردة على السواء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





